سلام يسلّم موقوفاً إلى دمشق تمهيداً لإعدامه

  • 19 August 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الأخبار
    • article image

    الأخبار: وفيق قانصوه-

    لم يعد الأمر تعاوناً قضائياً بين دولتين، بل مشهداً فاقعاً لدولة تتنازل عن قرارها، وسلطة تنحني أمام مطلب خارجي، وقضاء يعمل من يفترض أن يحميه على جعله ألعوبة في أيدي السياسيين ورعاتهم الخارجيين.

    ففي مشهد يختصر إلى حدّ الإذلال بؤس السلطة الحالية، نقلت قوة مؤللة من الأمن العام اللبناني، مساء أمس، الضابط السوري السابق عادل عيسى إلى الحدود اللبنانية - السورية، حيث سلّمته إلى السلطات السورية. وفيما كانت الأجهزة الأمنية تتولى تنفيذ الخطوات القانونية والأمنية، تحت إصرار وإلحاح شديدين من رئيس الحكومة نواف سلام، كان القائم بالأعمال السوري إياد الهزاع «يرابط» في السراي الحكومي ضاغطاً لإنجاز المهمة، فيما بدا رئيس الحكومة مستعداً لتقديم كل ما يلزم كرمى لعيون «دمشق الجديدة».

    المشكلة هنا لا تقتصر على الرئيس سلام، الذي يبدو مستعداً لتقديم التنازل تلو الآخر أمام المطالب السورية، بل يبدو أن هناك دوراً أيضاً لنائب رئيس الحكومة طارق متري المكلف بمتابعة العلاقات مع دمشق، فيما تحوّل النائب العام التمييزي أحمد رامي الحاج إلى نموذج صارخ لقضاء جرى انتزاعه من موقعه الدستوري وتحويله إلى أداة في أيدي السياسيين، بحيث تُفتح ملفات بأوامر السلطة وتُغلق ملفات بإشاراتها، وتُستعجل قرارات بالسرعة التي تقتضيها الضغوط الخارجية.

    وإذا كان يفترض برئيس الحكومة، بما له من خلفية قضائية، أن يكون أكثر المدافعين عن التريث والتحقق من كل الضمانات قبل تسليم شخص قد يواجه عقوبة قصوى في الدولة الطالبة، فإن ما جرى سار في الاتجاه المعاكس. وما حصل، يشير إلى أن السلطة لم تتعامل مع الملف بوصفه قضية حياة أو موت ومسألة سيادة قضائية، بل كاستحقاق سياسي ينبغي إنهاؤه. وربما لا توجد صورة أكثر اختصاراً للالتباس الذي يحكم هذا الملف من التوقيت نفسه.

    فبعدما أقر مجلس النواب اللبناني أخيراً إلغاء عقوبة الإعدام، على أن يُنشر القانون في الجريدة الرسمية غداً الخميس، كان القضاء اللبناني يمضي في تسليم عيسى الذي يواجه اتهامات يمكن أن تصل عقوبتها إلى الإعدام، ويحرص على تنفيذ الخطوة قبل سريان القانون الجديد. بمعنى آخر، كان أمام الدولة اللبنانية خيار الانتظار أياماً قليلة. وكان يمكن لرئيس الحكومة الذي يفترض أن خلفيته القضائية تجعله أكثر حساسية تجاه ضمانات المحاكمة العادلة وحماية الحقوق، أن ينتظر نشر القانون، وطلب ضمانات صريحة من الدولة السورية.

    تهريب عملية التسليم قبل سريان قانون منع الإعدام والحاج أنجز المهمة بمواكبة مباشرة من القائم بالأعمال السوري في بيروت

    أما القاضي الحاج فكان أمام موقوف يقول إنه يخشى على حياته، وتقدّم بطلب لجوء سياسي، وعنده الحق بالتواصل مع المنظمات الدولية، وهناك مطالبات قانونية بالتريث في بت طلبه، فضلاً عن أن الدولة اللبنانية نفسها أقرّت إلغاء عقوبة الإعدام، فيما الدولة التي سيُسلّم إليها الرجل لا تزال تستخدمه. وفي مثل هذه الظروف، كان الحد الأدنى المفترض من الحاج هو التحقق وعدم تنفيذ طلب الاسترداد. لكن ما حصل هو العكس، ما يُفقد القضاء دوره كضمانة، ويجعله مجرد محطة في طريق سياسي مرسوم سلفاً. وهو ما يؤكده الإصرار على تسليم عيسى قبل الخميس حتى لا يستفيد من نشر قانون الإعدام.

    الواضح أن القرار كان محكوماً باعتبار وحيد: ألّا تبقى ورقة عيسى على الطاولة طويلاً، وألّا تتحول إلى مصدر إزعاج في العلاقة مع دمشق. وهنا تحديداً يظهر معنى الخضوع للوصاية الخارجية، سواء كانت أميركية أو سعودية أو سورية. بحيث لم تعد القضية مجرد استجابة لطلب قضائي سوري ضمن اتفاقية بين دولتين، بل صارت حكومة لبنان في موقع من يزيل كل العقبات أمام دمشق، ولو كانت حقوقاً قانونية يفترض أن تحمي شخصاً موجوداً تحت سلطة الدولة اللبنانية.

    يذكر أن الغموض أحاط بهذه القضية منذ اعتقال عيسى مطلع الشهر الجاري، عندما احتجز داخل السفارة السورية التي توجّه إليها لإنجاز معاملات خاصة. وبعد فشل كل محاولات الكشف عن مصيره، جنّدت السلطة اللبنانية نفسها لـ«لملمة» الفضيحة وإبعاد السفارة السورية عن الواجهة، فتحرّك الحاج، استناداً إلى طلب مباشر من الهزاع، عبر إصدار مذكرة توقيف بحق عيسى، لكن عبر عملية تزوير في الأوراق القانونية، حيث تضمنت الوثيقة وقائع مغلوطة، تفيد بأن دورية من المباحث المركزية أوقفت عيسى أمام السفارة السورية في 7 آب، واقتادته إلى قصر العدل في بيروت بناءً على إشارة الحاج، للاشتباه في ارتكابه جرائم إرهابية. إلا أن هذه الوقائع لا تتطابق مع ما جرى.

    فالسلطات اللبنانية لم تكن، حتى مساء 7 آب، على علم بهوية عيسى أو بمصيره، ولم يحصل الاتصال الأول مع ذويه إلا بعد وصوله إلى قصر العدل، بعد ظهر السبت 8 آب. كما أن الدورية الأمنية لم توقفه أمام السفارة السورية، بل تسلّمته إثر اتصالات جرت بين الجانبين.