في «دولة المقاولين»، يبدو المال العام أكثر مرونة حين يتعلق الأمر بتسديد مستحقات المتعهّدين. 16.35 مليون دولار لشركة تولّت صيانة المجمّع الجامعي تجد طريقها إلى التسوية، فيما يبقى تفرّغ أساتذة الجامعة اللبنانية معلّقاً بحجة غياب التمويل.
في وقت تعاني فيه الجامعة اللبنانية من تردٍّ غير مسبوق في أوضاعها المالية والأكاديمية والتشغيلية، تبدو قدرة السلطة على تأمين الاعتمادات وإيجاد المخارج القانونية أكبر بكثير عندما يتعلق الأمر بمستحقات المتعهّدين. وتأتي في هذا الإطار المصالحة مع شركة «دنش» للمقاولات، التي تولّت تشغيل وصيانة المجمّع الجامعي في الحدث، والتي ستدفع الدولة بموجبها للشركة أكثر من 16 مليون دولار، فيما لا يزال ملف تفرّغ الأساتذة متعثراً بذريعة عدم قدرة الخزينة على تحمّل كلفته. ولا تقف المسألة هنا عند حق المتعهّد في قبض مستحقاته، بل تفتح باباً واسعاً للأسئلة حول كيفية توزيع الدولة أعباء الأزمة، وأولويات الإنفاق، ومدى مساواتها بين مختلف المتعاملين معها.
وبحسب محضر جلسة مجلس «الإنماء والإعمار» بتاريخ 16/7/2026، الذي حصلت «الأخبار» على نسخة منه، أُقرّت المصالحة مع شركة «دنش» لتسديد مستحقاتها عن الأعمال التي نفذتها خلال المدة الممتدة من 1/4/2020 إلى 30/12/2022، بقيمة إجمالية تبلغ 16,349,397.95 دولاراً أميركياً، قبل احتساب الضريبة على القيمة المضافة. وبموجب المصالحة، تحصل الشركة في المرحلة الأولى على 25% من المبلغ، أي أكثر من أربعة ملايين دولار، فيما يبقى الرصيد مستحقاً على أن يُسدّد من موازنات العام المقبل.
وتجدر الإشارة إلى أن المهل التي تطالب الشركة بمستحقاتها عنها تقع خارج المهل المحددة في العقد الموقّع بينها وبين مجلس «الإنماء والإعمار». وتفيد المعطيات بأنه، بناءً على طلب أو متابعة من رئاسة الحكومة ومجلس الإنماء والإعمار، طلبت الدائرة القانونية في المجلس رأي هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، لتحديد الأساس القانوني وآلية تسديد هذه المستحقات. وقد جاء الرأي الذي استندت إليه الجهات المعنية لإتمام المصالحة وتحديد آلية الدفع.
المفارقة الأولى أن هذه المصالحة انتهت إلى تثبيت مستحقات تقارب قيمتها 16.35 مليون دولار، من دون أن يظهر بوضوح أن شركة «دنش» قد تحمّلت فعلاً جزءاً من تبعات الانهيار المالي والنقدي الذي أصاب الدولة وكل المتعاملين معها. فأعمال التشغيل والصيانة تتوزع على عناصر متعددة، من أجور ومحروقات وصيانة وتجهيزات ومواد وخدمات، ولم تتأثر هذه العناصر جميعها بالنسبة نفسها خلال سنوات الانهيار.
يضاف إلى ذلك أن المدة الممتدة بين 2020 و2022 تزامنت إلى حد كبير مع جائحة «كورونا»، حين كانت الجامعة مقفلة أو تعمل بصورة محدودة لفترات طويلة. وهو ما يفترض التدقيق في حجم الخدمات والأعمال التي نُفذت فعلياً، وفي كلفتها خلال تلك المرحلة، بدلاً من التعامل مع كامل المدة كما لو أن التشغيل استمر بالمستوى الطبيعي نفسه، وأن الشركة تكبّدت خلالها الكلفة ذاتها.
ويضاف إلى ذلك أن المصالحة، بحسب المعطيات المتوافرة، ستُنجز من دون أي حسم من أصل المبلغ المتصالح عليه. فيما المصالحة المالية تقوم، في جوهرها، على تنازلات متبادلة تنهي النزاع بين الطرفين، وتُعتمد عملياً حسومات متفاوتة بحسب طبيعة كل ملف، وقد تكون في بعض الحالات كبيرة، فيما تتراجع في حالات أخرى إلى نسب محدودة. أما إذا كانت الشركة ستحصل على كامل القيمة المعترف بها من دون أي حسم فعلي، فيصبح السؤال مشروعاً: أين عنصر المصالحة؟ وأين التنازل المقابل؟
وفيما تفيد معلومات «الأخبار» بأن ديوان المحاسبة طالب بحسم مرتبط بالمصالحة يقارب 3%، لا توحي المؤشرات بأن هذا الطلب سيُعتمد. وإذا صحّ ذلك، تصبح المسألة أكثر حساسية، إذ لا يعود المطلوب فقط معرفة كيفية احتساب أصل المستحقات، بل أيضاً معرفة سبب السعي إلى إعفاء متعهّد من حسم طلبته جهة رقابية في سياق المصالحة نفسها.
وتستوجب هذه المعطيات، ولا سيما قيمة المبلغ النهائي، وسعر الصرف والمعادلة التي اعتُمدت للوصول إليه، نشر المستندات كاملة: العقد الأساسي، وكشوفات الأعمال، وتواريخ استحقاق الدفعات، ورأي هيئة التشريع والاستشارات، وأوامر الصرف، والحسابات التي بُني عليها تحديد المبلغ النهائي. فالرأي الاستشاري، مهما كانت الجهة التي أصدرته، لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء يحجب عن الرأي العام كيفية إنفاق المال العام، ولا سيما إذا انتهى الأمر إلى منح متعهّد واحد معاملة تختلف عن تلك التي خضع لها سائر المتعاملين مع الدولة.
مراجعة الأسعار ليست مضاعفةً آليةً لكل قيمة العقد
كما أن التعديل العادل للأسعار لا يعني ببساطة ضرب كامل قيمة العقد بفارق سعر صرف الدولار. فالعقد لا يتكوّن بالكامل من مواد مستوردة أو نفقات مسدّدة بالدولار، بل من عناصر متعددة، لكل منها وزن مختلف في الكلفة: أجور العمال، والمواد المحلية والمستوردة، والمحروقات والطاقة، والنقل والشحن، والآليات وقطع الغيار، والتأمين، والرسوم والضرائب، والنفقات الإدارية، فضلاً عن هامش الربح.
فإذا كانت الأجور، مثلاً، تشكّل نسبة كبيرة من قيمة العقد، وكانت تُدفع بالليرة وبقيم متدنية، كما كانت الحال بالنسبة إلى موظفي «دنش»، لا تصحّ إعادة تسعير هذه النسبة وكأن الشركة كانت تسددها بالدولار.
وإذا كانت بعض المواد قد اشتُريت وخُزّنت قبل ارتفاع الأسعار، فلا يجوز احتسابها مجدداً وفق سعر السوق في تاريخ الدفع. كذلك، إذا لم تحصل عمليات استيراد جديدة، لا يجوز إدخال ارتفاعات تكاليف الشحن العالمية بصورة افتراضية لرفع قيمة المستحقات. أما المحروقات، فيفترض احتساب الزيادة التي طرأت على كلفتها وفق الكميات الفعلية المثبت استهلاكها، وقيمة الدعم المعمول بها في حينه، لا وفق تقديرات نظرية. والأمر نفسه ينطبق على المعدات والصيانة وقطع الغيار، إذ يفترض إثبات تاريخ الشراء، والفواتير، والعملة التي سُدّدت بها قيمتها. بالتالي، يفترض أن تقوم أي معادلة سليمة لمراجعة الأسعار على تفكيك السعر الأصلي إلى مكوّناته وإعادة احتساب كل مكوّن وفق التغير الفعلي الذي طرأ عليه، كما حصل مع سائر المتعهّدين.
أما اعتماد معادلة من نوع: كان العقد يساوي مبلغاً معيناً على سعر صرف 1500 ليرة للدولار، وبالتالي يجب دفع ما يعادله اليوم بالدولار، فلا يمثل مراجعةً للأسعار بقدر ما يعني تحويل العقد بأثر رجعي من عقد بالليرة إلى عقد محمي بالدولار. وهذا امتياز لم يكن وارداً في شروط التلزيم الأصلية.
وتزداد المفارقة وضوحاً عند مقارنتها بوضع متعهّدين آخرين، ولا سيما أصحاب عقود الأشغال الإنشائية، إذ عولجت مستحقات مقوّمة أصلاً بالدولار على أساس سعر صرف 89,500 ليرة للدولار، وأُخضعت لآليات تقسيط يمتد بعضها إلى عشر سنوات. في المقابل، انتهت مصالحة «دنش» إلى مبلغ يقارب 16.35 مليون دولار، تُسدّد على مرحلتين، تتجاوز الدفعة الأولى منه أربعة ملايين دولار نقداً. وعليه، فإن السؤال ليس لماذا تدفع الدولة لهذا المتعهّد، بل لماذا تختلف قواعد معالجة الخسائر والتقسيط والحسم بين متعهد وآخر؟
أما المقارنة الأكثر إيلاماً، فتبقى مع أساتذة الجامعة اللبنانية وموظفيها والعاملين فيها، الذين تراجعت القيمة الفعلية لرواتبهم إلى أقل من نصف ما كانت عليه قبل انهيار عام 2019. هنا تظهر المشكلة في سلّم أولويات الدولة بوضوح أكبر: فهي تجد الآلية القانونية والمالية لإقرار مصالحة مع متعهّد بقيمة تقارب 16.35 مليون دولار، وتأمين دفعة أولى تتجاوز أربعة ملايين دولار، فيما تعجز عن إيجاد حل مستدام لأزمة أساتذة الجامعة، وعن استكمال ملف التفرّغ الذي يرتبط مباشرة باستمرار المؤسسة الأكاديمية وقدرتها على أداء دورها.