خاص - جعجع .. عقدة الرقم ونحْرُ اللبنانيين!

  • 18 September 2026
  • 42 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    خاص tayyar.org -

    لم يكتفِ رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بقراءة نتائج جلسة مناقشة الحكومة، بل قرر أن يمنحها معنى لم يكن موجوداً فيها أصلاً. في روايته، ما جرى في مجلس النواب ليس مجرد تصويت على الثقة، بل استفتاء شعبي انتهى إلى نتيجة جاهزة: أكثرية اللبنانيين تؤيد الحكومة، وتتبنى خياراتها، فيما لا يبقى للمعارضة سوى موقع "الأقلية الضئيلة جداً" التي "عاثت فساداً وخراباً".

    المشكلة أن هذا الكلام يصطدم بأول حقيقة في المشهد. فتحويل 68 صوتاً نيابياً إلى "أكثرية الشعب اللبناني" تزوير لدلالة التصويت. والأكثر فجاجة أن جعجع يريد تحويل هذه الأكثرية النيابية إلى شيك على بياض للحكومة. منذ متى أصبحت الثقة النيابية شهادة حسن أداء أو تفويضاً شعبياً مفتوحاً؟ تعني الثقة أن الحكومة تستطيع الاستمرار، لا أنها نجحت في الكهرباء والمياه والاقتصاد والإصلاح والودائع والنازحين، ولا أنها أصبحت فوق المساءلة.

    هنا تحديداً يحاول جعجع الهروب من جوهر جلسة المساءلة. بدلاً من الإجابة عن الأسئلة التي وُضعت أمام الحكومة حول أدائها ووعودها وملفاتها، ينقل النقاش إلى مكان آخر. كأن مجرد رفع شعار حصرية السلاح بيد الدولة يكفي لإسقاط كل الأسئلة الأخرى من جدول الحساب.

    لا أحد يحتاج إلى تذكير اللبنانيين بأهمية قيام دولة تحتكر قرارها الأمني والعسكري. لكن تحويل هذه القضية إلى شماعة تُعلّق عليها كل مصائب لبنان ليس تشخيصاً سياسياً، بل تبسيط مخلّ لأزمة عمرها عقود. لا تحتاج الكهرباء فقط إلى حل أزمة السلاح، والمياه لا تُدار بالشعارات، والاقتصاد لا ينهض بالخطابات، والودائع لا تعود بالتصويت النيابي. هذه كلها مسؤوليات حكومية مباشرة، ومن حق اللبنانيين أن يسألوا الحكومة ماذا فعلت فيها.

    ثم يأتي الجزء الأكثر تطيّراً. كل من يعارض الحكومة يصبح، وفق جعجع، من القوى التي "لم تلتحق بركب الدولة". هنا لا يعود الأمر خلافاً سياسياً، بل محاولة لمصادرة مفهوم الدولة نفسه. فهل الدولة ملكية سياسية لفريق بعينه؟ وهل المعارضة تصبح خروجاً على الدولة لمجرد أنها لا تصفق للحكومة؟

    مارس التيار الوطني الحر حقه الدستوري والسياسي في المعارضة، وذهب إلى طرح الثقة بالحكومة. فهل أصبح بذلك خارج الدولة؟ أم أن المطلوب هو دولة بلا معارضة، وحكومة بلا مساءلة، وأكثرية نيابية تتحول تلقائياً إلى إجماع شعبي؟

    الأدهى أن جعجع يتحدث عن "أقلية ضئيلة جداً عاثت فساداً وخراباً"، كأن نتائج الانتخابات أو جلسة الثقة منحت أحداً حق توزيع شهادات الوطنية والنزاهة على اللبنانيين. تُناقش المعارضة وتُحاسب وتُنتقد، نعم، لكنها لا تُلغى بخطاب تخويني، ولا تتحول إلى "أقلية فاسدة" لأن موقفها السياسي مختلف.

    في الواقع، ما كشفته جلسة مناقشة الحكومة ليس ما يدّعيه جعجع. كشفت أن الحكومة تملك أكثرية نيابية تسمح لها بالاستمرار، وأن في المجلس في المقابل معارضة واضحة ترفض منحها تفويضاً مفتوحاً. هذا هو الطبيعي في أي نظام برلماني: حكومة تحكم، ومعارضة تراقب وتحاسب.
    أما محاولة تحويل الأكثرية النيابية إلى أكثرية شعبية، ثم تحويل الثقة إلى إنجاز، ثم تحويل المعارضة إلى عائق أمام الدولة، فليست سوى محاولة لإعادة كتابة ما جرى بما يخدم رواية سياسية جاهزة.

    المجلس أعطى الحكومة الثقة. أما الشعب، فلا. وإلا إسألوا كل لبناني يُنحَر يومياً في الكهرباء والماء والخبز والمدرسة والاستشفاء والبنزين والمازوت…
    هذه بالضبط هي الحقيقة التي يحاول جعجع القفز فوقها.