هل تخلّى الحويّك عن وادي النصارى؟ ومَن رسم حدود لبنان الكبير: البطريرك أم الدول الكبرى؟

  • 28 July 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الجمهورية
    • article image
    أنطوان قسطنطين -

    يتردّد في أوساط بعض المثقفين الأرثوذكس سؤالٌ يحمل في طيّاته اتهاماً تاريخياً: لماذا ضُمّ جبل عامل إلى لبنان الكبير سنة 1920، بينما بقي وادي النصارى، ذو الغالبية المسيحية الأرثوذكسية، داخل سوريا؟ وهل كان في إمكان البطريرك الياس الحويّك ضمّه، لكنّه فضّل عليه منطقة ذات غالبية شيعية؟ الرواية مؤثرة، لأنّها تعبّر عن شعور أرثوذكسي مشروع، بأنّ حدود الدول الجديدة فَصَلت بين جماعات ومناطق كانت مترابطة كنسياً واجتماعياً واقتصادياً. لكنّها تقوم على فرضية لم تُثبتها الوثائق: أنّ الحويّك امتلك سلطة رسم الحدود، وأنّ الفرنسيّين وضعوه أمام خيار بين وادي النصارى وجبل عامل، فاختار الثاني. والحقيقة التاريخية أكثر تعقيداً. أخبار

    قاد البطريرك الحويّك الوفد اللبناني إلى مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919، وطالب باستقلال لبنان وتوسيعه خارج حدود متصرّفية جبل لبنان، ليضمّ الساحل والمدن والبقاع والمناطق التي رآها اللبنانيّون ضرورية لقيام دولة قابلة للحياة. كان يستطيع أن يطالب ويتفاوض ويُقنع، لكنّه لم يكن ممثل دولة منتصرة، ولا قائد قوّة عسكرية، ولا صاحب سلطة قانونية لإصدار قرار بضمّ منطقة أو استبعاد أخرى.

    اتفاق سايكس-بيكو سنة 1916 لم يرسم الحدود اللبنانية الحالية بالتفصيل، لكنّه حدّد الإطار العام لتوزيع النفوذ الفرنسي والبريطاني في المشرق. ثم كرّس مؤتمر سان ريمو في نيسان 1920 الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان. أمّا رسم الحدود الداخلية للكيانات الواقعة ضمن المنطقة الفرنسية، فكان من اختصاص السلطة الفرنسية.

    وبعد سقوط حكومة الأمير فيصل في دمشق، أصدر المفوَّض السامي الفرنسي الجنرال هنري غورو القرار الرقم 318 في 31 آب 1920، الذي أنشأ دولة لبنان الكبير وحدَّد أراضيها، على أن يدخل القرار حيّز التنفيذ في الأول من أيلول. وتُثبت فهارس الأرشيف الديبلوماسي الفرنسي، أنّ إنشاء الدولة وتحديدها تمّا بقرار رسمي صادر عن المفوَّضية السامية الفرنسية. فالوفود اللبنانية، وفي طليعتها الحويّك، صنعت القضية ودافعت عن المشروع. أمّا سلطة القرار والتنفيذ، فكانت فرنسية. الحويّك طالب بالوطن ولم يرسم حدوده.

    ماذا عن وادي النصارى؟

    يقع وادي النصارى غرب حمص، في منطقة الحصن وتلكلخ، وتربطه بعكار وطرابلس صلات تاريخية وكنسية واضحة. كما بقي الوادي تابعاً كنسياً لأبرشية عكار الأرثوذكسية، على رغم من وقوعه سياسياً داخل سوريا.

    ومن الممكن أن تكون مشاريع أو مطالب محلية قد طُرحت لإلحاق بعض مناطقه بعكار ولبنان. لكنّ ظهور المنطقة في تصوُّر أو عريضة، لا يُثبت أنّ فرنسا عرضتها رسمياً على الحويّك، ولا أنّها جعلتها موضوع مقايضة مع جبل عامل. ففي الوثائق والدراسات المنشورة والمتاحة التي أمكن مراجعتها، لا تظهر رسالة أو مذكرة أو محضر اجتماع، يثبت أنّ الحويّك خُيِّر بين المنطقتَين، أو أنّه رفض ضمّ وادي النصارى خشية زيادة الحضور الأرثوذكسي في لبنان. ولهذا لا يجوز تحويل احتمال أو رواية شفهية إلى واقعة تاريخية مكتملة من دون وثيقتها.

    ماذا عن جبل عامل؟

    تبدّلت التبعية الإدارية لجبل عامل خلال العهد العثماني. ففي مراحل مبكرة توزّعت مناطقه بين الوحدات الإدارية المرتبطة بصيدا وتلك المرتبطة بصفد. لكنّ الوضع الذي يهمّ عند بحث أحداث 1920 هو وضع العقود الأخيرة من الحكم العثماني.

    بعد إنشاء ولاية بيروت سنة 1888، أصبحت معظم مناطق جبل عامل التي دخلت لاحقاً في لبنان الكبير، بما فيها صور والنبطية ومرجعيون ومحيطها، تابعة لولاية بيروت. وتؤكّد الدراسات الخاصة بالتنظيم الإداري العثماني، أنّ جبل عامل أصبح في تلك المرحلة جزءاً من ولاية بيروت، لا امتداداً إدارياً لصفد.

    لذلك، فإنّ ضمّ جبل عامل إلى لبنان لم يكن ببساطة انتزاعاً لمنطقة فلسطينية ووضعها بدلاً من منطقة مسيحية سورية، بل كان جزءاً من إعادة تركيب أراضي ولاية بيروت السابقة مع متصرّفية جبل لبنان ومناطق البقاع. ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في دلالة الوحدة الإدارية العثمانية؛ فولاية بيروت نفسها كانت واسعة، ولم يكن ضمّ كل أراضيها إلى لبنان مطروحاً. لكنّها تفسّر لماذا كان الجنوب، المرتبط بصيدا وصور وبيروت، حاضراً بقوّة في مشاريع التوسيع اللبنانية. أخبارلبنان

    لماذا بقي الوادي داخل سوريا؟

    كان ضمّ وادي النصارى يتجاوز إضافة مجموعة قرى مسيحية إلى لبنان. فالمنطقة تقع ضمن المجال الاستراتيجي الذي يربط حمص بالساحل، وقرب الطريق المؤدّي إلى طرطوس، وفي نطاق كانت فرنسا تُعيد تنظيمه بين دولة دمشق وكيان العلويّين ولبنان الكبير.

    لذلك، يرجّح أنّ القرار ارتبط بالتصوُّر الفرنسي لمجمل الخريطة السورية-اللبنانية، وبمصالح المواصلات والإدارة والسيطرة، لا باختيار طائفي لبناني بين الأرثوذكس والشيعة. وهذا استنتاج تاريخي يحتاج إلى مزيد من البحث في مراسلات المفوَّضية السامية، لكنّه أكثر انسجاماً مع طريقة فرنسا في إنشاء الكيانات من رواية المقايضة غير الموثقة.

    جرح مشروع واتهام غير مثبت

    من حق الأرثوذكس أن يسألوا لماذا فَصَلت الحدود الجديدة بينهم وبين امتدادهم الأنطاكي في حمص ووادي النصارى ودمشق. فقد حوَّل نظام الدول الحديثة جماعة مشرقية واسعة إلى أقليات موزّعة على كيانات متعدِّدة. لكنّ الإعتراف بهذا الجرح لا يبرّر تحميل البطريرك الحويّك مسؤولية قرار لم يكن يملكه.ش

    ولو كان هدف الحويّك إنشاء دولة مارونية صافية، لكان اكتفى بحدود المتصرّفية أو طالب بتوسيع محدود يحافظ على غالبية مسيحية ساحقة. لكنّه طالب ببيروت وطرابلس وصيدا وصور والبقاع وعكار والجنوب، مع علمه بأنّ الدولة الجديدة ستضمّ أعداداً كبيرة من السُنّة والشيعة والأرثوذكس والدروز.

    لقد اختار دولة متعدِّدة الجماعات وقابلة للحياة، لا ملجأً طائفياً صغيراً. لم يتخلّ الحويّك عن وادي النصارى، لكنّ فرنسا هي التي قرّرت إبقاء الوادي ضمن الكيانات السورية، على رغم من صلاته التاريخية والكنسية بعكار؟

    حتى الآن، لا تظهر في الوثائق المنشورة والمتاحة قرينة تُثبت أنّ وادي النصارى عُرض على الحويّك مقابل جبل عامل وأنّه رفض. كان الحويّك صاحب مشروع، وصوتاً حاسماً في المطالبة بلبنان الكبير، لكنّه لم يكن صاحب السيادة على الخريطة. لقد دافع عن الفكرة. أمّا الحدود، فرسمتها سلطة الانتداب الفرنسي.