حين يُمنع الجيش من الكلام: صرخة دستورية في قلب مجلس النواب

  • 12 August 2026
  • 40 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    بقلم: المحامي كميل حبيب معلوف


    ثمة لحظات في الحياة النيابية اللبنانية لا تُقاس بحجم الصوت الذي ارتفع في القاعة، بل بحجم السؤال الدستوري الذي تركته معلّقاً في الهواء. ولحظة الثلاثاء الحادي عشر من آب الجاري، حين وقف معالي وزير الدفاع اللواء ميشال منسى ليقول ما سبق لقيادة الجيش اللبناني أن قالته خطياً وبالأصول أمام اللجان النيابية، فحيل بينه وبين الكلام، هي بالضبط من هذا النوع من اللحظات: صغيرة في الشكل، جسيمة في المضمون.

    الوقائع، بحسب ما تناقلته وسائل الإعلام حتى الساعة، ولم يصدر بشأنها بعد محضر رسمي منشور، تفيد بأن معالي الوزير منسى حضر إلى الهيئة العامة، خلال مناقشة اقتراح قانون العفو العام، حاملاً مذكرة سبق أن رفعتها قيادة الجيش إلى اللجان النيابية المشتركة، بموافقة مسبقة من رئيس الحكومة على ما أُفيد، تتضمّن تحفّظات المؤسسة العسكرية على شمول العفو موقوفين قاتلوا عناصر من الجيش. أراد معاليه أن ينقل هذا الموقف إلى الهيئة العامة بصفته الوزير المختص وممثل المؤسسة العسكرية أمام السلطة التشريعية. لكنه، على ما تناقلته التغطيات الإعلامية، مُنع من الكلام، فاحتدم النقاش، وانتهى الأمر بانسحابه من الجلسة على مرأى من الرأي العام ومسمعه، في مشهد لم تعتده جلسات المجلس بهذه الحدّة.

    والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس سياسياً بل دستورياً بامتياز: من يملك، بنص القانون، حق الكلام باسم الجيش اللبناني أمام مجلس النواب؟ الجواب تحدّده المادة السادسة والستون من الدستور اللبناني بوضوح لا لبس فيه: فكل وزير يدير الشؤون العائدة لوزارته ويطبّق القوانين والأنظمة المتعلقة بها ضمن السياسة العامة التي ترسمها الحكومة مجتمعة، وهو مسؤول فردياً عن أعماله وعن عرض موقف وزارته. أما المادة الرابعة والستون، فقد حصرت بدور رئيس الحكومة تمثيل الحكومة والتكلم باسمها في السياسة العامة والتنسيق بين الوزراء، ولم تمنحه سلطة تحلّ محلّ الوزير المختص في عرض موقف مؤسسته أمام الهيئة العامة، لا سيما حين يكون هذا الموقف قد سُلّم خطياً وبالأصول، وبموافقة رئاسة الحكومة ذاتها كما ورد. فالفارق دستورياً شاسع بين أن يتكلّم رئيس الحكومة باسم السياسة العامة للدولة، وبين أن يُمنع وزير مختص من تلاوة موقف بات أصلاً جزءاً من محاضر اللجان النيابية.

    من هذا الباب، وحده، ينبغي أن تُقرأ الحادثة: لا بوصفها خلافاً بين شخصين، بل بوصفها اختباراً لمبدأ استقلالية الوزير ضمن وزارته، ولحق المؤسسة العسكرية في أن يُسمع صوتها كاملاً أمام ممثلي الشعب متى تعلّق الأمر بكرامة شهدائها وسلامة عناصرها. وقد أحسنت أوساط سياسية وقانونية عديدة، بحسب ما نُقل إعلامياً، حين اعتبرت أن ما جرى مسّ بموقع الوزارة أكثر منه خلافاً شخصياً، خصوصاً أن موقف الوزير، مؤيداً كان أم معارضاً، لم يكن ليغيّر نتيجة تصويت محسوم أصلاً بغالبية نيابية واضحة، وهو ما يجعل من منع الكلام خطوة لا يبررها منطق الجلسة التشريعية القائم على حرية عرض الرأي.

    ولعلّ من الإنصاف، قبل المضي في القراءة الدستورية، أن نتوقف عند الرجل الذي وقف تلك اللحظة في القاعة. فاللواء الركن الطيار ميشال منسى، المولود في بيروت عام ١٩٥٢، ليس طارئاً على المؤسسة العسكرية ولا وافداً إليها من خارجها، بل هو ابنها منذ ما يزيد على خمسين عاماً: تطوّع فيها تلميذ ضابط عام ١٩٧٢، وتخرّج من المدرسة الحربية ملازماً طياراً عام ١٩٧٥، وتدرّج بصبر في القوات الجوية من قائد سرب إلى قائد قاعدة بيروت الجوية، ثم مديراً للتعليم في قيادة الجيش، قبل أن يتولى رئاسة غرفة الأوضاع في القصر الجمهوري، وبلغ رتبة لواء عام ٢٠٠٤ وتسلّم موقع المفتش العام في وزارة الدفاع، إلى أن أُحيل على التقاعد عام ٢٠١١ بعد مسيرة طويلة من الانضباط. وفي شباط ٢٠٢٥، وبعد أربعة عشر عاماً على تقاعده، استُدعي من عزلته ليتولى حقيبة وزارة الدفاع في أول حكومة تشكّلت في عهد الرئيس جوزاف عون، تتويجاً لثقة استندت بالكامل إلى سجلّه المهني لا إلى انتمائه السياسي، إذ عُرف طوال مسيرته برجل الاختصاص البعيد عن الاصطفافات، المتواضع في طبعه، الصارم في التزامه. سيرة كهذه، الممتدة على أكثر من نصف قرن من الخدمة الصامتة بعيداً عن الأضواء، هي بحدّ ذاتها شهادة على رجل لم يتعلّم يوماً لغة المزايدة، بل لغة المؤسسة وحدها. ولذلك، حين وقف في الهيئة العامة ليقول ما قالته قيادة الجيش خطياً، لم يكن يتكلّم بصفته الشخصية، بل بضمير الرجل العسكري الذي أفنى عمره في سلك لا يعرف إلا النظام والمسؤولية، وهذا وحده كافٍ لتفسير حرصه وثباته، ولتوضيح أن ما بدا في عيون البعض تصلّباً، لم يكن إلا وفاءً لقَسَمٍ قطعه على نفسه منذ كان تلميذ ضابط في مطالع شبابه.

    وإذا كانت هذه الواقعة قد كشفت هشاشة في إدارة اللحظة، فإنها أظهرت في المقابل، بحسب المتابعة الإعلامية لأجواء الجلسة، معدناً مختلفاً تماماً في شخص نائب رئيس مجلس النواب الأستاذ الياس بو صعب، الذي انصرف بهدوء، بعيداً عن أي استعراض، إلى دور الحكمة الجامعة: التهدئة، وتقريب وجهات النظر، والدعوة إلى ضبط الانفعال وتأمين المخارج التي تحفظ هيبة المؤسسات كافة، الحكومة والمجلس النيابي والجيش على حدّ سواء. هذا الدور، وإن لم يكن صاخباً إعلامياً، هو جوهر الوظيفة البرلمانية العليا التي تقتضي أن يبقى في المجلس من يذكّر الجميع بأن الخلاف السياسي، مهما اشتدّ، يبقى محكوماً بالحرص المشترك على الدولة لا على حساب أيّ من مؤسساتها. وهكذا التقى، في يوم واحد، موقفان متكاملان لا متعارضان: ثبات رجل عسكري لم يساوم على واجبه، وحكمة رجل برلماني سعى إلى ألا يتحوّل هذا الثبات إلى قطيعة.

    الخلاصة التي يفرضها القانون، لا العاطفة، أن معالي الوزير ميشال منسى لم يخرج عن الأصول حين حمل موقف الجيش اللبناني إلى الهيئة العامة، بل طبّقها بحذافيرها. وحين يُمنع مسؤول من نقل موقف مؤسسة سيادية بحجم الجيش، بعد أن قدّمته هذه المؤسسة خطياً وبالأصول، فإن المسّ لا يطال شخص الوزير وحده، بل يطال مكانة المؤسسة العسكرية ذاتها التي يُفترض أن تحظى بإجماع وطني يعلو فوق كل اصطفاف. وهذا بالذات ما يستوجب من الطبقة السياسية كافة، ومن الرأي العام اللبناني عموماً، وقفة احترام واضحة لموقف الوزير منسى الثابت على مبدأ، ولمن سعى بصدق، كالأستاذ الياس بو صعب، إلى احتواء الأزمة بروح المسؤولية، بعيداً عن التصعيد وقريباً من منطق الدولة وحدها.