حسن وهبة -
من بيروت، أكملت مبادرة "لبنانيون ضد التطبيع" نشاطاتها التي بدأتها منذ شهر، في محاولة لجمع أصوات وهيئات متعددة تحت عنوان واحد، وتحويل الموقف الرافض للتطبيع إلى مسار منظم ومستمر. هذه المرة من مبنى السفير بما تمثله من مساحة جامعة للإعلام والثقافة والسياسة والجامعة والمجتمع، واصلت نشاطها عبر لقاءات واجتماعات تبحث في أدوات المواجهة وآليات التنسيق.
انطلقت ورقة العمل من الدور الأساسي للإعلام في تشكيل الوعي العام والمواقف الوطنية، معتبرةً أن مواجهة التطبيع تتطلب إنتاج خطاب مهني وواعٍ، يقوم على الدقة والتوثيق واحترام أخلاقيات المهنة. واقترحت الورقة إطلاق مسار إعلامي وطني منسق ومستدام، يهدف إلى تعزيز الوعي بأشكال التطبيع وأبعاده، وتوسيع التعاون بين المؤسسات الإعلامية والهيئات المناهضة له، والانتقال من المواقف العامة إلى برنامج عملي قابل للتنفيذ.
لقاءات متنوعة ومستمرة
في مداخلته لـ"المدن" على هامش اللقاء أكّد الكاتب السياسي توفيق شومان أنّ لقاء اليوم هو "لقاء إعلامي منهجي، وله أهداف ومقاصد متعددة. ومن دون شك، العاصمة هي واحدة من المحاور الأساسية، لأن صوت العاصمة يبقى الصوت الأكبر والأوسع حضوراً. وأضاف شومان أنّ ما ينبغي التوقف عنده هو أن جلسة اليوم ليست حدثًا منفصلًا، ما ينبغي التوقف عنده أنّ هذه اللقاءات هي جزء من سلسلة من الجلسات المتلاحقة. وأيضاً الزيارات، على سبيل المثال، زيارة مرتقبة إلى مدينة النبطية يوم السبت المقبل، وهناك لقاء آخر في زحلة في قلب جبل لبنان، إضافة إلى تحركات وتحضيرات قرب قصر العدل".
وفي هذا الإطار، طُرح إعداد ميثاق شرف إعلامي يمنع تقديم التطبيع باعتباره أمراً طبيعياً أو اعتيادياً، على أن تتولى لجنة إعلامية صياغته ومتابعة آلية تطبيقه. كما طُرحت خطة إعلامية تتضمن حملات توعوية، ومقالات وتحقيقات ومقابلات وحوارات ومحتوى رقمياً، مع تبادل الخبرات والمواد بين المؤسسات، وتوسيع النشاط ليشمل مختلف المناطق اللبنانية.
جيل إعلامي جديد
ومن المقترحات التي حضرت بقوة، تنظيم دورات وورش تدريب للإعلاميين وطلاب الجامعات، وخصوصاً طلاب الإعلام، تتناول مفهوم التطبيع وأشكاله السياسية والثقافية والاقتصادية والإعلامية، وكيفية رصد الخطاب التطبيعي وتحليله ومواجهته.
وذهب النقاش أبعد من التدريب النظري، إلى فكرة بناء جسر بين الجامعة والميدان، بحيث يتعلم الطالب التحقق والتوثيق وإعداد التقارير والمقابلات والتعامل مع الصورة والمصادر. فالمعركة الإعلامية، كما ظهر في اللقاء، لا تُحسم بالشعارات، وإنما بإنتاج صحافي يعرف كيف يسأل، وكيف يوثق، وكيف يضع الوقائع في سياقها.
الصورة في مواجهة النسيان
الجنوب حضرَ بقوة في النقاش، من خلال الدعوة إلى تفعيل التغطيات الميدانية والحية من القرى الحدودية وأماكن الغارات والانتهاكات. فالهدف، وفق ما طُرح، ألا يبقى الجنوب مجرد صورة للدمار، وأن تُنقل حياته أيضاً: الناس، والبيوت، والزراعة، والمدارس، والخوف، والنزوح والعودة.
من جهته قدَّم قاسم قصير، الكاتب السياسي، في مداخلته لـ"المدن" قراءة تؤكِّد أنّ الهدف الأهم هو إيجاد نوع من شبكة التعاون بين المؤسسات الإعلامية والإعلاميين، بما يسمح بتنسيق الجهود والعمل المشترك في هذه المرحلة، خصوصاً في ظل أوضاع لبنانية بدأت تجعل من موضوع مساراً واقعياً وعملياً.
وأضاف قصير: نحن نشهد، للأسف، دعوات من بعض الجهات إلى الذهاب إلى الكيان الإسرائيلي، سواء لأغراض سياحية أو لإقامة علاقات، كما نشهد أيضاً محاولات لإقامة شراكات بين منصات إعلامية لبنانية ومنصات إسرائيلية. ومن هنا، فإن المطلوب هو أن يكون هناك تحرك إعلامي واضح ومنهجي، يواكب هذه التطورات، ويسلّط الضوء عليها، ويكشف للرأي العام طبيعة هذه الأنشطة وأبعادها.
بين التاريخ والسياسة والإعلام
تناول أحد الباحثين خلال اللقاء مسألة التطبيع الديني، ضمن قراءة أوسع لجذور التطبيع وتطوره تاريخياً من المجال السياسي إلى الاقتصادي والثقافي والإعلامي. ومن جهة أخرى ربط المشاركون رفضهم للتطبيع بما يعتبرونه استمراراً للاحتلال والاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية في لبنان وفلسطين، معتبرين أن التعامل مع إسرائيل كطرف طبيعي يتطلب نقاشاً تاريخياً وسياسياً وقانونياً حول آثار هذا المسار.
المجلس الوطني للإعلام والقانون
في زاوية أخرى، تطرق النقاش إلى دور المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، حيث اعتبر مشاركون أن دوره الحالي لا يواكب حجم التحولات التي يشهدها الإعلام اللبناني، خصوصاً مع توسع المنصات الرقمية وظهور المؤثرين وصنّاع المحتوى.
كما طُرحت فكرة تفعيل المسار القانوني في مواجهة حالات الترويج للتطبيع، عبر رصد التصريحات والمضامين وتوثيقها، ودراسة مدى انطباق القوانين اللبنانية عليها، وصولاً إلى تحريك المسارات القضائية عند توافر الأساس القانوني.
وفي السياق نفسه، نوقشت بعض المواقف والمضامين الإعلامية التي دعا أصحابها إلى علاقات مع إسرائيل، إضافة إلى مسألة التعاون أو التوأمة بين منصات لبنانية وإسرائيلية، باعتبارها نماذج تحتاج إلى نقاش مهني وقانوني حول حدود المسؤولية الإعلامية وحرية التعبير.
الإعلام التقليدي والسوشال ميديا
لم يغفل اللقاء التحول الكبير الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح المؤثرون وصنّاع المحتوى جزءاً أساسياً من صناعة الرأي العام. ومن هنا طُرحت الحاجة إلى إشراكهم في أي خطة إعلامية مقبلة، وتدريبهم على التحقق والتوثيق، والاستفادة من قدرتهم على الوصول إلى الأجيال الشابة، من دون التخلي عن المعايير المهنية.
كما برزت فكرة جمع جهود المؤسسات الإعلامية وتقنينها ضمن إطار تنسيقي، بدلاً من بقاء المبادرات متفرقة، بما يسمح بتبادل المواد والأرشيف والخبرات، وإنتاج ملفات إعلامية مشتركة.
نحو مؤتمر وطني
من المقترحات الأساسية أيضاً التحضير لعقد مؤتمر وطني جامع يضم الهيئات والجمعيات والفعاليات المناهضة للتطبيع، بهدف توسيع التنسيق وبناء إطار تشاوري يحترم استقلالية الجهات المشاركة، ووضع برنامج عمل مشترك في المجالات الإعلامية والثقافية والتربوية والاجتماعية.
كما طُرح إعداد كتاب إلى وزارات الإعلام والثقافة والاقتصاد، يتضمن مقترحات عملية حول حماية الإنتاج الثقافي والإعلامي اللبناني، والتعامل مع الملفات الاقتصادية والثقافية المرتبطة بالتطبيع ضمن الأطر القانونية، إلى جانب طرح إدراج التوعية والتفكير النقدي في المناهج التعليمية.
وظهر كذلك اقتراح تخصيص يوم وطني لرفض التطبيع، سواء في 23 أيلول أو في موعد آخر يرتبط بحدث مفصلي في العلاقة اللبنانية-الإسرائيلية، ليكون مناسبة سنوية للندوات والفعاليات والتوثيق والنقاش العام.
من رد الفعل إلى المبادرة
في نهاية اللقاء، بدت معظم المقترحات متجهة نحو هدف واحد: جمع الجهود وتحويلها من مواقف متفرقة إلى عمل منظم ومستدام. فالمطلوب، وفق التصور الذي خرج به المجتمعون، تأسيس مسار إعلامي ينتقل من رد الفعل إلى المبادرة، ومن الجهود الفردية إلى التنسيق، ومن الخطاب العام إلى برامج قابلة للتنفيذ والمتابعة على الأرض.
وفي نهاية اللقاء ختم شومان حديثه لـ"المدن" قائلاً "إنّ هذا المسار لا ينبغي أن يبقى محصوراً داخل لبنان، لأن الأصوات التي تخرج من لبنان يمكن أن يكون لها صدى في العالم العربي، خصوصاً أن جزءاً من القضايا المطروحة على لبنان مطروح أيضاً، بشكل أو بآخر، على سوريا. ومن هنا، أعتقد أن جزءاً أساسياً من العمل المقبل يجب أن يتجه نحو بلورة مسار لبناني-سوري متكامل، يقوم على التنسيق والحوار وتبادل الأفكار، بما يسمح بأن تتكامل الجهود بدل أن تبقى منفصلة ومتفرقة".