أين أنتم يا ثوّار الأمس؟ - ر.ن

  • 14 September 2026
  • 40 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    كنت قد قرّرت ألّا أكتب في السياسة. فبالأمس القريب، تحدّثت عن الضاحية الجنوبية، وكتبت عن معاناة أهلها وتهجيرهم. ثمّ استوقفني الجنوب، بصموده وصمود أبناء هذه الأرض الطيّبة، فكتبت عن غطرسة العدو واستباحته الأرض والمقدّسات، غير آبهٍ بالبشر ولا بالحجر.

    لكنّ الصمت اليوم يعيدني إلى الكتابة. لا أقصد الصمت الدولي، فالمؤامرة معروفة، بل الصمت الداخلي لدى المسؤولين جميعًا، من دون استثناء. وأمام وضعٍ اقتصادي لم يعد يُحتمل، يدفعني حسّ المواطنة إلى الكلام، وتعود بي الذاكرة ستّ سنوات إلى الوراء.

    كان في الحكم رئيسٌ دعا «الثوّار»، أو من ادّعوا أنّهم ثوّار، إلى الحوار، فرفضوا. وبعض هؤلاء أصبحوا اليوم نوّابًا أو وزراء. ومن هنا، يصبح السؤال عن مواقفهم وأفعالهم ضرورة؛ فمن يطالب الآخرين بتحمّل المسؤولية، عليه أن يتحمّلها حين يصبح في موقع القرار.

    وكان في الحكم وزيرٌ للخارجية جال في أكثر من اثنتي عشرة دولة خلال أربعٍ وعشرين ساعة، لمجرّد علمه بأنّ رئيس الوزراء قد يكون محتجزًا. ومع ذلك، شتموه وشتموا والدته بأحقر الألفاظ، فكان ردّه: «يرحم والديكم».

    وكانت في الحكم وزيرةٌ للطاقة نعتوها بعباراتٍ لا يجرؤ القلم على كتابتها. لكنّها استمرّت في أداء مهامها وتابعت عملها، ثمّ ردّت عليهم من على شاشات التلفزة بالأرقام، وكشفت كذبهم. فالاختلاف مع مسؤولٍ في الرأي أو الأداء لا يبرّر النيل من كرامته؛ والنقد الذي يريد الإصلاح يُواجِه الحجّة بالحجّة، والرقم بالرقم.

    وكان في الحكم وزيرٌ آخر للطاقة، يواجه الإساءة بخفّة ظلّه وتواضعه. في عزّ الأزمة، كان يؤمّن الكهرباء لأكثر من عشر ساعات، وقد رفض من كان في الحكم زيادتها. ضربوه واعتدوا عليه ولاحقوه، لكنّه ظلّ يبتسم، ووضع خطّةً للكهرباء يتّبعها من أتى بعده.

    أمام هذه الوقائع، وأمام ما يعيشه الناس اليوم، أسأل: أين أنتم يا ثوّار الأمس؟

    ألم يحن وقت المشاوي والمشروب؟
    ألم يحن وقت قرع الطناجر؟
    ألم يحن وقت الهجوم على القوى الأمنية ورجمها بالحجارة؟
    ألم يحن وقت تكسير العاصمة بيروت؟
    ألم يحن وقت قطع الطرقات وإقفال نفق نهر الكلب؟
    ألم يحن وقت حرق الدواليب؟

    أستعيد هذه المشاهد لأسأل عن معيار الغضب والاعتراض: لماذا كان الصوت مرتفعًا بالأمس، بينما يغيب اليوم أمام معاناة الناس؟ فالمحاسبة تفقد معناها حين تتبدّل معاييرها بتبدّل الأشخاص والمواقع.

    كنتم تقفون في طوابير أمام محطّات البنزين للحصول على تنكةٍ بمئةٍ وسبعين ألف ليرة. واليوم، أصبحت بثلاثةٍ وثلاثين دولارًا. ماذا فعلتم؟

    وثورتكم هذه بدأت بسبب ستّة سنت على الخلوي. كم تدفعون اليوم؟ وأين اعتراضكم على الأعباء التي باتت تُثقِل كاهل المواطن؟

    كان الدولار بألفٍ وخمسمئة ليرة. أين أصبح اليوم؟ أمّا الأسعار، فحدّث ولا حرج.

    الكهرباء ساعتان يوميًّا، وطبعًا لا مياه من دون كهرباء. والفوضى تمتدّ إلى مختلف قطاعات الدولة، فلا رقيب ولا حسيب، فيما المواطن يتحمّل النتائج ويدفع الثمن.

    ومع ذلك، لا أرى شعبًا يتحرّك. وأتساءل عن سبب هذا الصمت، فلا أجد له تفسيرًا سوى الحقد على من كانوا في الحكم خلال تلك السنوات الستّ. فلو كان الاعتراض على المعاناة نفسها، لظلّ قائمًا ما دامت أسبابها قائمة.

    «اصلبه، اصلبه، اصلبه»؛ بهذه الصرخات، أستحضر مشهد تسليم المسيح إلى الرومان، حين طالبت الجموع اليهودية التي شاركت في ذلك المشهد بصلبه. وعلى الصليب قال: «اغفر لهم يا أبتاه لأنّهم...».

    وأنت، يا جنرال، حين قلت لهم: «إلى جهنّم»، ردّوا بالسخرية.

    عذرًا، كنت على حقّ، لكنّهم «لا يدرون ماذا يفعلون».