خضر حسان -
أسئلة كثيرة تدور حول أزمة المحروقات في لبنان. هل تكمن في نقص الكميات التي تصل إلى السوق، أم في الأسعار التي ترتفع مدفوعة بالارتفاع العالمي لأسعار النفط، أم في الخوف من الاحتكار؟ وكلّها أسئلة مشروعة.
وفي هذا السياق، شهدت بعض محطات المحروقات طوابير سيارات توافدت إليها لتعبئة البنزين خوفاً من انقطاع المادة أو ارتفاع أسعارها بهوامش أعلى، في حين رفعت محطات أخرى خراطيمها. إلاّ أنّ أرباب القطاع أكّدوا عدم وجود أزمة حقيقية، بل كلّ ما في الأمر أنّ بعض البواخر تأخّرت في الوصول، لكن لا نقص فعلياً في السوق. ومع ذلك، تزداد التساؤلات حول ما يحصل في القطاع. فعلامات الاستفهام انتقلت من كيفية تحديد أسعار البنزين والمازوت، إلى مخاوف الانقطاع أو نقص في الكميات اللازمة للسوق، فضلاً عن المخاوف المتعلّقة بالاحتكار، وضمناً عودة الطوابير والتخزين والسوق السوداء.
معادلات الأسعار
تحلّق أسعار المشتقات النفطية في لبنان ربطاً بالارتفاع العالمي. إلاّ أنّ فترات انخفاضها عالمياً، لا تُتَرجَم انخفاضاً فورياً في الأسعار محلياً، على غرار ما يحصل خلال الارتفاع. وهذا المسار له ما يبرّره في نظر وزارة الطاقة ومستوردي وموزّعي المحروقات وأصحاب المحطات، انطلاقاً من معادلات تحدّد الأسعار، ويمكن اختصارها بأنّ السعر النهائي الذي يدفعه المواطن لا يعتمد فقط على سعر النفط الخام المحدّد عالمياً، بل يُحَدَّد السعر انطلاقاً من مؤشر "بلاتس" Platts العالمي، وهو المرجع الأكثر استخداماً في تجارة المشتقات النفطية، إذ يعكس أسعار تداول البنزين والمازوت في الأسواق الإقليمية والدولية. ويضاف إليه ما يعرف بـِ "البريميوم" Premium، وهو هامش تجاري يرتبط بظروف العرض والطلب والمنافسة في المنطقة ونوعية الشحنات ومصدرها، ويُنظَر من خلاله إلى مستوى الأسعار المعتمدة للمشتقات التي تصل إلى منطقة الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسّط. وتدخل في تحديد السعر أيضاً أكلاف الشحن والتأمين والتفريغ، وهي أسعار لا تتحكّم بها مديرية منشآت النفط ووزارة الطاقة. ويُستَنَد على ذلك أيضاً لتبرير عدم الانخفاض المباشر بالتوازي مع تراجع أسعار النفط، لأنّ الأسعار المتداولة على المنصات العالمية لا تتراجع فوراً، وكذلك أكلاف الشحن والتأمين.
ومع ذلك، هناك هوامش يمكن التحكّم بها محلياً، وهي الضريبة على القيمة المضافة TVA، الرسوم الجمركية أو الرسوم الأخرى التي تحددها الدولة عند الاقتضاء، هوامش الأرباح المحددة بقرارات وزارة الطاقة التي تشمل أرباح المستوردين وأرباح الموزّعين وأصحاب المحطات.
وفي هذا السياق، أكّد لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه النيابية النائب سجيع عطية أنّ "هناك حوالي 8 إلى 9 دولارات تكون زيادة على صفيحة البنزين مع الضريبة على القيمة المضافة"، مشيراً إلى أنّ "40 بالمئة من سعرها هو رسوم على الناس، تأخذها الدولة".
اختلاق الأزمة
إذا استسلم اللبنانيون لواقع مسارات تحديد أسعار المشتقات النفطية عالمياً بمعزل عن التحرّك المباشر لسعر برميل النفط، فليس بالضرورة أن يسلّموا بالتداعيات المرافقة لتحرّك الأسعار العالمية. فإثر تغيّر تلك الأسعار، يتحضّر لبنان لاحتمال اختلاق أزمة محروقات داخلية غير موجودة على المستوى الدولي ربطاً بأسعار النفط. وتالياً، تقع المسؤولية على المعنيين بهذا الملف، بدءاً من وزارتي الطاقة والاقتصاد المعنيّتين بوضع الأسعار ومراقبة الالتزام بها.
والمثير للاهتمام، هو التلويح بشحّ المادة في السوق، وهو ما خلق أزمة الطوابير وإقفال بعض المحطات. على أنّ القلق الذي تشهده السوق يأتي في ظل تأكيد ممثّل موزّعي المحروقات فادي أبو شقرا، في حديث لـِ "المدن" أنّ "البواخر ستصل تباعاً، وخلال يومين يتم تأمين المحروقات لكل المحطات". ومن جهة أخرى، أشار نقيب أصحاب محطات المحروقات جورج البراكس، إلى أنّ "الشركات تضخ حالياً زيادة تقارب 25 بالمئة عن الحاجة الفعلية للسوق، خصوصاً من مادة المازوت، مشدداً على أن حركة الاستيراد مستمرة من دون انقطاع، وأن الملاحة البحرية لا تزال مفتوحة أمام وصول البواخر، متوقعاً وصول ثلاث بواخر جديدة خلال الأسبوع الجاري".
لا شحّ في المادة، بل على عكس ذلك، هناك فائض عن الحاجة الفعلية للسوق، ومع ذلك، هناك تهديد بأزمة، فمن يختلقها ولمصلحة مَن؟
تقول مصادر متابعة لملفّ استيراد وتسعير المشتقات النفطية، في حديث لـِ "المدن" إنّ ما يحصل في السوق "ليس بريئاً". وتشير إلى أنّ "رفع معدّل الاستيراد عادةً ما يتم اللجوء إليه لتفادي احتمال حصول أزمة في التوريد أو رغبة من المستورد للتخزين والاستفادة من الأسعار، لكن مشكلة هذا التوجّه في لبنان أنّه يتحوّل سريعاً إلى الاحتكار وقطع المادة ورفع أسعارها بشكل جنوني، ولا ينطلق من تأمين مصلحة المواطنين والاقتصاد". ولذلك، لا تستبعد المصادر أنّ يكون الإرباك الذي شهدته بعض المحطات، والحديث عن تأخّر وصول بعض البواخر "مقدّمة لخلق أزمة في السوق، قد تكون طفيفة بدايةً، لكنها تفتح الطريق أمام إجراءات أخرى لا تصبّ في مصلحة المواطنين".
في المقلب الآخر، ترى المصادر أنّ هذه الأزمة "ليست قَدَراً لا يمكن تفاديه أو تقليل نتائجه". وهنا، يمكن الانطلاق من ثلاثة حلول: "أوّلها ضبط الأسعار انطلاقاً من مصدر الشحنات؛ أي إنّ الأسعار التي على الوزارة اعتمادها يجب أن تأخذ في الاعتبار وصول نفط روسي إلى لبنان، وسعره أقل من شحنات تأتي من مصادر أخرى، وبالتالي يحقّق أصحاب تلك الشحنات أرباحاً كبيرة استناداً إلى جدول تركيب الأسعار المعتمد. هذه الأرباح يستفيد منها التجّار لا المواطنون. ثانياً، على منشآت النفط استيراد المحروقات، وهذا ما يخفّف من احتكار القطاع الخاص، لكن هذا الخيار يحتاج إلى توفّر المال العام. ثالثاً، يمكن بناء علاقة معيّنة بين الدولة والمستوردين من القطاع الخاص، لحثّهم على استيراد كميات معيّنة تبقى مخزّنة وتستعمل في حال حصول أزمات عالمية، وبالتالي نجنّب السوق تداعيات تلك الأزمات لشهر أو شهرين. لكن على هذا الخيار أن ينطلق من بناء ثقة بين الدولة والقطاع الخاص الذي عليه أن يشارك في المسؤولية الاجتماعية، لا أن يحوّل التخزين إلى غطاء للاحتكار".
إن كانت أسعار النفط العالمية وما تعرضه المنصّات تتحكّم بجزء كبير من الأسعار، يبقى أنّ الفوضى التي اعتادها اللبنانيون وغياب الرقابة الفعلية وانشغال السلطة السياسية عن وضع خطط تستبق الأزمات وتعالج تداعياتها بما يخفّف العبء عن المواطنين، هي المسبّب الفعلي للأزمات التي يواجهها اللبنانيون. ورغم التطمينات الراهنة، لا يزال الإقبال على تعبئة الوقود مرتفعاً، خوفاً من الانقطاع المفاجىء.