خاصّ - تسوية شيباني يدفع ثمنها يوسف رجي!

  • 26 August 2026
  • 33 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    خاص tayyar.org

    شكلت تسوية وضع الديبلوماسي الإيراني محمد رضا شيباني في بعدها السياسي اختباراً لمدى قدرة الدولة اللبنانية على تثبيت قرارها السيادي عندما تتداخل الاعتبارات الداخلية بالحسابات الإقليمية. الأهم أن الكلفة السياسية للتسوية وقعت بصورة مباشرة على وزير الخارجية يوسف رجي، الذي اختار في الأيام الماضية رفع سقف المواجهة إلى أقصاه.
    في 20 آب، كان رجي واضحاً إلى حد إغلاق أبواب المناورة. اعتبر أن شيباني، بعدما أُعلن شخصاً غير مرغوب فيه، تتوجب عليه مغادرة لبنان، وأن أي تأشيرة أو إذن دخول أو إقامة سابق لا يمكن أن يشكل أساساً لاستمرار وجوده. والأهم أنه وصف أي حديث عن تجديد إقامته بأنه "هرطقة قانونية"، مؤكداً أن القرار السيادي "لا يقبل استثناءً أو تأويلاً أو التفافاً عليه" ولا يمكن إخضاعه لأي تسوية أوضاع.
    لكن ما حصل بعد انتهاء الإقامة في 24 آب جاء في اتجاه مختلف. مُنح شيباني إقامة لمدة ستة أشهر بصفته مواطناً إيرانياً، لا سفيراً، واستندت المعالجة، بحسب ما أُعلن، إلى كونه ديبلوماسياً إيرانياً سابقاً خدم في لبنان بين سنتيّ 2006 و2009.
    هنا تحديداً تكمن المفارقة السياسية.
    في الشكل، تستطيع السلطة القول إنها لم تتراجع عن قرار رفض اعتماد شيباني ولم تعترف به سفيراً. لكن عملياً، بقي في بيروت، وهو تحديداً ما كان رجي قد رفضه بصورة قاطعة. تالياً، انتقلت القضية من سؤال: هل يبقى شيباني أم يغادر؟ إلى سؤال أكثر تعقيداً: من يملك حق رسم الحدود النهائية للقرار اللبناني عندما تدخل الاعتبارات السياسية والأمنية على خط التنفيذ؟
    هذه النقطة هي التي تجعل التسوية أكثر إحراجاً لرجي من كونها إحراجاً للدولة اللبنانية ككل. لم يترك وزير الخارجية لنفسه هامشاً واسعاً للتراجع عندما بنى موقفه على التشدد المطلق. لو كان موقفه أكثر مرونة، لكان ممكناً تقديم الإقامة الجديدة باعتبارها معالجة قانونية لا تمس القرار الديبلوماسي. أما بعدما أعلن أن أي استمرار لوجود شيباني هو التفاف على قرار سيادي، فيضع بقاءه ستة أشهر رجي أمام اختبار مصداقية أكثر منه أمام خلاف قانوني.
    اللافت أن التسوية جاءت في صيغة لم تمنح إيران ما تريده بالكامل، ولم تعطِ رجي ما طالب به بالكامل. لم يصبح شيباني سفيراً، لكنّه لم يغادر لبنان أيضاً. لم تسحب السلطة قرارها باعتباره شخصاً غير مرغوب فيه، لكنها سمحت له بالبقاء. إنها صيغة لا غالب ولا مغلوب في ظاهرها، لكنها سياسياً تحمل رابحاً وخاسراً بحسب زاوية القراءة.
    تستطيع إيران، من جهتها، اعتبار إبقاء شيباني في بيروت مكسباً، لأن المعركة الأساسية بالنسبة إليها لم تكن بالضرورة تثبيت صفته الديبلوماسية، بل منع تحويل إخراجه من لبنان إلى سابقة سياسية تؤكد تراجع نفوذها وتقطع قنواتها. أما السلطة فحافظت على رفضها الاعتراف به سفيراً، لكنها اضطرت في الوقت نفسه إلى إيجاد مخرج يمنع تحول القضية إلى أزمة مفتوحة مع طهران.
    يبقى رجي الذي وجد نفسه في الموقع الأصعب. كان رأس الحربة في تثبيت الموقف اللبناني، ثم جاءت التسوية لتخفض سقف المعركة من مغادرة شيباني إلى بقائه من دون صفة ديبلوماسية. هذا فارق جوهري سياسياً، حتى لو أمكن الدفاع عنه قانونياً.
    الأبعد من قضية شيباني نفسها أن ما حصل يكشف حدود القدرة على إدارة السياسة الخارجية بمنطق القرارات المنفردة. فالسياسة الخارجية اللبنانية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بإيران وحزب الله، لا تتحرك فقط وفق القواعد الديبلوماسية، بل ضمن شبكة معقدة من التوازنات الداخلية والضغوط الخارجية وحسابات الأمن والاستقرار.
    لذلك، فإن السؤال الحقيقي بعد تسوية شيباني ليس ما إذا كان رجي قد خسر التحدي، وهو خسر بالفعل، بل ما إذا كان قد رفع سقف موقفه أكثر مما تسمح به قدرة الدولة على تنفيذه. فوزير الخارجية الذي قال إن القرار لا يقبل تسوية وجد نفسه أمام تسوية. والقرار الذي قيل إنه يستوجب مغادرة شيباني انتهى عملياً إلى السماح له بالبقاء.
    هذا هو الثمن السياسي الذي يدفعه رجي، ليس لأن لبنان تراجع رسمياً عن موقفه، بل لأن التسوية كشفت الفارق بين سقف الموقف الذي أعلنه وزير الخارجية وبين السقف الذي انتهت إليه السلطة في التنفيذ.
    في السياسة، غالباً ما تكون هذه المسافة هي التي تُقاس فيها قوة المسؤول، لا الكلام الذي يُطلَق على عواهنه.