سبْتة ولبنان: نزوح واحد، سلاح واحد!

  • 06 August 2026
  • 40 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الجمهورية
    • article image
    طلال عساف -

    في أقل من 24 ساعة، عَبَر قرابة 49 ألف مهاجر الحدود المغربية - الإسبانية نحو مدينة سبْتة، ليصل إجمالي الوافدين في أيام قليلة إلى نحو 60 ألف شخص، أي ما يعادل أكثر من نصف عدد سكان المدينة نفسها، قضى من بينهم 67 غرقاً أو تدافعاً، وعاد طوعاً إلى المغرب نحو نصفهم. كانت هذه أكبر موجة عبور جماعي تشهدها سبْتة منذ أزمة أيار 2021، حين عبر نحو 10 آلاف مهاجر في سياق أزمة ديبلوماسية مغربية - إسبانية.

    اتّسمت الاستجابة الإسبانية بتصعيد فوري قام على نشْر وحدات من الجيش لدعم الحرس المدني، وتوجُّه رئيس الوزراء بيدرو سانشيز شخصياً إلى الموقع، ووصف حاكم سبتة خوان خيسوس فيفاس الوضع بأنّه «حالة طوارئ إنسانية واجتماعية مطلقة». لوَّحت إيطاليا بتعليق العمل باتفاقية شنغن مع إسبانيا، وشدَّدت فرنسا الرقابة عند الحدود معها.

    غذّى الطابع المفاجئ لهذه الموجة، التي انطلقت ساعات بعد خطاب العرش الملكي المغربي، مستعرضاً نمواً اقتصادياً بلغ 4,9% سنة 2025، تعدُّد الروايات حول أسبابها الحقيقية. ويحمل هذا التعدُّد نفسه دلالة استراتيجية تفوق أهمّية أي رواية بمفردها. هو يكشف أنّ النزوح الجماعي بات مادة صالحة للتوظيف من زوايا متناقضة في آنٍ واحد.

    ثمّة مَن يفسّر الموجة بالفجوة بين مؤشرات النمو الرسمية وتوزيع الثروة الفعلي داخل المغرب، ومَن يربطها بزيارة سانشيز الأخيرة للجزائر، كرسالة ضغط مغربية ضمنية مرتبطة بملف الصحراء الغربية. وهناك مَن يطرح فرضية استغلال أطراف إقليمية الحدث للضغط على سانشيز بسبب مواقفه من القضية الفلسطينية. وهنالك مَن يراها ببساطة مادةً انتخابية في الخطاب الأميركي والأوروبي المتشدِّد تجاه الهجرة. الخلاصة، أنّ أي حشد بشري ضخم قابل للاستثمار من أي طرف يريد تحقيق هدف تفاوضي، بصرف النظر عمَّن فجّره.

    لا يُعدّ هذا النمط جديداً في أدبيات العلاقات الدولية، بل يندرج ضمن ما بات يُعرف بمفهوم صاغته الباحثة Kelly M. Greenhill، وهو «تسليح الهجرة» (Weaponization of Migration) و«الهجرة المُهندسة» أو «الهجرة الموجّهة والمفتعلة» (Engineered Migration). ويقوم هذا المفهوم على توظيف تدفّق اللاجئين أو المهاجرين، كوسيلة ضغط على دولة أو تكتل إقليمي، لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو تفاوضية. لا تكون الحركة البشرية هي الهدف بحدّ ذاتها، بل الأثر الذي تُحْدثه على الدولة المستقبِلة، سواء عبر استنزاف قدراتها، أو تأجيج انقساماتها الداخلية، أو دفعها إلى تقديم تنازلات تحت ضغط الوقائع الميدانية.

    باتت أزمة سبْتة تكراراً لنمط تتقنه دول وجماعات، من أزمة الحدود البيلاروسية - البولندية سنة 2021، إلى تلويح تركيا المتكرّر بفتح حدودها أمام اللاجئين السوريّين في اتجاه الاتحاد الأوروبي، وليس انتهاءً بالأزمات المتكرّرة عبر المتوسط الليبي - الإيطالي. كلّها حالات تتقاطع على آلية واحدة، هي تسييس الحدود بتحويلها ورقة مساومة وتوظيف الأعداد، كضغط زمني يُجبر الطرف المستهدَف على قرارات سريعة تحت وطأة الصورة الإعلامية واستثمار الغطاء الإنساني، لإرباك أي ردّ فعل أمني حازم وتصدير الكلفة الداخلية، من فقر وبطالة واهتزاز شرعية سياسية، بدل معالجتها محلياً.

    النمط المشترك في هذه الحالات، أنّ الدولة الأضعف مؤسّسياً، أو الأكثر اعتماداً على الدعم الخارجي، هي التي تتحمّل كلفة الأزمة، بينما تبقى الأطراف التي تستثمر في التدفق، كمصدر أو كمستفيد سياسي، خارج دائرة المحاسبة المباشرة.

    لبنان: فارق الحجم لا فارق المنطق

    ما عاشته سبْتة في أيام معدودة، يعيشه لبنان كواقع بُنيَوي. الفارق الجوهري أنّ سبْتة واجهت موجة قابلة للاحتواء عبر تدخّل عسكري - أمني سريع واتفاق ثنائي إسباني - مغربي، بينما يواجه لبنان حالة متمدّدة زمنياً بلا أفق تفاوضي واضح.

    كان سبب الاحتواء النسبي السريع في الحالة الإسبانية توفُّر 3 عناصر: دولة مصدر واحدة يمكن التفاوض معها مباشرة، غطاء أوروبي مؤسسي ولو مأزوم داخلياً، وقدرة على تفعيل آليات الإعادة الثنائية خلال أيام.

    يفتقر لبنان إلى تلك العناصر الثلاثة مجتمعة. لا يخضع النزوح السوري إلى إطار تفاوضي ثنائي ملزم مع دمشق الجديدة، فيما اللجوء الفلسطيني محكوم باتفاقات دولية وإقليمية معقّدة. أمّا الغطاء الدولي، فمتمثل أساساً في وكالات أممية تدير الملف إنسانياً، من دون أن تملك أدوات ضغط سياسي فعلي على أطراف الأزمة. العربوشعوب الشرق الأوسط

    يكمن الدرس الأخطر من نموذج سبْتة، في أنّ ملفات النزوح الكبرى تتحوَّل بسهولة إلى أوراق ضغط تُستخدم لأهداف لا علاقة لها بمصلحة النازحين أنفسهم ولا بمصلحة الدولة المضيفة. تمكن أكثر من طرف محلي وإقليمي، من الاستثمار في أزمة النزوح واللجوء في لبنان، سواء عبر تسهيل العبور، أو تعطيل مسارات العودة المنظمة، أو استخدامها كورقة في مفاوضات أوسع. بذلك تحوَّل الوجود النازح من أزمة إنسانية - اقتصادية إلى أداة ضغط مباشرة على استقرار الدولة وتوازناتها الدقيقة.

    خلافاً لسبْتة، حيث تُدار الأزمة كملف حدودي - أمني بحت، يتقاطع استمرار النزوح واللجوء في لبنان مع أخطر معادلة كيانية تمسّ بالتوازن الطائفي - الديموغرافي الذي يقوم عليه النظام السياسي بأكمله. وتحوَّلت هذه الأزمة تباعاً إلى متغيِّر في معادلة الحُكم والتمثيل السياسي، ممّا أنتج حساسية إضافية تفوق بمراحل ما شهدته إسبانيا.

    يقدّم نموذج سبْتة درساً مكثفاً، ينطبق مباشرة على لبنان. النزوح الجماعي، بصرف النظر عن دوافعه الأصلية، قابل لإعادة التوظيف كأداة ضغط جيوسياسي من أطراف لا علاقة مباشرة لها بأصل الأزمة، وهذا احتمال يجب أن يُدرَج كمتغيّر دائم في أي قراءة لبنانية لملفَي النزوح السوري واللجوء الفلسطيني.

    يتطلّب الاحتواء السريع رافعتَين لا تتوفران للبنان بالقدر الكافي، وهما الإطار التفاوضي الثنائي مع دولة أو المصدر، والغطاء المؤسسي الإقليمي أو الدولي الذي يملك أدوات ضغط فعلية. لكن حتى لو توفّر هذا الإطار التفاوضي، يبقى الأصعب مدى قدرة دمشق الجديدة على استيعاب عودة منظمة وواسعة النطاق، وتعذّر أي حل للاجئين الفلسطينيّين، عودةً أو إعادةَ توطين في بلد ثالث.

    كلّما طال أمد الفراغ الاستراتيجي في إدارة الملف، تفاقم تحوُّله من عبء اقتصادي - خدمي إلى أداة تستخدمها أطراف إقليمية متعدِّدة لإعادة تشكيل التوازنات اللبنانية، بما يفوق خطورة أي أزمة حدودية من نوع ما جرى في سبْتة.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology