لا حرب ولا سلام... وشرقُنا ينتظر (أنطوان قسطنطين)

  • 21 August 2026
  • 58 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    لم تنتهِ الحرب الأميركية ـ الإيرانية، لكنها لم تستمر على نحو ما بدأت. لم تجرِ المفاوضات، لكنها لم تسقط. ولم تعد الهدنة قائمة، لكن أحدًا لا يبدو مستعدًا للعودة إلى حرب مفتوحة. لا حرب ولا سلم؛ هذه هي حال الشرق المترقّب صفّارة الصواريخ أو رنين هاتف المفاوضات. في 17 آب انتهت المهلة التي ارتبطت بالاتفاق المرحلي الأميركي ـ الإيراني، من دون التوصل إلى اتفاق نهائي. واشنطن تقول إنّ المفاوضات ليست قائمة، وطهران تقول إنّ العودة إليها تحتاج أولًا إلى تنفيذ شروط الاتفاق السابق. أما مضيق هرمز، فقد صار هو عنوان الأزمة وورقة ضغط في آن. فما الذي يريده كل طرف قبل أن يدخل المفاوضات؟

    ليس سرًّا أنّ الرئيس الأميركي لا يريد أن يدخل انتخابات منتصف الولاية وحرب إيران مفتوحة فوق رأسه. فالولايات المتحدة تستطيع أن تبدأ حربًا بسرعة، لكنها لا تستطيع أن تضمن نهايتها. وهذا هو الدرس الذي بدأ يظهر في المنطقة بوضوح.

    لقد أثبتت الحرب أنّ التفوق العسكري الأميركي الهائل لا يساوي بالضرورة القدرة على فرض النتيجة السياسية. فالقوة الأميركية لها أيضًا حدودها.

    الرئيس ترامب يريد اتفاقًا يستطيع تقديمه كانتصار للأميركيين. انتصار يقول بوضوح: إيران صارت أضعف، برنامجها النووي مقيّد، أمن إسرائيل محمي، ومضيق هرمز عاد إلى العمل.

    كل يوم يمرّ من دون تسوية يزيد الكلفة السياسية للحرب في الولايات المتحدة، ويزيد حاجة الإدارة الأميركية إلى رواية نجاح بدل استمرار الاستنزاف.

    إيران، في المقابل، تريد الخروج من الحرب بمكتسبات تعزز نفوذها واقتصادها؛ فهي ليست في وضع يسمح لها بالاطمئنان، لكنها ليست في وضع الاستسلام.


    لقد دفعت طهران ثمنًا كبيرًا، لكنها أثبتت في المقابل أنّ إسقاط نظامها بالقوة ليس عملية سهلة، والأهم أنّها تعرف أنّ الوقت ليس بالضرورة ضدّها. ولذلك فإنّ «لا حرب ولا سلام» قد تكون بالنسبة إلى إيران وسيلة لإطالة الوقت إلى أن تتضح الحسابات الأميركية.

    باختصار، واشنطن تريد اتفاقًا يثبت انتصارها، وطهران تريد اتفاقًا يثبت أنّها لم تُهزم. وبين الموقفين تبقى المنطقة معلّقة على خشبة الانتظار.

    الانتخابات تدخل غرفة المفاوضات. هناك استحقاقان يقتربان بسرعة: الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول. والانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني.


    في إسرائيل، لا تبدو المعركة محسومة. الاستطلاعات الحالية تعطي قوى المعارضة أفضلية في عدد من السيناريوهات، لكنها لا تمنحها بالضرورة أغلبية الـ61 مقعدًا المطلوبة لتشكيل حكومة مستقرة.

    وهذا يعني أنّ بنيامين نتنياهو يدخل الانتخابات وهو بحاجة إلى أن يقدّم للإسرائيليين صورة واضحة عن «الانتصار» والأمن والقدرة على حماية إسرائيل. فهل يذهب إلى حرب خاطفة، فيما ترامب يحتاج إلى أن يقول للأميركيين: لقد أنجزنا المهمّة؟


    عندما تقترب الانتخابات، تصبح الحرب جزءًا من الحساب السياسي الداخلي.

    قد يبدو استمرار التصعيد مفيدًا للبعض، كما قد يصبح التوصل إلى اتفاق في لحظة معينة مفيدًا للبعض أيضًا.


    المسألة ليست إذًا: هل تريد أميركا الحرب أم السلام؟

    المسألة: أي حرب؟ وأي سلام؟ ومتى؟ وبأي ثمن انتخابي؟ ولهذا لن يكون الخريف عاديًا.

    من الآن وحتى الانتخابات الإسرائيلية ثم الأميركية، نحن أمام فترة يمكن أن تحمل تطورات كبيرة محتملة، تتوزع ما بين:

    ضربة محدودة.

    تفاوض غير مباشر.

    اتفاق على هرمز.

    عودة إلى التصعيد.

    تسوية مؤقتة.

    أو حتى صفقة أكبر تُؤجّل الملفات الأصعب إلى ما بعد الانتخابات.

    لكن الثابت أنّ الوقت أصبح لاعبًا في المعادلة، وهذا ما يجب أن نفهمه في لبنان قبل غيرنا.


    لبنان بين الهدنة والحرب

    لا يستطيع لبنان أن يتصرّف وكأنّ ما يحدث بين واشنطن وطهران لا يعنيه. فالهدوء الذي نعيشه ليس سلامًا نهائيًا. ووضعية «لا حرب ولا سلام» بين أميركا وإيران تعني أنّ كل الجبهات المرتبطة بالصراع تبقى قابلة للاشتعال أو لإعادة الضبط، ومن بينها لبنان.

    لكن دعونا نكون أكثر وضوحًا: لبنان لا يستطيع أن ينتظر نتيجة الانتخابات الأميركية أو الإسرائيلية ليقرّر ماذا يريد.

    إذا كنا قد تعلمنا شيئًا من العقود الماضية، فهو أنّ الدول التي تنتظر الخارج لتحديد خياراتها تتحول إلى ساحات لصراعات الآخرين.

    أما الدولة التي تعرف ماذا تريد، فتستطيع أن تتعامل مع الجميع. ليس المطلوب من لبنان أن يختار بين أميركا وإيران، بل أن يحدّد ما هو الأفضل له؛ أي أن تكون علاقاته الخارجية في خدمة مصلحته الوطنية.

    الباحث الأميركي مارك لينش يتحدث عن أفول «الشرق الأوسط الأميركي»، وهي قراءة جدّية ومهمّة. لكن أفول الهيمنة لا يعني اختفاء أميركا.

    واشنطن ستبقى قوة كبرى في المنطقة. وستبقى إسرائيل حليفًا أساسيًا لها. وستبقى قواعدها ومصالحها وشبكاتها وتحالفاتها حاضرة. لكن ما يتغيّر هو شيء آخر: لم تعد أميركا قادرة على ضمان أن ينفّذ الشرق الأوسط، فقط، ما تريده هي. وهذا هو التحول الحقيقي.

    لقد بدأت دول المنطقة، حتى الحليفة لواشنطن، تنوّع علاقاتها، وتبحث عن هوامش أوسع للحركة.

    السعودية أقامت حلفًا مع تركيا وباكستان وتتحدث مع إيران، وتحاول مع دول الخليج تقليل مخاطر المواجهة. وتركيا تتحرك وفق حساباتها، والصين وروسيا حاضرتان بدرجات مختلفة.

    مع ذلك، فإنّ تنوّع الخيارات لا يضمن استقلالية القرار. أبعد من السؤال عمّن سيربح الحرب الأميركية ـ الإيرانية، من سيربح الشرق الأوسط الذي سيولد بعدها؟

    هذا ما يعنينا في لبنان، لأنّ أوضاعنا لن تتغيّر إذا انتقلنا من الرهان على أميركا إلى الرهان على إيران، أو العكس.

    وإذا كنا ننتظر روسيا أو الصين، فنحن لم نتغيّر أيضًا. نكون قد غيّرنا فقط اسم القوة التي نراهن عليها. علينا أن نعرف نحن ماذا نريد، ثم نقرر مع من نتعاون، ومع من نختلف، وأين نساوم، وأين نرفض.

    وهذا بالنسبة إلى لبنان ليس ترفًا فكريًا. إنّه مسألة بقاء.


    الخريف المقبل قد يغيّر المنطقة

    قد تنتهي مرحلة «لا الحرب ولا السلام» بتسوية أميركية ـ إيرانية، أو بتصعيد جديد. التسوية، إذا حصلت، فهي مؤجّلة إلى ما بعد الانتخابات.

    قد تنتج الانتخابات الأميركية خيارات جديدة، وقد تنتج الانتخابات الإسرائيلية قيادات جديدة أو تعيد إنتاج القيادات نفسها. لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا:

    الشرق الأوسط الذي عرفناه لم يعد موجودًا كما كان. أميركا لم تعد قادرة على إدارة المنطقة بالطريقة نفسها. إيران لم تعد قادرة على فرض معادلاتها كما كانت. إسرائيل لا تستطيع أن تفرض وحدها نهاية الصراع بالقوة. والدول العربية بدأت تدرك أنّ أمنها لا يمكن أن يبقى بالكامل في عهدة قوة خارجية.


    لذلك، نحن أمام مرحلة انتقالية طويلة. والمرحلة الانتقالية أخطر من الحرب أحيانًا، لأنّها لا تمنح أحدًا قواعد واضحة. لبنان، في هذه المرحلة، أمام فرصة لا أمام قدر محتوم. هو قادر، إذا تحرّرت إرادة قياداته، أن:

    * يخرج من سياسة الانتظار، وأن يعيد القرار إلى مؤسساته.

    * يحصر السلاح بالدولة، ويحرّر قرار الحرب أو السلام من تبعية المحاور.

    * يحافظ على علاقاته مع الجميع من موقع الندّية والمصلحة، لا من موقع الرهان.

    فإذا كان «شرق ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي» يقترب من نهايته، فالمطلوب شرق جديد، يستمد ضمانته من قوة شعوبه، وأن يكون لنا مكان فيه.

    ففي عالم تتراجع فيه الهيمنة، لن يبقى قويًا من يراهن على الأقوى. يبقى قويًا من يعرف ماذا يريد.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology