مؤتمر باريس يكتفي "بالتأسيس" لدعم الجيش: حصر السلاح شرط ملزم

  • 15 September 2026
  • 54 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image
    بتول يزبك -

    تستمرّ التحضيرات للاجتماع التحضيري الدوليّ لدعم الجيش اللبنانيّ وقوى الأمن الداخليّ، المقرّر عقده في باريس الخميس في 17 أيلول الجاري، فيما يدخل لبنان أسبوعًا تتقاطع فيه ثلاثة مسارات سياسيّة وأمنيّة متشابكة، من دعم المؤسّسات العسكريّة، إلى المفاوضات مع إسرائيل، وصولًا إلى الداخل السياسيّ اللبنانيّ.

    ويأتي اجتماع باريس بعد إرجاء الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة، التي كان مقرّرًا عقدها في روما هذا الشهر، إلى تشرين الأوّل المقبل، بما يطيل عمليًّا مرحلة الانتظار في الجنوب، من دون ضمان أن تحمل الجولة المقبلة اختراقًا سياسيًّا أو ميدانيًّا، ولا سيّما في ظلّ ارتباط الحسابات الإسرائيليّة بمسار الانتخابات الداخليّة.

    وفي موازاة محطة باريس، يُنتظر أن يلتقي السفيران اللبنانيّ والإسرائيليّ لدى الولايات المتحدة في وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن، فيما يشهد الداخل اللبنانيّ جلسة مناقشة عامّة للحكومة في مجلس النواب يومَي الثلاثاء والأربعاء. وسط هذه الحركة، يبرز اجتماع باريس بوصفه محطة يفترض أن تحدّد حاجات الجيش والقوى الأمنيّة، وتضع الأساس للمؤتمر الدوليّ الأوسع المنتظر لاحقًا. لكنّ معلومات "المدن" تشير إلى أنّ المسافة لا تزال كبيرة بين إعلان الدعم السّياسيّ للبنان وبين ترجمة هذا الدعم أموالًا وتجهيزات ومساعدات عسكريّة فعلية.



    مؤتمر تحضيريّ لا مؤتمر مانحين

    وتشير مصادر سياسيّة معنيّة بالمؤتمر، في حديثها لـِ "المدن"، إلى أنّ الاجتماع لا يزال يفتقر إلى عنصر أساسيّ، يتمثّل في مشاركة الدول المعنيّة مباشرةً على مستوى شخصيّات تملك صلاحية اتخاذ القرار، والقدرة على الالتزام بتقديم مساعدات فعلية. فالمطلوب، بحسب المصادر، ليس حضورًا سياسيًّا أو معنويًّا يكرّر دعم الجيش اللبنانيّ، بل مشاركة تسمح باتخاذ قرارات واضحة في شأن التمويل والتجهيز والتسليح، وتحديد ما تستطيع الدول المانحة الالتزام به فعليًّا.

    وتتقاطع هذه المعطيات مع حديثٍ فرنسيّ عن كون هذا المؤتمر "لن يقرّر تقديم الدعم والمعدّات وتوزيعها على القوى المسلّحة اللبنانيّة"، بل سيكون مخصّصًا لمناقشة الأوضاع الأمنيّة والعسكريّة وحاجات لبنان التي ستُعرض خلال الاجتماع.

    وبالتالي، فإنّ الاجتماع يؤسّس للمرحلة اللاحقة أكثر ممّا ينتج مساعدات فوريّة. وهو ما يفسّر انخفاض سقف التوقّعات اللبنانيّة، إذ لا تنتظر الجهات المعنيّة أن يخرج اجتماع الخميس برزم ماليّة أو عسكريّة كبيرة، بقدر ما تراهن على أن يحدّد الحاجات ويؤسّس للمؤتمر الدوليّ الذي قد يُعقد قبل نهاية العام الجاري.



    ماكرون وعبد الله وعون: غطاء سياسيّ رفيع

    ويُعقد الاجتماع في إطار "مسار العقبة"، الذي أطلقه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني عام 2015 كإطار للتعاون والتنسيق الدوليّ في القضايا الأمنيّة والإقليميّة. وهذا العام، أراد الملك عبد الله والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تخصيص الجولة للبنان، لتشكّل محطةً تحضيريّة للمؤتمر الدوليّ المنوي عقده لدعم الجيش اللبنانيّ وقوى الأمن الداخليّ.

    ومن المقرّر أن يستضيف ماكرون كلًّا من الرئيس جوزف عون والملك عبد الله في باريس. وبحسب المعلومات، سيعقد الرئيس الفرنسي لقاءً ثنائيًّا مع كلّ منهما، قبل عقد قمّة ثلاثيّة تجمع الزعماء الثلاثة في قصر الإليزيه. وسيشارك في الاجتماع ممثّلون عن نحو 15 دولة، وفق المعلومات الفرنسيّة، إلى جانب جهات ومؤسّسات دوليّة، فيما تشير مصادر أخرى معنيّة بالتحضيرات إلى أنّ عدد المشاركين العسكريّين والمسؤولين قد يتجاوز العشرين.



    واشنطن حاضرة... ولكن بأيّ ثقل؟

    يبقى الموقف الأميركيّ الأكثر حساسيّة، بالنظر إلى الدور التقليديّ للولايات المتحدة في دعم الجيش، وإلى ارتباطها المباشر في الوقت نفسه بالمسار التفاوضيّ بين لبنان وإسرائيل.

    وتشير مصادر "المدن" إلى أنّ واشنطن لم تضع حتى الآن كامل ثقلها السياسيّ خلف مؤتمر باريس، ولا تظهر مؤشّرات إلى استعدادها للذهاب نحو التزام استثنائيّ أو واسع يتناسب مع حجم المهمّات الجديدة المطلوبة من الجيش. وتلفت المصادر إلى أنّ مجرّد التفكير سابقًا في عقد محطة تفاوضيّة لبنانيّة إسرائيليّة بالتزامن تقريبًا مع اجتماع باريس يعكس أنّ المؤتمر التحضيريّ لم يكن وحده في صدارة سلّم الأولويّات الأميركيّة.

    في المقابل، تؤكّد المعطيات الفرنسيّة أنّ الولايات المتحدة ستشارك في اجتماع باريس على مستوى عسكريّ، إلى جانب مسؤول من وزارة الخارجيّة الأميركيّة. لكنّ هذا الحضور يبقى مختلفًا عن تمثيل سياسيّ رفيع يمتلك القدرة على اتخاذ قرار ماليّ أو عسكريّ كبير.

    وتكمن المسألة الأهمّ في أنّ الدعم الأميركيّ لا يُبحث بمعزل عن ملفّ حصر السلاح بيد الدولة. فبحسب مصادر "المدن"، لا يزال هناك تشكيك أميركيّ وإسرائيليّ في قدرة الجيش اللبنانيّ على تنفيذ كامل المهمّات المطلوبة منه، ولا سيّما في ما يتعلّق بسلاح "حزب الله". وبمعنى آخر، فإنّ واشنطن لا تنظر فقط إلى حاجات الجيش، بل إلى ما أنجزه وما يمكنه إنجازه في تطبيق قرار الدولة بحصر السلاح.

    وفق المصادر، المطلوب من الجيش اللبنانيّ، بناءً على المقاربة الأميركيّة الإسرائيليّة، هو التقدّم مباشرةً في مسار نزع سلاح "حزب الله"، ومن دون الاتكاء على قوّة دوليّة تتولّى هذه المهمّة أو تشاركه فيها. لكنّ المؤسّسة العسكريّة لا تزال تتمسّك، في المقابل، بثلاث "لاءات" أساسيّة ترسم حدود دورها في المرحلة المقبلة. أوّلها، لا لتنسيق مباشر مع الجانب الإسرائيليّ، بما يحفظ موقع الجيش كقوّة وطنيّة تعمل ضمن قرار الدولة ومؤسّساتها. وثانيها، لا لقبول قوّة مراقبة دوليّة تُفرض فوق الجيش أو تملي عليه ما يجب أن يقوم به، ولا لأن تتحوّل هذه القوّة إلى جهة تراقب أداءه وتراجعه من الخلف، أو تضع الجيش في موقع التابع لآليّة دوليّة تعمل أمامه وهو يتحرّك خلفها. أمّا الثالثة، فهي أن لا يتحوّل انتشار الجيش في الجنوب إلى مدخل لصدام داخليّ مع طرف لبنانيّ، وخصوصًا في ملفّ السلاح. ومن هنا، تكمن العقدة الأساسية في الفجوة بين ما تريده واشنطن وتل أبيب من الجيش، أي الانتقال السريع إلى تنفيذ مهمّة نزع السلاح، وبين ما تعتبره قيادة الجيش شروطًا ضروريّة لحماية موقع المؤسّسة ودورها، والحؤول دون تحويلها إلى طرف في نزاع لبنانيّ داخليّ أو إلى أداة تنفيذ لمطالب خارجيّة.



    السعودية: لا مساعدات قبل نزع السلاح

    وتبدو المقاربة السعوديّة أكثر وضوحًا في هذا الجانب. وأكّدت السعوديّة مشاركتها في اجتماع باريس على مستوى عسكريّ. لكنّ الرياض، أبلغت فرنسا بوضوح أنّ المساعدات المطلوبة للبنان لن تتوافر قبل نزع سلاح "حزب الله".

    وتتقاطع هذه الرسالة مع ما تقوله مصادر "المدن" عن التقاء الموقف السعوديّ مع الرؤية الأميركيّة في ربط الانتقال إلى مستوىً أكبر من الدعم بإحراز تقدّم فعليّ في ملفّ حصر السلاح.

    ولا تقتصر هذه الشرطيّة على المساعدات العسكريّة. فبحسب المصادر، تمتدّ المقاربة نفسها إلى ملفات أخرى يحتاج إليها لبنان، وفي مقدّمها إعادة الإعمار، ما يعني أنّ دعم الجيش وإعادة إعمار المناطق المتضرّرة باتا مرتبطين، بالنسبة إلى بعض العواصم الأساسيّة، بالمسار السياسيّ الأوسع المتعلّق بسلطة الدولة وسلاح "حزب الله".

    وهنا تحديدًا تظهر المعضلة اللبنانيّة، إذ يطلب المجتمع الدوليّ من الجيش تنفيذ مهمّات واسعة، فيما يربط جزء من المساعدات التي يحتاج إليها الجيش أصلًا بمدى نجاحه في تنفيذ هذه المهمّات.



    الاتحاد الأوروبي يريد توسيع قاعدة الدعم

    وفي مقابل هذه الشرطيّات، يحضر الاتحاد الأوروبيّ إلى اجتماع باريس بمقاربة تركّز على توسيع دائرة الداعمين للجيش.

    وتقول سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان ساندرا دو وال، في حديث إلى "المدن"، إنّ الاتحاد سيكون ممثّلًا في المؤتمر الذي يهدف، من بين أمور أخرى، إلى "جذب الجهات التي لم تدعم الجيش اللبنانيّ حتى الآن، بحيث يصبح الدعم أوسع وأكثر تشاركًا".

    وتضيف دو وال أنّ الاتحاد الأوروبي "هو بالفعل من بين أكبر داعمي الجيش اللبنانيّ"، معربةً عن أملها في أن تنضمّ دول أخرى إلى هذا الجهد. ويعكس الموقف الأوروبيّ محاولة لإخراج دعم الجيش من دائرة المانحين التقليديّين، وتوسيع شبكة الدول المساهمة، بما يخفّف العبء عن الأطراف التي تتولّى القسم الأكبر من التمويل والمساعدات حاليًّا.



    بين المطلوب من الجيش وما يُمنح له

    في المحصّلة، لا تكمن أهميّة اجتماع باريس في الأموال التي سيخرج بها، لأنّه ببساطة ليس مؤتمر مانحين بعد، بل في قدرته على تحديد ما إذا كان المجتمع الدوليّ مستعدًّا أصلًا لترجمة دعمه السياسيّ إلى التزامات ملموسة في المرحلة اللاحقة.

    فالجيش اللبنانيّ يُطلب منه اليوم الانتشار جنوبًا، وتثبيت سلطة الدولة، ومواكبة أيّ انسحاب إسرائيليّ، وضبط الحدود، وتنفيذ قرار حصر السلاح، فيما لا تزال المساعدات التي يحتاج إليها لتنفيذ هذه المهمّات محكومة بشروط سياسيّة لم تُحسم.

    ومن هنا، سيكون السؤال الذي يلاحق اجتماع باريس وما بعده أكثر تعقيدًا من حجم التجهيزات التي يحتاج إليها الجيش. فهل تسبق المساعدات تنفيذ المهمّة لكي تمكّن الجيش من القيام بها، أم يُطلب منه أوّلًا إثبات قدرته على تنفيذها كي يحصل بعدها على الدعم؟ في الحالتين، قد يكون اجتماع باريس، محطة تحضيريّة تحمل غطاءً سياسيًّا رفيعًا، لكنّ نتائجها الفعلية ستبقى معلّقة على القرارات التي لم تتّخذها بعد العواصم القادرة على تحويل الدعم السياسيّ إلى قدرة عسكريّة حقيقيّة للدولة اللبنانيّة.