جبل الشيخ منصة لإعادة رسم المنطقة! - أنطوان الأسمر

  • 13 September 2026
  • 52 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    أنطوان الأسمر

    لم تعد الرسالة التي أرادت إسرائيل إيصالها من جبل الشيخ مرتبطة فقط بموقع عسكري احتلته خلال الحرب أو بمنطقة أمنية تريد الاحتفاظ بها في الجنوب السوري. فحين اختار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ثم وزير الدفاع يسرائيل كاتس، هذا الموقع لإطلاق مواقفهما، كان واضحاً أن تل أبيب تريد تثبيت فكرة أكثر خطورة، هي أن أمنها، وفق رؤيتها الجديدة، لم يعد يبدأ وينتهي عند حدودها، بل يمتد إلى كل مساحة تعتبرها مرتبطة بمصادر الخطر المحتملة.

    بهذا المعنى، يصبح جبل الشيخ منصة لإعادة قواعد الاشتباك. تتصرف إسرائيل على أساس أن نتائج الحرب الأخيرة تمنحها هامشاً أوسع لفرض وقائع جديدة، سواء في سوريا أو إيران في لبنان. وهي لا تنتظر بالضرورة اكتمال التسويات السياسية كي تحدد مواقعها، بل تحاول أن تدخل إلى أي تفاوض مقبل وهي تحمل معها وقائع عسكرية يصعب التراجع عنها.
    لا يقتصر هذا المنطق على الجنوب السوري. فكاتس لم يتردد في نقل دائرة الاهتمام إلى لبنان، وصولاً إلى البقاع، في إشارة إلى أن إسرائيل لم تعد تنظر إليه من زاوية الحدود الجنوبية وحدها. بالنسبة إلى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية،يمكن أن تتحول أي منطقة تدخل في شبكة التموضع أو التخزين أو الحركة العسكرية لحزب الله إلى جزء من بنك الأهداف، بغض النظر عن بعدها الجغرافي عن الخط الأزرق.

    هنا تكمن إحدى أخطر التحولات في الخطاب الإسرائيلي. بدلاً من معادلة تقوم على مواجهة التهديد عند مصدره المباشر، يجري توسيع مفهوم مصدر التهديد نفسه. أضحى التهديد مرتبطاً بشبكة كاملة تمتد بين لبنان وسوريا وإيران، وتتعامل معها تل أبيب كمنظومة واحدة. وبالتالي، يصبح انتقال التركيز إلى البقاع مؤشر إلى احتمال توسع مسرح العمليات إذا قررت إسرائيل فتح جولة جديدة.
    في هذا السياق تحديداً، تكتسب تصريحات كاتس بشأن احتمال توجيه ضربة ثالثة إلى إيران دلالتها. تعكس هذه الرؤية تصوراً إسرائيلياً قائماً على أن المواجهة مع طهران يمكن أن تصبح دورية ومفتوحة كلما رأت تل أبيب أن القدرات الإيرانية أو قدرات حلفائها تعيد بناء نفسها.

    يحمل هذا التحول تداعيات تتجاوز العلاقة بين إسرائيل وإيران. فإذا أصبحت الضربات الوقائية جزءاً ثابتاً من العقيدة الإسرائيلية، سيكون لبنان وسوريا حكماً ضمن دائرة التأثر، نظراً إلى ارتباطهما المباشر بشبكة النفوذ الإيراني وبالبنية العسكرية لحزب الله. ويصبح الحديث الإسرائيلي عن البقاع رسالة سياسية بقدر ما هو تهديد عسكري. وأي إعادة رسم لمعادلات المنطقة لن تكون، من وجهة نظر تل أبيب، منفصلة عن موقع الحزب وقدراته ومسارات إمداده.

    لكن المفارقة أن إسرائيل، وهي تتحدث عن الأمن، تبدو في الوقت نفسه كأنها تضع المنطقة أمام واقع أكثر هشاشة. فكلما اتسعت المساحات التي تعتبرها جزءاً من أمنها القومي، اتسعت معها احتمالات الاحتكاك والتصعيد.

    يتزامن توقيت هذه المواقف مع دخول المنطقة في مرحلة سياسية شديدة التعقيد، من مستقبل سوريا الجديدة إلى مستقبل الجنوب اللبناني، مروراً بالمفاوضات والاتصالات الدولية والبحث عن ترتيبات أمنية جديدة. وتحاول إسرائيل أن تسبق السياسة بالميدان، وأن تجعل أي تسوية لاحقة مضطرة للتعامل مع الوقائع التي فرضتها مسبقاً.

    لذلك، تُقرأ زيارة نتنياهو ثم كاتس إلى جبل الشيخ كإعلان عن انتقال إسرائيل من سياسة التعامل مع التهديدات إلى سياسة إعادة هندسة البيئة المحيطة بها. فالمطلوب ليس فقط منع خصومها من امتلاك قدرات معينة، بل الاحتفاظ بحرية الحركة والضرب متى قررت أن الخطر يقترب من حدود مصالحها.

    تفتح هذه المعادلة تفتح الباب أمام سؤال أكبر: من يضع حدود الأمن الإسرائيلي؟ فإذا كانت الإجابة الإسرائيلية هي كل مكان يمكن أن ينطلق منه تهديد محتمل، تصبح الحدود قابلة للتمدد بحسب التقدير الإسرائيلي نفسه. عندها يصبح جبل الشيخ والبقاع جزءاً من مسرح أوسع تريد تل أبيب أن تكون صاحبة الكلمة الفصل في تحديد قواعده.

    تكمن خطورة المرحلة المقبلة ليس في احتمال اندلاع مواجهة جديدة فحسب، بل في محاولة تحويل الاستثناء العسكري إلى قاعدة دائمة، والضربة الوقائية إلى سياسة مستدامة وممنهجة، والمناطق العازلة إلى واقع مستقر. هذا يعني أن المنطقة ستكون أمام معركة على شكل النظام الأمني المقبل، لا مجرد جولة جديدة من جولات الحرب.