نغم ربيع -
في ندوة عُقدت الجمعة، لمناقشة ملف النزوح في لبنان وآثاره التربوية والإنسانية والاجتماعية، لم يقتصر النقاش على أعداد النازحين أو المساعدات المقدمة إليهم، بل طال واقع النزوح نفسه، وما خلّفته الحرب من أعباء تتجاوز فقدان المنزل.
الندوة أتت بدعوة من الملتقى الوطني الدائم للعمل من أجل الإنسان في لبنان، وبينما أعاد فيها الباحث محمد شمس الدين قراءة أرقام النزوح من زاوية أعداد المقيمين فعلياً في القرى والبلدات، عرض المهندس طارق مزرعاني جانباً من معاناة أبناء الشريط الحدودي، فيما شرح ممثل وزارة الشؤون الاجتماعية علي نور الدين تدخلات الوزارة خلال الحرب وخطتها للمرحلة المقبلة.
لبنان بلد النزوح المتكرر
لا يرى شمس الدين في النزوح ظاهرة استثنائية في لبنان. ويقول إن نحو 80 في المئة من اللبنانيين اختبروا النزوح في مرحلة من المراحل، مضيفاً: "نحن شعب من النازحين على فترات زمنية".
لكن قراءة أرقام النزوح، برأيه، تحتاج إلى تدقيق في طريقة احتسابها. ففي أقصى فترات الحرب الإسرائيلية، حين كان القصف يطاول مناطق واسعة من لبنان، بلغ عدد النازحين، وفق تقديره، نحو 750 ألفاً، وليس مليوناً كما ورد في بعض التقديرات. ويعزو ذلك جزئياً إلى احتساب عدد المسجلين في البلدات بدلاً من عدد المقيمين فيها فعلياً.
في بنت جبيل، مثلاً، يبلغ عدد المسجلين نحو 40 ألف شخص، لكن عدد المقيمين بصورة دائمة، شتاءً وصيفاً، لا يتجاوز خمسة آلاف، وفق شمس الدين. وبالتالي، فإن خروج 40 ألف شخص لا يعني نزوح 40 ألف مقيم فعلياً من البلدة، بل نحو خمسة آلاف كانوا يعيشون فيها بصورة دائمة.
وينطبق هذا الواقع، بحسبه، على عدد من القرى والبلدات الجنوبية، التي شهدت منذ سنوات تراجعاً في أعداد سكانها الدائمين.
وهذا الواقع ليس وليد الحرب الحالية وحدها. فبعض القرى التي عانت الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من عشرين عاماً تحولت، مع مرور الوقت، إلى بلدات يقصدها أبناؤها في الصيف والعطل، بعدما استقروا وبنوا حياتهم خارجها.
وتكشف الأرقام التي عرضها شمس الدين عن الفجوة بين أعداد المسجلين والمقيمين فعلياً في عدد من المناطق. ففي حاصبيا، يبلغ عدد المسجلين نحو 77 ألفاً مقابل 32 ألف مقيم، وفي النبطية نحو 279 ألفاً مقابل 131 ألف مقيم. وفي قضاء صور يبلغ عدد المسجلين نحو 322 ألفاً مقابل 243 ألف مقيم، بينما يبلغ عدد المسجلين في صيدا نحو 107 آلاف مقابل 125 ألف مقيم.
الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات تقريباً خلّفت دماراً واسعاً، فيما تراجعت قدرة الدولة والأفراد على تحمّل كلفتها.
وبحسب المعطيات الأولية التي عرضها شمس الدين، دُمّر نحو 100 ألف منزل، وتعرض نحو 63 ألف منزل لأضرار كبيرة، فيما لحقت أضرار بسيطة بنحو 300 ألف منزل. ويقدّر كلفة الأضرار بنحو 20 مليار دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة الدولة اللبنانية والأسر المتضررة على تحمّله بمفردها.
النازح لا يحتاج إلى مأوى فقط
في هذا الواقع، تبدو شهادة مزرعاني أكثر التصاقاً بالتفاصيل اليومية لحياة النازحين، ولا سيما أبناء الشريط الحدودي. فالاحتياجات التي كانت تبدو بديهية قبل الحرب، من منزل وطعام وملابس ومياه ودواء، أصبحت اليوم الهم الأساسي لكثير من العائلات.
يقول مزرعاني: "نحن نلتقي بكثير من الأشخاص، كل ما يريدونه هو تأمين وجبة غداء"، مشيراً إلى أن بعض النازحين مرّت عليهم فترات خلال أشهر النزوح لم يكن لديهم فيها المال الكافي لتأمين أبسط وجبة.
ومع ذلك، لا يعني غياب الطلب المباشر أن الحاجة غير موجودة. فبحسب مزرعاني، يتمسك كثير من النازحين بكرامتهم وعزة نفسهم، ولا يخرجون للمطالبة بالطعام أو المساعدة بصورة مباشرة. "ما طلع نازح قال: أنا جوعان، طعموني"، يقول، معتبراً أن على الجهات المعنية أن ترى هذه الحاجة حتى عندما لا تُقال بصوت مرتفع.
لكن الأزمة لا تتوقف عند تأمين الطعام. فالنزوح المتكرر استنزف ما تبقى لدى العائلات من مدخرات، وأدخلها في دوامة من الإيجارات والنقل والتنقل بين المنازل.
ويشير مزرعاني إلى وجود حالات "نزوح مزدوج"، إذ يضطر بعض النازحين إلى دفع إيجار منزلين في الوقت نفسه، فيما اضطر هو شخصياً إلى الانتقال بين سبعة منازل خلال السنوات الثلاث الماضية.
ومع استمرار المخاوف الأمنية، عمدت بعض العائلات إلى حجز منازل في مناطق أخرى تحسباً لتجدد الحرب، لضمان وجود مكان يمكن اللجوء إليه إذا تكررت المأساة. لكن ذلك يأتي في وقت تراجعت فيه المدخرات وتعطلت الأعمال، ما يجعل تأمين السكن عبئاً إضافياً على عائلات أنهكها النزوح.
أزمة الشريط الحدودي
المشكلة، وفق مزرعاني، أن أبناء الشريط الحدودي لا يشعرون بأن نزوحهم يُعامل باعتباره أزمة ممتدة إلى ما بعد انتهاء العمليات العسكرية.
ويقول "نحن نازحو الشريط الحدودي، نحن نازحون فعلياً، لكن بمجرد توقف القصف على بعض المناطق يعتبرون أن الحرب انتهت".
بالنسبة إلى هؤلاء، لا يعني توقف القصف انتهاء الأزمة. فالعودة تحتاج إلى منزل صالح للسكن، ومدرسة، وعمل، وخدمات أساسية، فضلاً عن ضمانات أمنية تسمح للناس بإعادة بناء حياتهم.
ويزداد الأمر صعوبة في ظل الانهيار الاقتصادي والمؤسساتي الذي يعيشه لبنان. لذلك يرى شمس الدين أن ظروف اليوم أكثر قسوة من حرب عام 2006، حين كانت لدى الدولة والأفراد إمكانات أكبر للصمود وإعادة بناء ما تهدم. أما اليوم، فالدولة منهكة، والمجتمع أكثر فقراً، والناس استنزفوا جزءاً كبيراً من قدرتهم على الاحتمال.
ماذا فعلت وزارة الشؤون الاجتماعية؟
في المقابل، يوضح نور الدين أن وزارة الشؤون الاجتماعية ركزت خلال الحرب على التدخلات الأساسية، وفي مقدمها إدارة مراكز الإيواء ومتابعة احتياجات النازحين، إضافة إلى إحالة الحالات التي تحتاج إلى رعاية صحية أو خدمات متخصصة.
ويشير إلى أن الوزارة قدمت دفعتين من المساعدات النقدية، على أن تُدفع الدفعة الثالثة قريباً. واستفادت من الدفعة الأولى نحو 200 ألف أسرة لتلبية الاحتياجات الأساسية، بقيمة 145 دولاراً للأسرة.
أما الدفعة الثانية، فوزعت وفق الأولوية للأسر الأكثر حاجة، مع احتساب قيمة المساعدة تبعاً لحجم الأسرة، وهي الآلية التي ستُعتمد أيضاً في الدفعة الثالثة.
لكن عمل الوزارة، بحسب نور الدين، لا يتوقف عند مرحلة الاستجابة الطارئة، بل يمتد إلى مرحلة ما بعد الحرب من خلال خطة تقوم على خمس ركائز أساسية: العودة، والحماية الاجتماعية، والتعافي الاقتصادي المبكر، واستعادة الخدمات الأساسية والبنية التحتية، والتخطيط لإعادة الإعمار وإزالة الركام والمواد المتفجرة.
وتضع هذه الخطة مسألة العودة في إطار أوسع من إعادة النازحين إلى منازلهم، إذ ترتبط العودة باستعادة الخدمات وخلق ظروف اقتصادية واجتماعية تسمح للناس بالبقاء في مناطقهم.
أضرار لا تظهر في الإحصاءات
لكن خلف أرقام الدمار والإيجارات والمساعدات، هناك أضرار أخرى يصعب قياسها بالدولار.
يتحدث مزرعاني عن الآثار النفسية والاجتماعية للنزوح، وعن حالات انتحار ومحاولات انتحار داخل مراكز الإيواء. ويستشهد بحالة أحد أقاربه الذي حاول الانتحار ثماني مرات خلال وجوده في مركز النزوح، معتبراً أن هذه الحالات ليست معزولة.
ومن هنا، يرى أن المطلوب أيضاً رصد الأمراض النفسية والجسدية التي خلّفها النزوح، والمشكلات العائلية والاجتماعية.
الخطر الأكبر: ألا يبقى أحد ليعود
لهذا، يطالب مزرعاني بخطة عملية ومدروسة تتيح لأبناء الشريط الحدودي العيش بالحد الأدنى من الكرامة، مؤكداً أن كثيراً منهم "لم يعد لديهم شيء".
فالخسارة، في نظره، لا تقتصر على الذين قتلوا بالقصف أو على المنازل التي دمرت. هناك من "يموت من القهر"، ومن يهاجر، ومن يبدأ ببناء حياته في مكان آخر لأن العودة لم تعد مضمونة.
وهنا يلتقي البعد الإنساني للنزوح مع الخوف على مستقبل القرى الحدودية. فالمشكلة ليست فقط في أن يطول النزوح، بل في أن يطول إلى درجة يفقد معها الناس القدرة أو الرغبة في العودة.
وفي بلد اعتاد موجات النزوح المتكررة، قد تكون المعركة المقبلة، بعد توقف الحرب، أصعب من مجرد إعادة بناء الحجر: كيف تعاد الحياة إلى القرى، وكيف يعود إليها سكانها، وكيف لا تتحول سنوات النزوح إلى هجرة نهائية؟
فالخطر الحقيقي، كما يختصره مزرعاني، أن تنتهي الحرب، لكن لا يبقى في بعض القرى من ينتظر العودة.