إيرادات موازنة 2027: مليار دولار إضافي من جيوب اللبنانيين؟
-
04 September 2026
-
34 mins ago
-
-
source: المدن
-
رنا عبّود -
أحال وزير المال ياسين جابر مشروع قانون موازنة العام 2027 إلى مجلس الوزراء ضمن المهلة الدستورية، في خطوة تؤكد استمرار انتظام إعداد الموازنات السنوية بعد سنوات طويلة من التأخير. إلا أنَّ انتظام المهل لا يعني بالضرورة انتظام السياسات. فالموازنة الجديدة، وإن حملت عنوان الاستقرار المالي وتعزيز الإيرادات، فإنَّها تفتح في المقابل نقاشاً واسعاً حول كلفة هذا الاستقرار ومن سيدفع ثمنه، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد اللبناني يعاني من تداعيات الانهيار، ومن أعباء الحرب، ومن غياب خطة تعافٍ اقتصادية شاملة.
موازنة بعجز صفري
المشروع لا يقتصر على أرقام الواردات والنفقات، بل يتضمن عشرات التعديلات الضريبية والإدارية والقانونية التي تطال مختلف القطاعات، من الشركات والعقارات إلى الرسوم الإدارية والاقتصاد الرقمي، ما يجعله أقرب إلى مشروع إصلاح تشريعي واسع منه إلى قانون موازنة سنوي بالمعنى التقليدي.
ويكتسب الحديث عن التوازن المالي في موازنة 2027 أهمية خاصة في ضوء ما طرأ على موازنة 2026. فالموازنة التي أقرّها مجلس النواب على أساس عجز صفري، وُضعت قبل تجدد الحرب في آذار وما رافقها من نزوح واسع وتراجع في النشاط الاقتصادي والإيرادات وارتفاع في النفقات الطارئة. ووفق تقديرات معهد المالية، من المرجح أن تدفع تداعيات الحرب موازنة 2026 إلى عجز يتراوح بين 1 و2 بالمئة من الناتج المحلي، رغم عدم صدور أرقام نهائية رسمية بهذا الشأن. ووفق المعطيات المنشورة عن المشروع، لا تتوقع وزارة المال تسجيل عجز في 2027؛ أي إن الهدف المعلن هو إبقاء النفقات والإيرادات عند مستوى متقارب وتحقيق عجز صفري.
وتُظهر تجربة 2026 أنَّ إقرار موازنة بعجز صفري لا يعني بالضرورة تحقيقه فعلياً، إذ أُقرت الموازنة قبل الحرب الأخيرة، قبل أن تؤدي التطورات اللاحقة إلى تراجع الإيرادات وارتفاع النفقات المرتبطة بالنزوح والحاجات الإنسانية وإعادة الإعمار. أما مشروع موازنة 2027، فلا يتضمن حالياً عجزاً متوقعاً، إذ تستهدف الحكومة موازنة متوازنة بنفقات تقارب 6.87 مليارات دولار. إلا أنَّ هذه الأرقام تبقى تقديرية وقابلة للمراجعة، خصوصاً أنَّ المشروع لم يصبح قانوناً نهائياً بعد، وأنَّ استمرار تداعيات الحرب قد يفرض تعديلات على الإيرادات والنفقات قبل إقراره.
وتقدّر الحكومة حجم موازنة العام 2027 بنحو 6.8 إلى 6.9 مليارات دولار، مقابل نحو 6.1 مليارات دولار في موازنة 2026، أي بزيادة تقارب 13 في المئة. وترتكز الحكومة في مشروعها على فرضية تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 3 في المئة، مع المحافظة على عجز مالي صفري للسنة الثالثة على التوالي، من خلال تمويل كامل النفقات من الإيرادات العادية، من دون اللجوء إلى الاقتراض أو تمويل استثنائي.
لكن القراءة الفعلية للأرقام تظهر أن هذا التوازن لا ينتج عن توسع اقتصادي حقيقي، بل عن رفع مستوى الجباية وتحسين التحصيل الضريبي، في مقابل استمرار الإنفاق الجاري عند مستويات مرتفعة.
مليار دولار إضافي
تسعى الحكومة إلى زيادة الإيرادات بنحو 990 مليون دولار مقارنة بموازنة 2026، لترتفع الإيرادات المقدرة إلى حوالي 7.3 مليارات دولار. وتشكل الإيرادات الضريبية نحو 86 بالمئة من إجمالي الإيرادات، فيما تبقى مساهمة الإيرادات غير الضريبية محدودة.
وتبقى الضرائب غير المباشرة المصدر الأساسي لواردات الدولة، إذ تمثل نحو ثلاثة أرباع الإيرادات الضريبية، وهو ما يعني عملياً أن العبء الضريبي ينتقل إلى المستهلك النهائي عبر الرسوم المفروضة على السلع والخدمات والاستيراد. وهذا الخيار ليس جديداً، لكنه يتكرس بصورة أوضح في موازنة 2027، مع توسيع قاعدة الرسوم لتشمل مئات البنود الجمركية.
رسوم جديدة تطال مختلف القطاعات
من أبرز ما يتضمنه المشروع فرض رسم بيئي إضافي على عدد واسع من السلع المستوردة، تتراوح نسبته بين 1 و3 بالمئة بحسب نوع السلعة. وتشمل الرسوم الجديدة: مواد البناء، الأجهزة الكهربائية، السيارات وقطع الغيار، المعدات الطبية، البلاستيك والزجاج، الورق والكرتون، المواد الكيميائية، الملابس والأحذية، المعدات والآلات الصناعية.
ورغم أن نسب الرسوم تبدو منخفضة، إلا أن أثرها يتجاوز قيمة الرسم نفسه، لأن معظم هذه السلع تدخل في عمليات إنتاج أو تصنيع أو إعادة إعمار أو خدمات، وهذا ما يؤدي إلى انتقال الزيادة تدريجياً إلى أسعار المنتجات النهائية.
ارتفاع كلفة إعادة الإعمار
من أكثر البنود إثارة للنقاش فرض رسوم على الإسمنت والحجر والجص والسيراميك والزجاج والخشب والدهانات والأنابيب البلاستيكية. وهذه المواد تشكل العمود الفقري لأي عملية إعادة إعمار أو ترميم للمنازل والمؤسسات المتضررة. وبالتالي، فإن أي زيادة في كلفة هذه المواد ستنعكس مباشرة على فاتورة إعادة البناء، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى مليارات الدولارات لمعالجة الأضرار الناتجة عن الحرب.
ويثير ذلك تساؤلات حول مدى انسجام السياسة الضريبية مع الحاجة إلى تسريع إعادة الإعمار، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.
من المستهلك إلى المصنع
لا تتوقف آثار الرسوم عند السلع النهائية. ففرض رسوم على البلاستيك والكرتون والمواد الكيميائية والزجاج يعني ارتفاع كلفة التغليف والإنتاج والتصنيع، وهو ما ينعكس لاحقاً على أسعار الغذاء والدواء والمنتجات الصناعية. كما أن رفع كلفة الآلات الصناعية والمعدات الميكانيكية قد يزيد من كلفة الاستثمار والإنتاج، وهذا ما يقلص القدرة التنافسية لبعض القطاعات.
ضريبة الاقتصاد الرقمي
يتضمن المشروع تعديلات مهمة على الضريبة على القيمة المضافة، ولا سيما لجهة الخدمات الرقمية القادمة من الخارج. ويُلزم بعض مزودي الخدمات الرقمية غير المقيمين بتعيين ممثل ضريبي في لبنان، مع تنظيم آليات التصريح والتسديد، في خطوة تهدف إلى إدخال جزء من الاقتصاد الرقمي ضمن النظام الضريبي اللبناني.
وتنسجم هذه التعديلات مع توجهات ضريبية عالمية، لكنها تطرح تحديات تتعلق بآليات التطبيق والرقابة.
تشديد الرقابة
لا تقتصر فلسفة المشروع على زيادة الضرائب، بل تقوم أيضاً على تشديد الامتثال الضريبي. ومن أبرز الإجراءات: توسيع التصريح الإلكتروني، ربط وزارة المالية بالضمان الاجتماعي، إلزام أصحاب العمل بتسجيل العاملين، تعزيز التدقيق في التصاريح، ربط بعض المعاملات الإدارية بتسديد الضرائب، إطلاق "يانصيب الفواتير" لتشجيع المواطنين على طلب الفواتير النظامية.
ويبدو واضحاً أن وزارة المالية تسعى إلى تقليص التهرب الضريبي عبر الرقمنة والربط الإلكتروني أكثر مما تعتمد على رفع نسب الضرائب وحدها.
الإنفاق في القطاع العام
في المقابل، تستمر النفقات الجارية في استحواذها على معظم الإنفاق العام. فالنفقات الجارية تمثل نحو 89 بالمئة من إجمالي الإنفاق، فيما تذهب نسبة كبيرة منها إلى الرواتب والأجور، المنافع الاجتماعية، النفقات التشغيلية، المعالجة الصحية،الخدمات الإدارية. ويعني ذلك أن الجزء الأكبر من الإنفاق ما زال موجهاً لتشغيل الدولة، فيما تبقى النفقات الاستثمارية محدودة نسبياً.
الدين العام غائب
وكما في الموازنات السابقة، لا يتضمن المشروع الحالي اعتمادات فعلية لتسديد الدين الخارجي أو سندات اليوروبوندز. ويبقى ملف الدين العام، الذي يتجاوز عشرات مليارات الدولارات، خارج إطار المعالجة الفعلية، بانتظار التوصل إلى اتفاق شامل لإعادة الهيكلة. وهذا يجعل التوازن المالي الظاهر في الموازنة توازناً محاسبياً أكثر منه معالجة حقيقية للمالية العامة.
فرسان الموازنة
إحدى أبرز الملاحظات القانونية على مشروع قانون الموازنة تتمثل في إدراج عدد كبير من التعديلات الدائمة داخل قانون الموازنة. فالمشروع لا يعدل الرسوم فقط، بل يعيد تنظيم شركات الهولدينغ والأوفشور، قوانين الاستملاك، ضريبة الأملاك المبنية، الضرائب على التركات، تنظيم المرافئ، الأمن العام، الرسوم الإدارية، الاقتصاد الرقمي، بعض أحكام الشركات.
ويرى عدد من الخبراء أن هذه الأحكام تتجاوز الطبيعة السنوية لقانون الموازنة، وتندرج ضمن ما يعرف دستورياً بـِ "فرسان الموازنة"؛ أي النصوص التي كان يفترض أن تصدر بقوانين مستقلة.
بين الإصلاح والجباية
تسعى الحكومة إلى تقديم المشروع باعتباره خطوة نحو تعزيز الاستقرار المالي وتحسين الإدارة الضريبية.
لكن في المقابل، يرى منتقدو المشروع أن فلسفته ما زالت تعتمد بصورة أساسية على توسيع الجباية، من دون إطلاق إصلاحات اقتصادية أو استثمارية قادرة على تحفيز النمو الحقيقي.
فالقطاع الخاص يواجه ارتفاعاً إضافياً في كلفة الإنتاج، والمستهلك يتحمل جزءاً جديداً من الأعباء، فيما تبقى ملفات أساسية، كإعادة هيكلة الدين، وإصلاح القطاع العام، وإعادة الإعمار، خارج إطار الحلول الجذرية.
وفي المحصلة، تبدو موازنة 2027 محاولة للحفاظ على الاستقرار المالي أكثر منها مشروعاً لإعادة بناء الاقتصاد. فهي تحقق توازناً في الحسابات، لكنها لا تجيب بصورة حاسمة عن السؤال الأكبر: كيف يمكن تحقيق النمو، وتحفيز الاستثمار، وحماية القدرة الشرائية، في اقتصاد لا يزال يعيش تداعيات واحدة من أعمق الأزمات المالية في تاريخه؟.
-
-
Just in
-
07 :57
إسرائيل ستوسّع عمليّاتها... هل ينهار وقف إطلاق النار؟! (البناء) تتمة
-
07 :53
خاصّ - خبير يشكك بالرواية الإسرائيلية حول علي الطاهر: عمل دعائي يجافي الواقع! تتمة
-
07 :51
"رويترز" عن الرئاسة الكورية الجنوبية: ندرس خيارات بشأن مضيق هرمز بينها إجراءات عسكرية
-
07 :49
قصفٌ مدفعيّ... هذا ما تعرّض له الجنوب فجرًا! تتمة
-
07 :46
الإفراج عن الأسرى نتيجة ضغط أميركي لإبقاء مسار المفاوضات (الشرق الأوسط) تتمة
-
07 :44
"فايننشال تايمز" عن مصادر دبلوماسية: وسطاء يعملون على وضع إطار لمفاوضات بين طهران وواشنطن بشأن اتفاق جديد محتمل
-
-
Other stories
Just in
-
07 :57
إسرائيل ستوسّع عمليّاتها... هل ينهار وقف إطلاق النار؟! (البناء) تتمة
-
07 :53
خاصّ - خبير يشكك بالرواية الإسرائيلية حول علي الطاهر: عمل دعائي يجافي الواقع! تتمة
-
07 :51
"رويترز" عن الرئاسة الكورية الجنوبية: ندرس خيارات بشأن مضيق هرمز بينها إجراءات عسكرية
-
07 :49
قصفٌ مدفعيّ... هذا ما تعرّض له الجنوب فجرًا! تتمة
-
07 :46
الإفراج عن الأسرى نتيجة ضغط أميركي لإبقاء مسار المفاوضات (الشرق الأوسط) تتمة
-
07 :44
"فايننشال تايمز" عن مصادر دبلوماسية: وسطاء يعملون على وضع إطار لمفاوضات بين طهران وواشنطن بشأن اتفاق جديد محتمل
All news
- Filter
-
-
إسرائيل ستوسّع عمليّاتها... هل ينهار وقف إطلاق النار؟!
-
04 September 2026
-
EXCLUSIVEخاصّ - خبير يشكك بالرواية الإسرائيلية حول علي الطاهر: عمل دعائي يجافي الواقع!
-
04 September 2026
-
قصفٌ مدفعيّ... هذا ما تعرّض له الجنوب فجرًا!
-
04 September 2026
-
الإفراج عن الأسرى نتيجة ضغط أميركي لإبقاء مسار المفاوضات
-
04 September 2026
-
"الحزب" لا يُنسق مع بري... وغضب؟
-
04 September 2026
-
أسرى لبنانيون مقابل رفات يهود لبنانيين؟
-
04 September 2026
-
مساعٍ فرنسية جديدة لقوة دولية محلّ اليونيفيل...
-
04 September 2026
-
تحذير إيراني عبر عُمان: أيّ هجوم على "علي الطاهر" سيقابل بردّ عسكري!
-
04 September 2026
-
الوزيرة وزّعت الشوكولا... احتفالاً بنجاح نجلها!
-
04 September 2026
-
تعدُّد الولاءات وغياب العقيدة: سوريا الجديدة... جيوش داخل الجيش
-
04 September 2026

