زينب بزي -
تحتاج الحكومة إلى المال بشدّة. هذا ما يكشفه مشروع موازنة 2027. لكن لا يمكن الاكتفاء بهذا الاستنتاج، لأنه يكشف أيضاً حدود الطريقة التي تبحث بها وزارة المال عن المبالغ المطلوبة. فالإنفاق والإيرادات مُقدّران بنحو 614.4 تريليون ليرة، بينما لا تظهر في المواد القانونية ضريبة جديدة واسعة قادرة وحدها على تأمين قفزة في الإيرادات بقيمة تصل إلى 800 مليون دولار.
ولكن بدلاً من العمل على إصلاح النظام الضريبي، كان البديل هو العمل على النظام القائم نفسه مع إدخال بعض التعديلات الطفيفة. غالبية المواد المُعدّلة تتمحور حول الوصول إلى مكلّفين وعمليات كانت أصعب على الإدارة الضريبية، مطابقة المعلومات، تشديد التحصيل، رفع الرسوم في مواضع محدّدة، وفي المقابل تسهيل بعض إجراءات الامتثال. أي إنّ المشروع أقرب إلى موازنة جباية وإدارة نقدية، هدفها إحكام التحصيل وتضييق هامش التهرّب إلى أقصى حدّ، أكثر مما هي محاولة لإعادة بناء النظام الضريبي نفسه.
يتألف المشروع من 64 مادة، لكنّ الكتلة الأساسية تبدأ من المادة 15 وتمتد حتى المادة 61، حيث تتركز التعديلات الضريبية والرسوم وإجراءات التحصيل. وقبلها، تفتح المادة 14 باباً مختلفاً عبر إلغاء اعتمادات الدفع المُقرّرة لعام 2027 وما بعده لعدد من قوانين البرامج، بقيمة تقارب 2.32 تريليون ليرة، تشمل أبنية حكومية وطرقات ومشاريع مياه وكهرباء واتصالات ومدارس وتجهيزات للجيش، بينها 740 مليار ليرة لأبنية الإدارات العامة، ونحو 247.5 ملياراً للجيش، و150 ملياراً لتطوير الشبكة الثابتة للاتصالات».
بعد ذلك تظهر فلسفة التحصيل بوضوح أكبر. المادة 42 تسمح بتبادل ومقارنة بيانات الأجراء بين وزارة المال والضمان الاجتماعي، من الأسماء إلى الرواتب والأجور والتعويضات. أي إنّ صاحب العمل الذي يقدّم بيانات مختلفة إلى المؤسستين، سيتم كشفه. لا ضريبة جديدة هنا، بل محاولة للوصول إلى ضريبة موجودة قد يفلت جزء منها من التحصيل. أي إن «الشطارة» في تقديم بيانات مختلفة ستصبح أصعب حين يصبح في إمكان الإدارتين وضع الأرقام جنباً إلى جنب.
المنطق نفسه يمتد إلى الـTVA. فالمادة 47 تستهدف من كان مُلزماً بالتسجيل ولم يفعل، وتضع أسساً لتقدير الضريبة عليه، مع حرمانه في الحالات المحددة من حسم الضريبة عن الفترة التي بقي خلالها خارج التسجيل. عدم التسجيل، إذاً، يصبح أكثر كلفة، وهذا ربما ما سيدفع المكلّف إلى الالتزام بدل الهروب.
أمّا المادة 43 فتسمح لمجلس الوزراء أن يُلزِم أشخاص القانون العام بعدم إنجاز معاملات المكلّف غير الملتزم بتسديد الضرائب والرسوم المتوجبة عليه. هكذا لا يبقى الملف الضريبي محصوراً بوزارة المال، بل يمكن أن يتحوّل إلى عائق أمام معاملة أخرى لدى الدولة، وهذا ما سيكون بغنى عنه العديد من المكلّفين الذين يحتاجون بالفعل إلى الكثير من المعاملات للاستمرار في نشاطاتهم.
لكنّ المشروع يعرف أيضاً أن كثرة الإجراءات قد تنتج عدم التزام إضافياً. لذلك تمدّد المادة 26 مهلة تسديد رسم الطابع على الصكوك من خمسة إلى عشرة أيام عمل، فيما تنقل المادة 27 التصريح عن رسم الطابع على الفواتير والإيصالات من شهري إلى فصلي، أي من 12 تصريحاً سنوياً إلى أربعة. وهذه «الاستراتيجية» التي تحاول المالية اعتمادها، ليست سوى محاولة لحثّ المكلّفين على الالتزام والتصريح وتسديد ما يتوجّب عليهم دون ضغط.
ثم يأتي الحل الأكثر «ابتكاراً» في المشروع كلّه. فالمادة 61 تتيح إطلاق «يانصيب الفواتير»، وإدخال الفواتير المُرسلة إلكترونياً في سحوبات مجانية على جوائز نقدية أو عينية. ليس حباً بالمواطنين لجعلهم «يربحون»، بل لأن طلب الفاتورة يجعل عملية البيع أكثر ظهوراً أمام الإدارة الضريبية.
أمّا في العقارات، فتضع المادة 19 مُعدّلاً قدره 10% للشخص الطبيعي غير الخاضع لضريبة الدخل و15% لبقية المشمولين، مع إبقاء المعدّل الاستثنائي البالغ 1% حتى نهاية 2027 لأرباح التفرّغ عن العقارات المملوكة قبل 20 تشرين الأول 2023، فضلاً عن التنزيلات والإعفاءات المنصوص عليها. لذلك لا يمكن اختصار التعديل بعبارة «رفع الضريبة من 1% إلى 15%»؛ تاريخ التملك وصفة المتفرّغ يحدّدان المعاملة الضريبية.
ولا يقتصر البحث عن الإيرادات على تحسين التحصيل. فالمشروع يعيد تسعير مجموعة من الرسوم الإدارية، من الإقامات والتأشيرات إلى التراخيص، ويمتد إلى الجمعيات والأندية الرياضية والشبابية. فالمادة 51 تحدد رسم نقل الكفيل بـ30 مليون ليرة، وتأشيرة المرور أو الإقامة لمدة أشهر بـ3 ملايين ولستة أشهر بـ9 ملايين. أمّا المادة 55 فتحدّد بـ45 مليون ليرة رسم ترخيص جمعية كشفية، أو جمعية شبابية بنشاط واحد، أو جمعية رياضية بلعبة واحدة، وتصل بعض رسوم الترخيص، كترخيص اتحاد أو لجنة أو أكاديمية رياضية أو معهد إعداد وتدريب رياضي، إلى 135 مليون ليرة.
وعند الاستيراد، تعيد المادة 56 اعتماد تصديق الفواتير التجارية وشهادات المنشأ والمُستندات التجارية لدى البعثات اللبنانية في الخارج، مقابل رسم يبلغ 4 بالألف من قيمة البضاعة. وهنا يصبح السؤال عمّن سيتحمّل الكلفة فعلياً: المستورد أم المستهلك؟ فالرسم يُدفع عند الاستيراد، لكنه يدخل في كلفة إدخال البضاعة، ما يجعله قابلاً للانتقال، جزئياً أو كلياً، إلى سعرها النهائي. فهل يتحوّل بحث الخزينة عن إيرادات إضافية للبعثات إلى زيادة أخرى على المستهلكين؟
وفي نهاية السلسلة، تصل الخزينة إلى أموال موجودة أصلاً لدى جهات عامة. فالمادة 62 تفرض قاعدة موحّدة على مرافئ بيروت وطرابلس وصيدا وصور لتحويل إيرادات الخدمات، بعد حسم الرواتب والأجور والنفقات التشغيلية، إلى حسابات الخزينة في مصرف لبنان خلال 15 يوماً من بداية كل شهر عن إيرادات الشهر السابق. وليست التحويلات نفسها اختراعاً جديداً، لكنّ المشروع يحوّلها إلى التزام قانوني موحّد ومُحدّد بمهلة.
أمام كل ما سبق، يبدو أن مشروع 2027 اختار الطريق الأسهل عبر تشديد الجباية بدل فتح ملف النظام الضريبي نفسه. ولا نقول إنّ هذا المسار خاطئ، ولكنه ليس الصحيح والمطلوب بعد كل ما مرّت به البلاد. فالسلطة توسّع قدرتها على الملاحقة والتحصيل، لكنها لا تعيد النظر جذرياً في من يتحمّل العبء ولماذا. النتيجة أن النظام سيصبح أكثر إحكاماً، لكنه لن يكون عادلاً بالمطلق.