تنفيذ لبناني بلا مقابل إسرائيلي.. معادلة الجنوب تهتزّ؟

  • 29 July 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image



    ندى أندراوس -

    يبدو أن الاستحقاق المقبل في روما لن يكون جولة تفاوضية عادية، بقدر ما سيكون اختباراً لقدرة المسار القائم على الصمود أمام التباين المتزايد بين ما ينفذه لبنان وما تلتزمه إسرائيل على الأرض.

    وفي هذا السياق، تكشف معلومات خاصة لـِ "المدن" أن قيادة الجيش ورئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ينظران بقدر متزايد من التحفّظ إلى الأداء الإسرائيلي في الجنوب، في ضوء ما تعتبره بيروت إخلالاً متكرراً بمبدأ التزامن الذي يفترض أن يحكم تنفيذ الالتزامات الميدانية بين الجانبين. فالجيش، الذي أنجز ما أتيح له من مهام واستكمل استعداداته للانتقال إلى مناطق جديدة، لا يريد أن يجد نفسه أمام مسار أحادي الجانب، ينفّذ فيه لبنان التزاماته، فيما تبقى خطوات الانسحاب الإسرائيلي خاضعة للتأجيل أو الانتقائية.

    وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة عشية الجولة الجديدة من المفاوضات المرتقبة في روما في الرابع من آب، إذ تشير مصادر عسكرية إلى أن المشاركة اللبنانية، ولا سيما العسكرية منها، لم تعد منفصلة عن تقييم السلوك الإسرائيلي ومدى الاستعداد للالتزام بما يتم التوافق عليه. والرسالة التي تنقلها بيروت في هذا السياق واضحة: لبنان لا يتراجع عن التزامه بسط سلطة الدولة وتنفيذ ما يترتب عليه، لكنه يرفض في المقابل أن يتحول الجيش إلى الطرف الوحيد المطالب بالتنفيذ، فيما لا تتوافر آلية واضحة وملزمة للتحقق من الانسحاب الإسرائيلي.

    وتقول المصادر إن موقف قيادة الجيش يلتقي تماماً مع مقاربة رئيس الجمهورية، الذي شدد في إتصالاته، ولاسيما في القمة التي عقدها مع الرئيس الاميركي دونالد ترامب، على أن نجاح أي مرحلة تجريبية في الجنوب يفترض أن يشكل اختباراً متكاملاً لآلية الانسحاب والانتشار، لا مجرد اختبار لقدرة الجيش اللبناني على تنفيذ المطلوب منه. من هنا، لم تعد العقدة عسكرية لبنانية بقدر ما أصبحت مرتبطة بمدى استعداد إسرائيل للانتقال من الالتزام النظري إلى التنفيذ الفعلي.

    استحقاق موازٍ

    ثمة فصل واضح بين شقين في اتفاق الإطار. الشق الأول عسكري، ويتصل بالمهام التي تدخل ضمن صلاحيات الجيش، من الانتشار والدخول إلى المناطق المحددة، إلى تفكيك المواقع والمنشآت العسكرية غير الشرعية وبسط سلطة الدولة ميدانياً. ولهذا السبب لم ينتظر الجيش صدور قرار جديد عن مجلس الوزراء كي يبدأ ما يقع ضمن صلاحياته، بحسب ما أوضحت المصادر العسكرية.

    أما الشق الثاني، فحكومي وإداري وقضائي ومالي، ويتطلب تحركاً من مجلس الوزراء، نظراً إلى أن تنفيذه موزع على نحو سبع وزارات وإدارات.

    وتشمل هذه المهام ملفات مرتبطة بوزارات المال والعدل والاتصالات والأشغال وغيرها، إضافة إلى إجراءات مالية وقضائية تتصل بتجريم الأنشطة المالية المرتبطة بحزب الله، وضبط بعض المسارات المالية والإدارية والاتصالات والبنى التحتية. وعليه، فإن الاتفاق ليس خطة عسكرية بحتة، بل هو مسار متعدد الأبعاد يتطلب انخراط الدولة بمؤسساتها المختلفة.

    لكن ما تعتبره مصادر متابعة تطوراً إيجابياً، هو أن الجانب الأميركي بات أكثر اقتناعاً بأن المشكلة ليست في أداء الجيش اللبناني. وتؤكد هذه المصادر لـِ "المدن" أن ما أنجزه الجيش ميدانياً عزز هذه القناعة، ولا سيما بعدما دخل الإسرائيليون إلى أنفاق ومنشآت، وتبين أن عدداً كبيراً منها كان خالياً، وهو ما اعتُبر دليلاً عملياً على أن الجيش اللبناني سبق أن قام بالمهمة المطلوبة منه.

    وتضيف المصادر أن قائد الجيش العماد رودولف هيكل يتحرك بتنسيق كامل مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وأن المواقف التحذيرية التي صدرت عن المؤسسة العسكرية لم تكن منفصلة عن الموقف السياسي الرسمي، بل جاءت في سياق تنسيق بين قيادة الجيش ورئاسة الجمهورية.

    نموذج كشف المشكلة

    تجربة زوطر الغربية، المنطقة التجريبية الاولى، اختصرت إلى حد بعيد الإشكالية القائمة. دخل الجيش اللبناني إلى البلدة وانتشر فيها. غير أن ما حصل قبل ذلك وخلاله أظهر أن نجاح نموذج المناطق التجريبية لا يمكن أن يقوم على دخول الجيش وحده، بل يحتاج إلى آلية متزامنة تحدد بوضوح الانسحاب الإسرائيلي من جهة، ونزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية من جهة أخرى. وهذه الآلية، بحسب المعلومات، لم تكتمل حتى الآن.

    المصادر العسكرية كشفت أن الجيش حاول التقدم في مراحل مختلفة باتجاه مناطق أخرى غير محددة في المرحلة الاولى من المناطق التجريبية، وهي غير محتلة، لكن الجيش الاسرائيلي لم يتردد في الاعتداء على عناصر الجيش اللبناني، كما حصل عندما تقدمت القوى العسكرية اللبنانية في اتجاه زوطر الغربية وتعرضت لإطلاق نار إسرائيلي. أما اليوم، فالجيش جاهز ميدانياً للانتقال إلى مناطق أخرى خارج ما يعرف بالخط الأصفر، وهو منتشر عملياً في أطراف بعض هذه المناطق وينتظر تحديد الساعة الصفر ضمن آلية متفق عليها.

    معركة المناطق التجريبية

    في موازاة ذلك، تتمسك بيروت بأن تكون للمناطق التجريبية وظيفة سياسية وميدانية فعلية، لا أن تتحول إلى مجرد أداة لاختبار تنفيذ الجيش لالتزاماته. وتفيد المعلومات بأن الرئيس عون ضغط خلال اتصالاته الأميركية، بما فيها المحادثات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في اتجاه أن تشمل المناطق التجريبية مساحات تقع داخل الخط الأصفر، بحيث يكون الانسحاب الإسرائيلي جزءاً أساسياً من التجربة. ذلكَ أن اعتماد مناطق لا وجود إسرائيلياً فيها يفرغ، برأي الجانب اللبناني، مفهوم المناطق التجريبية من مضمونه، ويحولها عملياً إلى اختبار للبنان وحده. وهنا تحديداً تكمن إحدى نقاط الخلاف الأساسية، وهي ستكون نقطة بحث أساسية على طاولة روما.

    فبعبدا تريد معادلة واضحة: تنسحب إسرائيل، يدخل الجيش اللبناني، تبدأ عملية التحقق من خلو المنطقة من السلاح والبنى العسكرية، ثم تنتقل العملية إلى منطقة أخرى. أما قلب هذه المعادلة بحيث يُطلب من الجيش أن ينفذ أولاً من دون ضمان الخطوة الإسرائيلية المقابلة، فيعني عملياً تحويل الاتفاق إلى مسار أحادي الجانب.

    لا قوات أميركية على الأرض

    العقدة الثانية تتصل بآلية التحقق والمراقبة. وبحسب المعلومات، فقد أبلغ الجانب الأميركي كلاً من اللبنانيين والإسرائيليين أنه غير راغب في وجود عسكري أميركي مباشر على الأرض في الجنوب لمراقبة تطبيق المناطق التجريبية، نظراً إلى المخاطر الأمنية التي قد تحيط بهذا الوجود، والخشية من أن يتحول الجنود الأميركيون إلى أهداف محتملة لهجمات مسلحة.

    لذلكَ يجري البحث عن صيغة بديلة، مع العلم بأن في بيروت مجموعة من الضباط الأميركيين تتولى التواصل مع قيادة الجيش، فيما توجد مجموعة أخرى في إسرائيل تتواصل مع الجيش الإسرائيلي. والمجموعتان تنسقان مع الجنرال جوزيف كليرفيلد من القيادة الوسطى الأميركية. والهدف من ذلك، الاتفاق على جهة ثالثة محايدة تتولى عملية المراقبة، ولكن حتى اليوم لم يحصل أي اتفاق على هذا الامر.

    من يراقب؟

    غير أن العقدة الأصعب لا تزال تتمثل في تحديد الجهة الثالثة التي ستتولى عملية المراقبة والتحقق. لبنان، وفق المعلومات، يفضل أن تقوم اليونيفيل بهذه المهمة إذا اتُّخذ قرار دولي يسمح بإستمرارها في لبنان بصيغة أو بأخرى، انطلاقاً من كونها قوة موجودة أصلاً على الأرض وتمتلك خبرة طويلة في مراقبة الوضع جنوباً.

    في المقابل، لا يزال الجانب الإسرائيلي يعارض بقاء اليونيفيل وتوليها أي مهام إضافية مرتبطة بالمناطق التجريبية أو بآلية المراقبة الجديدة. ولهذا السبب، لم يتم حتى الآن التوصل إلى اتفاق على اسم الجهة المحايدة التي يمكن أن تتولى مهمة التحقق.

    وسيكون هذا الملف، وفق المصادر، أحد أبرز بنود البحث في جولة المفاوضات المقبلة في روما. وفي ما خص جولة المفاوضات، كشفت المصادر العسكرية أن إحتمال عقد جولة التفاوض المقبلة في روما عن بعد لا يزال قائما، خصوصاً أن فكرة الصورة المشتركة بين ضباط من الجانبين يرفضها الجيش اللبناني.

    هل يعلّق الجيش مشاركته؟

    الأكثر دلالة في المعلومات المتداولة داخل الدوائر المعنية، هو أن الجيش اللبناني لا يريد أن يواصل السير في آلية لا يلتزم فيها الطرف الآخر بالقواعد نفسها. وتشير المصادر إلى أن إستمرار إسرائيل في التنصل من الانسحابات أو تأخير تنفيذ ما يتم التفاهم عليه قد يدفع المؤسسة العسكرية إلى إعادة النظر في مشاركتها في مفاوضات روما أو في بعض مراحل الآلية، وصولاً إلى عدم المشاركة، إذا تبين أن وجودها لا يؤدي إلى نتيجة ميدانية واضحة.

    ولا يعني ذلك تراجع الجيش عن قرار بسط سلطة الدولة أو عن تنفيذ المهام الموكلة إليه. بل إن الرسالة هي العكس تماماً: الجيش يريد التنفيذ، لكنه يرفض أن يتحول تنفيذه إلى غطاء لبقاء القوات الإسرائيلية في مواقعها. وهنا تحديداً يلتقي موقف الجيش مع موقف رئيس الجمهورية.

    فالرئيس عون يريد تثبيت قاعدة سياسية وعسكرية واضحة: لا يمكن مطالبة لبنان بأن يقدم خطوات متتالية في ملف السلاح، بينما تبقى مسألة الانسحاب الإسرائيلي مفتوحة على التأجيل والتفسير والتراجع. جولة روما، إذاً، لن تكون اختباراً تقنياً لآلية التواصل فحسب. إنها اختبار لما إذا كانت واشنطن قادرة على تثبيت مبدأ التزامن بين الخطوتين: انسحاب إسرائيلي واضح وقابل للتحقق، يقابله إنتشار للجيش وتنفيذ لبناني للالتزامات المتفق عليها. أما إذا بقيت المعادلة قائمة على تنفيذ لبنان وانتظار إسرائيل، فإن المسألة ستتجاوز فرون وصريفا وزوطر الغربية إلى مستقبل المسار كله.

    فالجيش، جاهز. لكن الساعة الصفر لم تعد قراراً لبنانياً وحده. كما أن آلية التحقق من الانسحاب من جهة، ونزع سلاح حزب الله وتفكيك البنى العسكرية التابعة له من جهة ثانية، لم تكتمل بعد على الرغم من أن الجهود الاميركية مستمرة من أجل تحقيق هذه الآلية.