خطّة الكهرباء للتحرير العشوائي: مخاطر الفوضى والمحاصصة وانعدام التنافسية (وليد فياض- الأخبار)

  • 18 August 2026
  • 45 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    بعد نحو سنة ونصف على تشكيل الحكومة، صدرت الورقة الجديدة تحت عنوان «سياسة قطاع الكهرباء». أول أسئلة تفرض نفسها بشأن هذه الورقة: هل نحن فعلاً أمام سياسة جديدة للقطاع، أم أمام محاولة لإضفاء صفة «السياسة» على ورقة تسدّ النقص التشريعي الحاصل في القانون 462 الذي لا يشير بأي شكل من الأشكال إلى المرحلة الانتقالية؟ هل نحن أمام فتح عشوائي للقطاع، أم خطوات منظّمة محميّة بسياسة واضحة ومسار يؤدّي إلى الاستدامة والتنافسية؟

    في رأيي، لا تمثل هذه الوثيقة سياسة قطاع بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولا تشكل تطويراً للمسار الذي سلكه القطاع خلال السنوات الماضية. والأهم أنها تتعامل مع هذا المسار وكأنه لم يكن موجوداً أصلاً، فلا نجد فيها أي إحالة إلى السياسات التي سبق أن أقرّها مجلس الوزراء، بدءاً من السياسات السابقة وصولاً إلى سياسة القطاع التي أُقرّت عام 2022 والتي لم تنطلق من فراغ، إذ بنيت على ما سبقها وجرى تحديثها بما فرضته التطورات الاقتصادية والمالية. هذا النهج ليس تفصيلاً لأنه يقوم على مبدأ الاستمرارية في بناء السياسات العامة، لا على القطيعة معها. أما اليوم، فتبدو المقاربة وكأنها تبدأ من الصفر.

    ومن المؤشرات اللافتة أيضاً حذف القسم الذي كان يتناول المبادرات الإنقاذية المتعلقة بالإنتاج والنقل والتوزيع بين مسودة الورقة والصيغة النهائية التي أحيلت إلى مجلس الوزراء. ولم يكن هذا الحذف مجرد تعديل في بنية الوثيقة، بل يعكس انتقالاً واضحاً من محاولة صياغة سياسة قطاع متكاملة إلى الاكتفاء بوضع تصور للمرحلة الانتقالية الغائبة في القانون 462 والتي كان يجب تعديلها بمشروع يعرض على مجلس النواب، وهو مشروع جاهز أعددناه سابقاً لكنه أُهمل لأسباب غير واضحة. وهذا ما جرّد الورقة التي أقرّت من العناصر التي تتناول مستقبل القطاع لتركّز على آليات التنفيذ والهيكلية المؤسسية وإشراك القطاع الخاص.
    وهنا أصل المشكلة.

    إن المشكلة الحقيقية ليست في بعض التفاصيل الواردة في الورقة الجديدة، بل في الفلسفة التي تنطلق منها. فالسياسات القطاعية تُبنى أولاً على رؤية واضحة، ثم تُترجم إلى تشريعات تُنفذ من خلال خطط تنفيذية. أما أن نحاول أولاً تنفيذ قانون لا يعكس النموذج المطلوب، ثم نبتكر أثناء التنفيذ مفاهيم غير موجودة فيه، فذلك يضع القطاع أمام إشكالية قانونية وتنظيمية منذ اللحظة الأولى.
    لبنان لا يحتاج اليوم إلى تفسير جديد للقانون 462، بل إلى تحديثه بما يعكس واقع القطاع واحتياجاته، وإلى سياسة قطاع حقيقية تبني على ما تحقق، لا أن تتجاهله، وتضع الإطار التشريعي والتنظيمي الصحيح قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.

    هذه هي الخطوة الأساس التي يجب أن تقوم بناء على سياسة واضحة للقطاع مبنية على أمرين: الإطار الاقتصادي والمالي، والإطار السياسي. كل من هذين الإطارين سيفرض آليات هيكلية وخطوات في أنشطة الكهرباء المختلفة من الإنتاج إلى النقل والتوزيع والجباية. يفترض تحديد ما هو متاح للبنان والأنسب له في السنوات المقبلة. الدمج بين الخيارات السياسية والاقتصادية والقطاعية لاستخلاص مسار واضح يمتدّ لعقود مقبلة هو الفكرة الأساسية التي يجب البناء عليها. فهل سينتج لبنان الكهرباء بواسطة الغاز السائل أو الغاز الطبيعي أو الفيول، وما هي الدول التي ستبيع لبنان المواد اللازمة للتشغيل وما هي إمكانات الاستدامة في مسار كهذا؟

    هذا هو نوع الأسئلة التي يفترض أن تجيب عنها سياسة القطاع، وألا تكون نهائية قبل نقاشها والخوض فيها انطلاقاً من علاقات لبنان وتجاربه وتجارب الآخرين أيضاً. القرارات التي تؤخذ تكون مبنية على أسس صلبة، لا على ورقة أعدّتها الهيئة الناظمة للكهرباء لسدّ فراغ تشريعي في القانون 462.

    وهذا الأمر لا يتعلق بالإنتاج فقط، بل تستعمل المنهجية نفسها من أجل الإجابة عن أسئلة تتعلق بالنقل والتوزيع والجباية أيضاً. فما هي الخطوات التي يجب أن تتخذ لوقف الهدر في الكهرباء وتحسين الخدمات للمشتركين، وما هي القدرة على إجراء نقلة نوعية في شبكة نقل الكهرباء؟ أيضاً من المفروض أن تجيب سياسة القطاع عن مسألة التمويل التي تبدو غائبة بشكل كامل. فهل التمويل متوافر سواء من القطاع العام أو من القطاع الخاص؟ كل هذه المسائل غير واردة نهائياً في الورقة التي أقرّها مجلس الوزراء.

    الخطوات التي تبنّاها وزير الطاقة ورفعها إلى مجلس الوزراء حيث أقرّت، ليست سوى مجموعة إجراءات لسدّ الفراغ التشريعي الناتج من النقص في تحديد شكل المرحلة الانتقالية المنصوص عنها في القانون 462. وهذه المرحلة ليست قصيرة الأمد كما يعتقد، بل تمتدّ لسنوات مقبلة ولم يكن القانون يلحظها مطلقاً. أي إن القانون لم يذكر ما ستكون عليه المرحلة الانتقالية لإعادة هيكلة القطاع بكامله. والمشكلة أيضاً، أن ما تقترحه الورقة يأتي من خارج النطاق القانوني، كأنّما تم تعديل القانون 462 بقرار او مرسوم في مجلس الوزراء.

    ما هو مطروح اليوم هو فتح عشوائي لتحرير القطاع بحجّة أن الفتح سيضفي عليه التنافسية، بينما الواقع هو أن التنافسية في سوق ضيّقة ومحكومة بواقع سياسي معروف، قد لا تجد منطلقاً لها، بل سيكون التحرير عبارة عن عملية عشوائية تزيد فرص حصول مزيد من الفوضى والتحاصصية بدلاً من إعادة التنظيم والهيكلة.

    فالقانون 462 وضع على أساس تحرير كامل لسوق الكهرباء. أي إنه يفترض أن المنتجين يبيعون الكهرباء مباشرة إلى من يشاؤون، وأن الموزعين يشترون الكهرباء من المنتج الذي يختارونه، ضمن سوق تنافسية مفتوحة. قد يكون هذا النموذج مناسباً في دول تضم عدداً كبيراً من المنتجين القادرين على المنافسة، لكنه لا يعكس واقع لبنان.
    في قطاع إنتاج الكهرباء التقليدية الأحفورية لن يكون لدينا عشرات المنتجين، بل عدد محدود جداً من المعامل يمكن تعداده على أصابع اليد. وبالتالي، فإن الحديث عن سوق تنافسية كاملة لا يستند إلى الواقع، لأن المنافسة الفعلية بين عدد محدود من المنتجين لن تتحقق بالشكل الذي يفترضه القانون الحالي.

    لهذا السبب، فإن النموذج الذي يحتاجه لبنان هو نموذج «المشتري الأساسي» (Principal Buyer)، بحيث يبيع المنتجون المستقلون للكهرباء (IPP) إنتاجهم إلى مشترٍ واحد بموجب عقود طويلة الأجل تضمن استرداد الاستثمارات واستقرار العائدات. وهذا النوع من المشاريع يحتاج بطبيعته إلى وضوح وضمانة في الإيرادات لعقود طويلة، ولا يمكن أن يخضع لتقلبات سوق مفتوحة يتغير فيها سعر البيع بصورة مستمرة.

    لكن هذه الفلسفة غائبة عن القانون 462. فلا وجود فيه للمشتري الأساسي، ولا تحديد واضحاً للعلاقات التعاقدية بين المنتجين والموزعين، ولا للإطار القانوني الذي ينظم هذا النموذج. ومع ذلك، تحاول الورقة الجديدة تطبيقه عملياً، وكأنه منصوص عليه في القانون. وهنا تكمن الفجوة التشريعية الأساسية.

    الأمر نفسه ينطبق على قطاع التوزيع. في رأيي يجب أن تعمل شركات التوزيع من خلال عقود امتياز واضحة، لأنها ستدير وتشغّل وتستثمر أصولاً مملوكة للدولة تبلغ قيمتها مئات ملايين، إن لم تكن مليارات الدولارات. المطلوب أن تبقى هذه الأصول ملكاً للدولة، فيما تتولى الشركات تشغيلها والاستثمار فيها لفترة زمنية محددة ضمن شروط واضحة، لا أن تنتقل ملكيتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. إلا أن هذا التنظيم أيضاً لا يجد مكانه في القانون الحالي.

    لهذا السبب عملنا خلال عام 2024 على إعداد مشروع متكامل لتعديل القانون 462، مستندين إلى المبادئ التي قامت عليها السياسات السابقة، مع تطويرها لتواكب احتياجات المرحلة الحالية. وقد أُحيل المشروع إلى مجلس شورى الدولة ثم إلى مجلس الوزراء، إلا أن الحكومة الحالية لم تأخذ به، بل قفزت فوقه محاولة تطبيق نموذج لا يوفّر القانون نفسه الإطار اللازم له.

    في المقابل، يجب التمييز بين الكهرباء التقليدية والطاقة المتجدّدة الموزعة. فهذان قطاعان مختلفان لجهة الطبيعة الاقتصادية وآليات السوق. في الطاقة المتجددة الموزّعة يمكن فعلاً إنشاء سوق تنافسية، لأن هذا القطاع يسمح بقيام عدد كبير من المنتجين الصغار والمتوسطين، ولا يقتصر على عدد محدود من المشاريع. ومن هنا جاءت فلسفة القانون 318، الذي وضعناه وأُقر في مجلس النواب خلال وجودنا بالحكومة، ففتح الباب أمام تحرير سوق الطاقة المتجدّدة الموزّعة وتشجيع المنافسة فيها.

    أما إنتاج الكهرباء التقليدية، فلا يزال يحتاج إلى سوق منظمة، تقوم على وجود مشترٍ أساسي، وعلى عقود شراء طويلة الأجل مع المنتجين، وعلى عقود امتياز مع الموزعين، لأن طبيعة هذا القطاع تختلف جذرياً عن طبيعة الطاقة المتجددة الموزعة. ومن الخطأ التعامل مع النموذجين بالمنطق نفسه.

    * وزير الطاقة والمياه السابق