«آلاف فُقدوا... وآلاف يُفتقَدون»: جدارية في بيروت ترسم وجع الانتظار
-
22 August 2026
-
49 mins ago
-
-
source: الشرق الأوسط
-
فاطمة عبدالله -
من أسفل مبنى بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بيروت، يحتاج المرء إلى أن يبتعد قليلاً كي يرى الإنسان. تتجمَّع مئات المربّعات الملوَّنة فوق الجدار، ويخرج منها وجه وهيئة بشرية تبدوان لوهلة واضحتين. لكنْ ما إنْ يقترب حتى يبدأ كلّ شيء في التفتُّت. الوجه الذي ظنَّ أنه أمسك بملامحه يعود ألواناً متناثرة، والإنسان الذي كان هناك منذ ثوانٍ يصبح عصياً على التحديد.
هذه المسافة بين أن ترى شخصاً ثم تفقده هي الفكرة التي اختارها الفنان الغرافيتي سبازونو لجدارية المفقودين التي كشفت عنها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في منطقة الحمرا. وتحت الصورة، تختصر عبارة ما عجزت عقود عن إغلاقه: «آلاف فُقدوا، وآلاف يُفتَقدون». فالاختفاء يحدُث مرة، أما الافتقاد فيتكرَّر بلا توقُّف.
كُشفت الجدارية بالتزامن مع اليوم العالمي للعمل الإنساني، وقبيل اليوم العالمي للمفقودين والمخفيين قسراً في 30 أغسطس (آب) الحالي. وحضر المناسبة ممثّلون عن لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، والهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى جانب شخصيات وفنانين وإعلاميين وشركاء في القضية.
يقوم العمل الفنّي على خدعة بصرية مؤلمة في معناها. من بعيد، تبدو الهيئة البشرية شبه مُكتملة، كأنّ الذاكرة استطاعت أخيراً جَمْع أجزاء الشخص الغائب. ومع الاقتراب، تفقد الملامح تماسكها وتتحوّل إلى وحدات لونية منفصلة، فتنسحب الصورة من العين في اللحظة التي تعتقد فيها أنها أصبحت في متناولها.
في الرؤية المرافقة للعمل، يصبح هذا التحوّل صورة لتجربة عاشتها عائلات كثيرة في لبنان. فالأثر يظهر والرواية تُسمَع ومعلومة تفتح باباً، ثم يعود اليقين إلى التلاشي. وما بدا قريباً من الوضوح يستحيل مرة أخرى حالة ضبابية.
والجدارية مختلفة وفق موقع الناظر منها. تحتاج إلى المسافة كي ترى الشخص، وتحتاج إلى القُرب كي تدرك أنك عاجز عن رؤيته كلّياً. وقد أنجزها الفنان مُستلهماً مشروعاً شارك فيه طلّاب التصميم الغرافيكي في الجامعة اللبنانية الأميركية، دعتهم خلاله اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى قراءة قصص المفقودين وتحويلها إلى صور. وجاءت الأعمال الطلابية كأنها مسودات متعدّدة للغياب، لكلّ منها لغتها مع احتفاظ الوجع بحدّته.
في أحد الرسوم، اختارت آية لبّان السؤال اللبناني الأكثر التصاقاً بالقضية: «وينن؟». سؤال حملته أمهات وزوجات وأبناء على مدى سنوات، وبقي أطول عمراً من كثير من الأجوبة التي وُعدوا بها. الأعمال جميعها لا تتعامل مع المفقود على أنه رقم في ملف منسيّ. تُعيده إلى حقيبته وقميصه ومسبحته وكرسيه، وإلى أفراد عائلته الذين ما زالوا يتركون له مكاناً في حياتهم.
هذا المعنى حملته رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان وداد حلواني، التي أعادت خلال المناسبة التذكير بمسيرة تمتدّ على نحو 4 عقود ونصف العقد من المطالبة بمعرفة مصير الأحبّة. وترى أنّ حقّ العائلات في المعرفة يتجاوز أصحاب القضية، فهو حقّ إنساني يرتبط بقدرة المجتمع على مواجهة ماضيه والتعلُّم منه، وعلى منع تكرار ما حدث.
كلمة حلواني تستعيد تاريخاً صنعته العائلات قبل أن تصنعه المؤسّسات. فالقضية بقيت حيّة لأنّ أمهات وزوجات وأبناء رفضوا أن يتحوّل غياب أحبّائهم إلى صفحة مطويّة، وحملوا الصور والأسماء والأسئلة من شارع إلى آخر، ومن اعتصام إلى آخر، طوال سنوات تغيَّر خلالها لبنان مرات كثيرة وبقي الانتظار على حاله.
من جهته، أشار رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً القاضي جوزف سماحة إلى الصعوبات والمعضلات التي تعترض عمل الهيئة، وإلى أهمية تعاون الجهات الرسمية والعاملين في المجالات العامة والاجتماعية والإنسانية في لبنان وخارجه. ورأى أنّ تنسيق هذه الجهود يُشكل دعماً أساسياً لمهمّة البحث عن مصيرهم.
نائب رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في لبنان يان ميسكوك أعاد بدوره تأكيد استمرار عمل اللجنة إلى جانب عائلات المفقودين، بعد عقود من مرافقتها في البحث عن الإجابات، مشيراً إلى أنّ هذا المسار يتواصل بالتعاون مع العائلات ولجنة الأهالي والهيئة الوطنية.
اختيار جدار كبير في الحمرا لهذه القضية يُضيف إلى العمل دلالة. فالمفقود يخرج من الأرشيف والوثيقة والصورة العائلية إلى يوميات المدينة. يراه المارّ إلى عمله والطالب وسائق السيارة، ومَن يعرف الحكاية ومَن وُلد بعد انتهائها بسنوات. مَهمّة الفنّ في هذه الحالة أن يمنع الأثر من الاختفاء.
لهذا كانت المربّعات التي تتفتَّت منها هيئة الإنسان أكثر تعبيراً من صورة مُكتَملة. ففي قضية المفقودين اللبنانيين، تملك العائلات شذرات كثيرة، من صورة أخيرة وتاريخ ورواية سمعها أحدهم وشاهد رَحَلَ، واسم وَرَدَ في مكان ما. تنقصها القطعة التي تجعل كلّ ذلك حقيقة يمكن الإمساك بها.
مرَّ زمن طويل على اختفاء كثيرين. كَبِرَ أبناؤهم وشاخ آباؤهم ومات بعض الذين انتظروا قبل أن يسمعوا الجواب. ومع ذلك بقيت الأشياء معلَّقة في مكانها، من قميص في خزانة، إلى صورة على جدار واسم في بيت. لهذا تبقى العبارة أسفل الجدارية بعد انتهاء الكلام كلّه: «آلاف فُقدوا، وآلاف يُفتَقدون». كأنّ الغياب مهما طال لا يتعلَّم كيف يصبح ماضياً.
-
-
Just in
-
10 :12
رد عنيف من نجم كتيلي على وقاحة ميشال حلو: "استغليت منبر منعتبرو صادق لتعيد علك موقفك المُزري"! تتمة
-
09 :49
رئاسة الجمهورية: الرئيس جوزاف عون عاد إلى بيروت بعد زيارة إلى الفاتيكان وإيطاليا
-
09 :43
وكالة "إرنا": إيران تسمح بعبور ناقلات نفط عراقية مضيق هرمز بناء على طلب بغداد
-
09 :37
فرضية الحرب هي الأكثر قوّة؟ تتمة
-
09 :29
إسرائيل تكشف كواليس ضرب مطار أبو الظهور في سوريا! تتمة
-
09 :21
"الحزب" يضع السلطة أمام خيارَين... ما هما؟ (اللواء) تتمة
-
-
Other stories
Just in
-
10 :12
رد عنيف من نجم كتيلي على وقاحة ميشال حلو: "استغليت منبر منعتبرو صادق لتعيد علك موقفك المُزري"! تتمة
-
09 :49
رئاسة الجمهورية: الرئيس جوزاف عون عاد إلى بيروت بعد زيارة إلى الفاتيكان وإيطاليا
-
09 :43
وكالة "إرنا": إيران تسمح بعبور ناقلات نفط عراقية مضيق هرمز بناء على طلب بغداد
-
09 :37
فرضية الحرب هي الأكثر قوّة؟ تتمة
-
09 :29
إسرائيل تكشف كواليس ضرب مطار أبو الظهور في سوريا! تتمة
-
09 :21
"الحزب" يضع السلطة أمام خيارَين... ما هما؟ (اللواء) تتمة
All news
- Filter
-
-
رد عنيف من نجم كتيلي على وقاحة ميشال حلو: "استغليت منبر منعتبرو صادق لتعيد علك موقفك المُزري"!
-
22 August 2026
-
فرضية الحرب هي الأكثر قوّة؟
-
22 August 2026
-
إسرائيل تكشف كواليس ضرب مطار أبو الظهور في سوريا!
-
22 August 2026
-
"الحزب" يضع السلطة أمام خيارَين... ما هما؟
-
22 August 2026
-
"انسوا الجنوب"… هل تستعد إسرائيل لمرحلة جديدة من الحرب؟
-
22 August 2026
-
تحرك عاجل بشأن أسد في بعلبك... ما القصّة؟
-
22 August 2026
-
عون و"الحزب"... "لا كلام ولا سلام"!
-
22 August 2026
-
EXCLUSIVEخاص - من علي الطاهر إلى البقاع الغربي... هل تتوسّع الخطة الإسرائيلية؟
-
22 August 2026
-
الوضع في لبنان والمنطقة قابل للإنفجار!
-
22 August 2026
-
"لم يبق فيها منزلًا واحدًا"... هذا ما شهدته قرى الجنوب فجرًا!
-
22 August 2026

