خاص - جعجع وخطاب الوصاية الجديدة على الدولة

  • 08 September 2026
  • 8 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    خاص tayyar.org -

    لم يكن خطاب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في السادس من أيلول دفاعاً عن الدولة بقدر ما كان محاولة سياسية لفرض وصاية جديدة عليها. فالرجل الذي لا يتوقف عن الحديث عن المؤسسات والسيادة وحصرية السلاح، بدا في خطابه كمن يمنح نفسه حق تحديد ما يجب أن تفعله الدولة، ومتى تتحرك، وكيف تتخذ قراراتها، ومن يحق له أن يرسم سياستها الداخلية والخارجية.

    المشكلة في خطاب جعجع ليست في اختلافه السياسي مع خصومه، بل في المنطق الذي يحكم هذا الاختلاف. هو لا يريد دولة مستقلة بقرارها، بل دولة تتصرف وفق رؤيته السياسية. ولا يريد للمؤسسات أن تعمل وفق آلياتها الدستورية، بل وفق الإيقاع الذي يفرضه هو وحزبه. وعندما لا تأتي القرارات على قياس حساباته، تتحول الدولة في قاموسه إلى دولة مترددة وعاجزة، فيما يصبح هو الموزع الحصري لشهادات القوة والسيادة والوطنية.

    في خطابه الأخير، لم يقدّم جعجع أي تصور سياسي فعلي، بل أعاد إنتاج اللغة ذاتها: أوامر، مهل، تهديدات سياسية ومعادلات حادة. كأن لبنان، بكل تركيبته وتعقيداته، مجرد غرفة عمليات تنتظر أن يرفع رئيس حزب إصبعه لتبدأ المؤسسات بتنفيذ التعليمات.

    أما الحديث المتكرر عن قوة الدولة، فيبدو مثيراً للسخرية عندما يصدر عن خطاب يقوم أساساً على إضعافها عبر التشكيك بكل مؤسسة لا تسير في الاتجاه الذي يريده. فالدولة التي يدعو إليها جعجع لا تبدو دولة مؤسسات، بل دولة مشروطة بالولاء السياسي. رئيس الجمهورية مطالب بأن يتصرف وفق رؤية معراب، ورئيس الحكومة مطالب بالحسم وفق أجندتها.
    هنا تتكشف حقيقة الخطاب. ليست المشكلة بالنسبة إلى جعجع في وجود مؤسسات ضعيفة، بل في أنها لا تزال تملك هامشاً لاتخاذ قرار لا يريده.

    الأخطر أن جعجع يتعامل مع الملفات الوطنية بمنطق "إما أن تفعلوا ما نريد وإما أنتم متواطئون". وهي معادلة تختصر لبنان بكل تناقضاته وتوازناته في ثنائية سياسية سطحية، وتمنح صاحبها حق توزيع الاتهامات والتخوين السياسي.
    ليس خطاب السادس من أيلول مشروعاً لإنقاذ الدولة، بل محاولة لاستثمار أزمتها. لم يحمل حلولاً ولا مسارات ولا رؤية قابلة للتنفيذ، بل قدّم جرعة إضافية من الشعبوية السياسية والتصعيد.

    لا يحتاج بناء الدولة إلى من يصرخ أكثر، بل إلى من يفهم أن الدولة لا تكون قوية عندما تخضع لإرادة حزب، أياً يكن هذا الحزب. هذه بالتحديد هي المفارقة الكبرى في خطاب جعجع. يتحدث باسم الدولة، لكنه يريد أن تكون الدولة باسمه.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology