رسالة من شهداء الجيش إلى أصحاب عفو العار (جومانا ناهض)

  • 13 August 2026
  • 47 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
  • جومانا ناهض-

    إلى الذين ما زالوا يمشون فوق تراب الوطن،
    إلى الذين حملوا أسماءنا في قلوبهم يومًا، ثم مضوا في حياتهم كأنّ شيئًا لم يكن،
    نكتب إليكم من حيث لا تصل الأصوات، لكنّ صدى أقوالنا يرجّ الأرض، لا لنطلب مجدًا ولا تكريمًا، ولا ترقية استشهاد، ولا لنذكّركم بأنّنا تركنا وراءنا أمًّا تنتظر ابنًا لن يعود، وأبًا انحنى ظهره وعصاه غُرزت في التراب، وبيتًا ظلّ بابه مفتوحًا على أمل عودةٍ منتصرة، ثمّ بقي مفتوحًا على انتظارٍ لا يعود منه أحد. نكتب لأنّ شيئًا في داخلنا انكسر حين علمنا أنّ قانون العفو قد صدر وشمل من ارتبطت أفعالهم في المعارك الّتي وقفنا فيها نحن، أبناء الجيش اللّبناني، في الصفّ الأول دفاعًا عن شعبنا وذودًا عن أرضنا.
    لا نعترض على فعل الرّحمة الذي تنضوون تحت لوائه، فالرّحمة لم، ولن تكون يومًا عيبًا، ولا نريد لوطننا أن يبقى أسير الانتقام والظّلم واللّاعدالة. لكنّنا نسأل: أين تكون العدالة حين يُفتح باب الصفح قبل أن يُفتح باب الإنصاف؟ وكيف يُطلب من ذاكرة أمهاتنا أن تصمت، ومن وجع عائلاتنا أن يُشفى بدون أثر، ومن تضحياتنا أن تُختصر في سطر عابر من صفحات التاريخ؟ ومن استشهادنا مجرّد صورة نعوش مرفوعة على الأكفّ؟
    أنتم، أصحاب العفو، يا من وقفتم إلى جانبنا يوم كانت بنادقنا جاهزة وإقدامنا صلاتنا. يوم كان الخوف ينسحب مع كلّ نسمة، ويوم كنتم تقولون إنّ الجيش خطّ الوطن الأخير: الخطّ الأحمر.
    ماذا حدث لأقوالكم حتّى باتت صمتًا مُطبقًا؟
    هل كانت تضحياتنا عظيمة فقط في اللّحظة الّتي كنتم تحتاجون فيها إلينا؟ أكان حبّكم لنا حبًّا وطنيًّا صادقًا أم حبّ مصالح وأنانيّات خفيّة؟

    نُعلمُكم أنّنا لسنا أرقامًا في بيانات النّعي، ولا صورًا تُرفع في المناسبات لاستغلالات خفيّة عند البعض، ولا أسماءً تُستعاد كلّما كان الوضع دقيقًا. نحن أبناؤكم، وإخوتكم، وأصدقاؤكم، وكنّا نؤمن أنّ الوطن بكلّ مكوّناته سيحفظ للأبد أسماءنا، وأنّ الدمّ الذي بذلناه لن يتحوّل يومًا إلى تفصيل صغير أمام حسابات السياسة والمصالح الحزبيّة أو الطائفيّة.
    لا نطلب أن يُبنى الوطن على الحقد، بل نطلب ألّا يوضع حجر النسيان فوق قبورنا.
    إن كان العفو ضرورةً وطنيّة، فليكن عفوًا لا يُخفي الحقيقة ولا يمحوها، ومُصالحةً لا تلغي حقّ الضحايا، وصفحًا لا يجعل من المعتدي والمضحّي متساويين في الذاكرة وفي التأثير. فالعدالة القويّة ليست التي تُعاقب إلى الأبد، لكنّها حتمًا لا التي تعفو بلا حساب.
    إنّ مسؤولية ما جرى لا تقع على من اختار العفو فحسب، بل على من ترك العدالة معلّقةً سنواتٍ طويلة، حتّى جاء العفو ليطوي صفحةً لم تُقرأ فيها الحقيقة كاملة، ولم يأخذ فيها كلّ ذي حقٍّ حقّه. كان واجبكم أن تفتحوا أبواب المحاكمات قبل أن تفتحوا أبواب الصفح، وأن تمنحوا العدالة فرصتها قبل أن تطلبوا منّا، ومن أهلنا، أن نتقبّل النسيان. فالمصالحة الحقيقية لا تبدأ بمحو الماضي، بل بمواجهته، ولا تُبنى على تجاوز حقوق الضحايا، بل على إنصافهم وحفظ كرامتهم. وإن كان لكم أن تعفوا، فلا تجعلوا من عفوكم ستارًا لتقصيرٍ تأخّر، ولا تجعلوا من التسامح ذريعةً لإسقاط حقٍّ بقي معلّقًا في ذمّة الوطن.
    نحن لا نملك اليوم إلّا أن نترك لكم سؤالًا واحدًا:
    حين عفوتم، هل تذكّرتم لماذا ناضلنا وعمّن دافعنا؟
    وحين فتحتم صفحة جديدة، هل أبقيتم في الصفحة القديمة مكانًا لتضحياتنا وذكرى لاستشهادنا؟
    نتمنّى من عليائنا ألّا تنسونا.
    فليس أصعب على الشهيد من أن يرى استشهادًا آخر له أمام عينيه أو أن يرى الوطن الذي مات من أجله يُمضي قُدمًا، بينما يُطلب من ذاكرة الذين أحبّوه أن تمضي معه وكأنّ الماضي بات مجهولًا والمعلوم أصبح للغد فقط.
    احفظوا الجيش، واحفظوا هيبته، واحفظوا حقّ شهدائه.
    فالجيش لا يحمي الوطن بالسلاح وحده؛ تحميه أيضًا ذاكرة وطنيّة تعرف أنّ التضحية ليست حدثًا عابرًا، وأنّ من بذل روحه من أجل لبنان يستحقّ أن يبقى حاضرًا في ضمير لبنان.
    منّا، شهداء الجيش اللبناني، وبكلّ فخر :
    سامحوا إن شئتم لكن لا تنسوا.
    اعفوا إن كان العفو سبيلًا إلى السلام لكن لا تغفلوا عن الحقيقة.
    وابنوا المستقبل كما تشاؤون شرط ألّا تبنوه على مداميك النسيان.
    لا تشرّعوا تقاعسكم وتفجّروه بعفوٍ غادِرٍ.
    نحن الجنود الشهداء وعدنا بأن نذود، من حيث نحن، عن وطننا لبنان.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology