خيرالله خيرالله... باكورة المفكّرين في بناء الدولة

  • 27 July 2026
  • 6 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    أنطوان قسطنطين - الجمهورية

    قبل أربعين عاماً، حين وجّهني أستاذي الأب ميشال الحايك إلى مجلة Correspondance d’Orient، ظننتُ أنّني أعود إلى أرشيف مرحلة سبقت إعلان لبنان الكبير. لكنّني اكتشفت مع الوقت أنّني أدخل إلى واحدة من أهم الورش الفكرية التي صنعت الفكرة اللبنانية قبل أن تصبح دولة. بين شكري غانم وجورج سمنة ويوسف السودا، يبرز اسم خيرالله طنوس خيرالله. لم يكن الأكثر شهرة بينهم، لكنّه ربما كان الأكثر انشغالاً بالسؤال الأصعب: ماذا بَعد قيام لبنان؟

    تمّ اختزال الرجل طويلاً في كونه أحد مؤسسي اللجنة اللبنانية في باريس سنة 1912، أو رفيقاً لشكري غانم في الدفاع عن القضية اللبنانية. غير أنّ العودة إلى كتبه ومقالاته تكشف وجهاً آخر: لم يكن خيرالله يفكّر في إعلان دولة فحسب، بل في شروط بقائها.

    كان ابن جران في قضاء البترون، من أبناء الجيل الذي صنعه البطريرك الياس الحويّك بالعلم قبل السياسة. أرسله إلى بلجيكا ليتهيّأ للكهنوت، لكنّه كتب إليه يوماً أنّه يريد أن يعمل من أجل «شيء كبير كالوطن». منذ تلك اللحظة، لم تعُد رسالته الكنيسة، بل لبنان.

    مَن يقرأ خيرالله اليوم يكتشف أنّه كان يبحث عن 5 معادلات بدت مستحيلة في زمنه: لبنان بلا انعزال، وعروبة بلا ذوبان، وارتباط بفرنسا بلا وصاية، وعدالة اجتماعية بلا صراع طبقي، واستقلال بلا قطيعة مع المشرق. وهذه المعادلات هي التي تمنح فكره وحدته.

    لم يبدأ من الحدود، بل من الإنسان. وقبل أن يكتب عن الاستقلال والسيادة، كتب عن التعليم والعدالة الاجتماعية. كان مقتنعاً بأنّ الدولة التي لا تبني مواطناً حُراً ستبقى دولة هشة، مهما اتسعت حدودها أو نالت اعتراف العالم بها. فالاستقلال السياسي، في نظره، لا يكتمل إلّا بتحرير الإنسان من الجهل والفقر والتبعية. أخبارلبنان

    لهذا عُدّ من أوائل دعاة الإصلاح الاجتماعي في لبنان. لم يكن اشتراكياً بالمعنى العقائدي، بل كان يرى أنّ العدالة شرط من شروط قيام الدولة، لا شعاراً يُرفع بعدها.

    في المقابل، لم يبدأ انفصالياً، إذ آمن أولاً بإمكان إصلاح الدولة العثمانية، ورأى أنّ الاعتراف بحقوق العرب واللامركزية الدستورية قد ينقذان الإمبراطورية من التفكّك. لكنّ التتريك، والحرب العالمية الأولى، والمجاعة، والإعدامات، أقنعته بأنّ السلطنة تجاوزت نقطة البقاء، فانتقل من التفكير في إصلاحها إلى التفكير بما سيولد على أنقاضها.

    غير أنّ تحوُّله إلى تأييد استقلال لبنان لم يكن انقلاباً على عروبته. كان عربي الثقافة والوجدان، لكنّه رفض أن تتحوَّل العروبة إلى مشروع يُذيب الكيانات الناشئة. وكان مارونياً منفتحاً على الغرب، لكنّه رفض أن يتحوَّل الانفتاح إلى تبعية سياسية. لذلك لم يرَ تناقضاً بين أن يكون لبنانياً، وعربياً، وفرنكوفونياً في آنٍ واحد. كان يعتبر أنّ التناقض يبدأ فقط حين تحاول إحدى هذه الدوائر إلغاء الأخرى.

    لهذا أيضاً أحبّ فرنسا، لكنّه لم يُردها وصياً على لبنان. أخذ منها ثقافة الحرّية، ورفض أن تُستبدل الوصاية العثمانية بوصاية فرنسية. وكان يرى أنّ الصداقة بين الدول لا تبرِّر التبعية، كما أنّ الانتماء إلى المشرق لا يبرّر ذوبان لبنان فيه.

    من هنا نفهم لماذا دافع عن لبنان الكبير. لم يكن لبنان الكبير بالنسبة إليه مشروع حدود، بل مشروع حياة. أثبتت مجاعة الحرب أنّ متصرّفية جبل لبنان، بحدودها الضيّقة، غير قادرة على العيش اقتصادياً. لذلك رأى أنّ ضم السهول الزراعية والمرافئ إلى الجبل ليس توسعاً جغرافياً، بل شرطاً لقيام دولة قابلة للحياة. وهنا التقى مع مشروع البطريرك الياس الحويّك.

    إذا كان الحويّك قد منح القضية اللبنانية شرعيّتها الوطنية والأخلاقية، فإنّ خيرالله خيرالله منحها لغتها الفكرية وحجتها السياسية أمام أوروبا. حمل البطريرك القضية إلى مؤتمر الصلح، لكنّ رجالاً مثل خيرالله خيرالله وشكري غانم كانوا قد أعدّوا الملف الذي حمله.

    وهكذا، لم يولد لبنان الكبير بقرار دولي وحده، ولا بخطاب بطريركي وحده، بل حين التقت الحاجة الجغرافية بالحجة الاقتصادية، والفكرة السياسية بالإرادة الوطنية، واللحظة الدولية برجال عرفوا كيف يحوّلون الحلم إلى مشروع. تاريخ

    توفّي خيرالله عن عمر ناهز الـ48 عاماً في تموز 1930، قبل أن يرى لبنان المستقل، وقبل سنة ونصف تقريباً من رحيل البطريرك الحويّك. لكنّ الزمن أثبت أنّ أسئلته كانت أبقى من حياته.

    فهو أدرك، قبل كثيرين، أنّ الأوطان لا يحميها الخارج، وأنّ الحدود وحدها لا تكفي لبناء الدولة، وأنّ الحرية تصبح هشّة إذا لم تستند إلى مؤسسات، وأنّ العروبة تتحوَّل إلى هيمنة إذا لم تعترف باستقلال مكوّناتها، كما أنّ الانفتاح على الغرب يصبح تبعية إذا فَقَد قراره الوطني.

    بعد نحو قرن، تبدو المفارقة لافتة. لقد حصل لبنان على الجغرافيا التي دافع عنها خيرالله، لكنّه لم ينجز بعد الدولة التي حلم بها. ولهذا، لا أراه مجرّد واحد من الرجال الذين مهّدوا للبنان الكبير، بل أول مَن حاول أن يرسم نظرية متكاملة للبنان الدولة؛ لبنان الحرّ، العربي الانتماء، المنفتح على العالم، والمستقل في قراره. هذا، في تقديري، هو خيرالله خيرالله الحقيقي: لم يسبق إعلان الدولة فحسب، بل سبق فهمنا لها.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology