أنطوان قسطنطين -
قبل خمسة عشر قرناً، عاشت شعوب الجزيرة العربية وبلاد الشام وما بين النهرَين بين فكَّي إمبراطوريّتَين تتنازعان المنطقة: الفرس والروم. تحالف بعضهم مع هذه، وبعضهم مع تلك، وقاتل العرب أحياناً بعضهم بعضاً في حروب كانت مصالح الإمبراطوريّتَين حاضرة فيها. سقطت إمبراطوريات وقامت أخرى، وتغيَّرت العواصم وألوان الرايات. وبقيت شعوب هذه المنطقة، ونحن من بينها، تعيش دوّامة البحث عن مرجعية قرارها، في منطقة تتقاطع فوقها اليوم مصالح إيران وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة وروسيا والصين وأوروبا. ليست المشكلة في أنّ هذه الدول تبحث عن مصالحها. هذا طبيعي في العلاقات الدولية. المشكلة تبدأ عندما لا نعرف نحن مصلحتنا، أو نعرفها ولا نملك القدرة على تحقيقها. هذه هي إشكالية السيادة.تاريخ
فالاستقلال ليس عَلَماً ونشيداً وحدوداً وسفارات. وليس أن تخرج قوّة أجنبية من أرضك لتحلّ مكانها وصاية قوّة أخرى. السيادة هي أن تختار أنت مصيرك، لا أن يتنقل مصيرك بين أيدي الخارج تحت عناوين طلب الحماية. والسيادة ليست أن تعادي العالم أو أن تنعزل عنه. السيادة أن تدخل العالم وأنت تعرف ماذا تريد منه، وماذا لا تسمح له بأن يأخذه منك. فالاستقلال ليس غياب التأثير الخارجي، فهذا مستحيل في عالم مترابط؛ إنما هو في امتلاك القدرة الداخلية التي تمنع تأثير الخارج من أن يتحوَّل إلى وصاية.
مصيبتنا ليست في قيام دولة لبنان الكبير، فهذه عنوان وجودنا الحرّ. مصيبتنا هي أنّنا تصرَّفنا كمجموعات، فأمضينا جزءاً كبيراً من تاريخنا الحديث نبحث عن «خارج»، إمّا ليحمينا من «خارج آخر»، وإمّا لنستقوي به على الداخل الذي هو منّا وفينا. في لبنان، راهن مسيحيّون في مراحل مختلفة على الغرب أو إسرائيل. وراهن مسلمون على مصر وسوريا أو قوى عربية وإقليمية. وارتبطت قوى لبنانية بإيران، وأخرى راهنت على السعودية أو أميركا.
تغيّرت الجهات وبقي المنطق نفسه: كل فريق يبحث عن إسكندر يحميه من داريوس، أو عن كسرى يحميه من هرقل. وفي كل مرّة اعتقدنا أننا نستعمل الخارج، كان الخارج يتعلّم كيف يستعملنا. لأنّ الخارج لا يأتي ليبني لك وطنك. الخارج يأتي من أجل مصالحه.
قد تتقاطع مصلحته مع مصلحتك، فاستفد منها. وقد تحتاج إلى تحالف أو سلاح أو مال أو سوق أو ضمانة دولية، فهذه كلّها أدوات مشروعة في العلاقات بين الدول. لكن هناك فارقاً بين العلاقة بالخارج والارتهان للخارج: العلاقة قرار. أمّا الارتهان، فتخلٍّ عن القرار.
لذلك ليست المشكلة السياسية في التعامل مع الخارج، فهذا قانون العلاقات بين الدول، إنما تبدأ المشكلة عندما تتحوَّل العلاقة مع الخارج من خيار للدولة إلى بديل عن الدولة. وهنا جوهر المشكلة اللبنانية. لبنان ليس فقيراً بالعلاقات الدولية. ربما نملك من العلاقات والصداقات والامتدادات أكثر ممّا تحتمل دولة صغيرة. لكنّ مشكلتنا أنّ علاقات اللبنانيّين بالعالم أصبحت، في مراحل كثيرة، أقوى من علاقتهم بدولتهم.
لكل طائفة ذاكرتها الخارجية، ولكل جماعة مخاوفها، ولكل حزب حساباته. وحين يشتد الخوف، بدل أن نذهب جميعاً إلى الدولة، يذهب كل واحد إلى عنوانه الخارجي. فتتحوَّل الطوائف إلى بوابات عبور للخارج باتجاهنا، والأحزاب إلى منفّذي سياسات خارجية عندنا، والسلاح إلى امتداد لصراعات الخارج فوق أرضنا. وباختصار، يتحوَّل الوطن من دولة إلى ساحة. والفرق بينهما حاسم: الدولة تتعامل مع الخارج من موقع سيادتها ومصالحها، أمّا الساحة فيتعامل الخارج معها باستتباعها لمصالحه.
لذلك، فإنّ المعركة الأهم في لبنان ليست بين الشرق والغرب، ولا بين أميركا وإيران، ولا بين واشنطن وبكين، ولا بين تركيا وإسرائيل. إنّها بين فكرتَين: لبنان الدولة ولبنان الساحة.
في لبنان الدولة، نستطيع أن نختلف في السياسة، وأن تكون لنا صداقات وعلاقات ومصالح في كل الاتجاهات، لكنّ القرار اللبناني يبقى في لبنان. أمّا في لبنان الساحة، فلكل محور لبنانيّوه، ولكل صراع إقليمي جبهته اللبنانية. وكلّما انتصر محور على محور، خسر لبنان جزءاً جديداً من نفسه. ليست هذه دعوة إلى الانعزال. على العكس.
نريد لبنان حاضراً في العالم، والعرب شركاء في النظام الدولي لا متفرَّجين عليه. لكنّنا نريد أن نذهب إلى العالم كأصحاب مصالح لا كأتباع. ونريد أفضل العلاقات مع أميركا وأوروبا من دون وصاية، وعلاقات واسعة مع الصين وروسيا من دون أن نستبدل تبعية بتبعية. ونريد علاقة طبيعية مع إيران، من دولة إلى دولة، لا من دولة إلى جماعة داخل دولة. ونريد علاقة مع تركيا تقوم على المصالح المشتركة واحترام السيادة.
أمّا إسرائيل، فنواجه احتلالها واعتداءاتها عندما تحتل وتعتدي، ونفاوضها عندما تقتضي مصلحة لبنان ذلك، لكن في الحالتَين بقرار الدولة اللبنانية. فقرار الحرب لا يمكن أن يكون ملك حزب، كما أنّ قرار السلام لا يمكن أن تفرضه مجموعة. الحرب والسلم هما قرار دولة. وهذا هو معنى حصرية القرار قبل أن تكون حصرية السلاح.
فالاستقلال ليس اختيار الإمبراطورية الأفضل لتحميك. الاستقلال هو أن تمتلك أنت القدرة على حماية نفسك. نتحدّث كثيراً عن التدخُّل الخارجي، لكنّنا نتحدّث أقل عن الفراغ الداخلي الذي يسمح به. فالفراغ لا يبقى فارغاً. حين تغيب الدولة يدخل الآخرون. وحين يَضعف القرار الوطني تظهر القرارات البديلة. وحين تفقد الدولة قدرتها على الحماية، تفقد قدرتها على احتكار السلاح، فتظهر ميليشيات الأمن الذاتي. وحين لا تُحدِّد الدولة سياستها الخارجية، يصبح لكل جماعة سياستها الخارجية الخاصة.
لذلك، فإنّ مواجهة الهيمنة الخارجية لا تبدأ في واشنطن أو طهران أو أنقرة أو موسكو. تبدأ في بيروت بالنسبة إلى اللبنانيّين، وفي بغداد بالنسبة إلى العراقيّين، وفي دمشق بالنسبة إلى السوريّين. تبدأ عندما تصبح الدولة أقوى من الطائفة، والمواطنة أقوى من العصبية، والمؤسسة أقوى من الزعيم، والجيش أقوى من الميليشيا، والمصلحة الوطنية أقوى من مصلحة المحور.
وليس الحل في العودة إلى عصبية دينية أو عرقية في مواجهة عصبيات أخرى. فالمستقبل لا يُبنى بوحدة الدم بقدر ما يُبنى بوحدة المصالح والمؤسسات. ما ينقصنا ليس تكبير حجم القبيلة، إنما استنهاض قوة الدولة ودورها ووظائفها. دولة المواطن والقانون والحدود. دولة الجيش الواحد والقرار الواحد في الحرب والسلم. ودولة تعرف ماذا تريد من العالم. فالدولة هي الأداة التي تُحوِّل الإرادة الوطنية إلى خيار، والخيار إلى قرار، والقرار إلى قدرة على الفعل. من دونها تبقى السيادة شعاراً. ومعها تصبح الدولة، مهما كانت صغيرة، قادرة على المناورة والتفاوض وحماية مصالحها.
فالقوة ليست دائماً في حجم الدولة. القوّة أيضاً في وضوح ما تريد، وفي قدرتك على أن تقول نعم عندما تكون «نعم» في مصلحتك، ولا عندما تكون «لا» ضرورية لحماية مصلحتك.
ونحن في لبنان مدعوُّون إلى الذهاب أبعد من ذلك. فعلى مدى عقود سأل اللبنانيّون: «مَن يحمينا؟». وكان السؤال نفسه جزءاً من المشكلة. لأنّ كلّ طائفة راحت تبحث عمَّن يحميها وتغافلت عن أنّ الحامي سيطلب ثمن حمايته. أمّا الوطن، فلا يبحث عن حامٍ. الوطن يبني أسباب قوّته، ويصنع لنفسه دوراً يجعل الآخرين أصحاب مصلحة في استقراره.
وهذا هو الانتقال الذي يحتاج إليه لبنان: من البحث عن الحماية إلى بنائها وصناعة الدور. دور اقتصادي وثقافي وجامعي، دور تكنولوجي ورقمي واغترابي، ودور سياسي يقوم على أن يكون لبنان مساحة تواصل لا ساحة مواجهة. فالدولة الصغيرة لا تحمي نفسها فقط بما تملك من قوّة، بل أيضاً بما تمثل من قيمة لشعبها، وبما تصنعه من مصالح تجعل الآخرين معنيّين باستقرارها واحترام سيادتها. وهنا يصبح الدور جزءاً من السيادة، لا بديلاً عنها.
لن نُغيّر موقع لبنان، ولن نُغيّر موقع العالم العربي. سنظل في منطقة تتقاطع فيها طرق التجارة والطاقة والأديان والجيوش والمصالح الكبرى. هذا قدر الجغرافيا. لكنّ الجغرافيا لا تفرض علينا التبعية. قد تفرِض علينا مجاورة القوى الكبرى، لكنّها لا تفرِض علينا أن نكون أدواتها.
وهنا أصل المسألة: الأوطان لا تُبنى بالرهانات، بل بالخيارات. الرهان أن تنتظر تغيُّراً في طهران لينقذك، أو رئيساً جديداً في واشنطن لينصفك، أو قوّة في موسكو أو أنقرة أو بكين تُغيّر ميزان القوى لمصلحتك. أمّا الخيار فهو أن تُحدِّد أنت ما تريد، ثم تستخدم علاقاتك بالعالم لتحقيقه.
الرهان يجعل مصيرك نتيجة قرار الآخرين. الخيار يجعلك شريكاً في صناعة مصيرك. لذلك لا أريد للبنان أن يختار الشرق ضدّ الغرب، ولا الغرب ضدّ الشرق. أريده أن يختار لبنان. ولا أريد للعرب أن يبحثوا عن إمبراطورية تحميهم من إمبراطورية. أريدهم أن يستعيدوا القدرة على الاختيار. فلا تطلبوا من كسرى أن يهزم لكم قيصراً. ولا من قيصر أن يحميكم من كسرى. بناء الدولة يجعل كسرى وقيصر مضطرَّين إلى التفاوض معنا، بدل أن يتفاوضا علينا. فالاستقلال الحقيقي ليس أن تكون بلا حلفاء، ولا أن تكون بلا أصدقاء، ولا أن تكون أقوى من العالم.
الاستقلال أبسط وأصعب من ذلك كله: أن تكون حراً في أن تختار. أن تعرف مصلحتك. أن تمتلك قرارك. وأن تكون أنت، لا الخارج، صاحب الكلمة الأخيرة في مصيرك. هذه هي المسافة بين الرهان والخيار. وهي المسافة بين الساحة والدولة. وهي المسافة بين البحث عن الحماية وصناعة الدور. وهي، في النهاية، المسافة بين وطن موجود على الخريطة، ووطن يملك نفسه.تاريخ