الأخبار - راجانا حمية -
بينما تحتفل السلطة بالموافقة على شراء 400 منزل جاهز لـ«إيواء» عشرات آلاف النازحين(!)، كان برنامج «صامدون» التابع لحزب الله قد انتقل إلى التحضير لمرحلة «اليوم التالي». فاستكمل تحديث بيانات النازحين، ووضع اللمسات الأخيرة على خطة مراكز الإيواء لمن لا يزالون يقيمون في المدارس، في وقت لم تتجاوز فيه الدولة بعد مرحلة الوعود، بما يعكس استمرار البطء والحسابات السياسية اللذين طبعا استجابتها منذ اندلاع الحرب. ورغم توقّف العمليات العسكرية، لا تزال أزمة النزوح قائمة، ما يستدعي الانتقال إلى إدارة طويلة الأمد، إلا أن الدولة ما زالت تتعامل معها كملف طارئ، تاركةً لبرنامج «صامدون» القيام بمهام كان يُفترض أن تخطّط لها وتقودها المؤسسات الرسمية.
تراجع النازحين بنسبة 60%
قبل الانتقال إلى مرحلة «اليوم التالي»، كان لا بدّ من تحديث قاعدة بيانات النازحين، سواءٌ المقيمون في المنازل المستأجرة، أو في مراكز الإيواء التي تراجع عدد النازحين في كثير منها إلى ما بين 10 عائلات و40 عائلة. ويتركّز العمل حالياً في بيروت وضواحيها ومناطق جبل لبنان، باعتبارها تضم العدد الأكبر من مراكز الإيواء والعائلات النازحة، على أن يتوسّع تدريجاً نحو المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني وجنوبه.
ورغم أن عملية الجرد لم تُستكمل بعد، فإن المؤشرات الأولية تُظهِر أن نحو 60% من النازحين عادوا إلى مناطقهم، فيما لم يتمكّن الآخرون من العودة بسبب فقدان منازلهم أو مصادر رزقهم. وتشير الإحصاءات الحالية إلى وجود نحو 1500 عائلة في مراكز الإيواء ضمن منطقة بيروت، و2000 في جبل لبنان. أمّا عدد العائلات المقيمة في منازل مستأجرة أو لدى أقارب، فقد انخفض من نحو 137 ألف عائلة إلى 89 ألفاً.
وبالتوازي، تمّ تحديث بيانات الأضرار التي لحقت بالمنازل، ولا سيما في قرى الحافة الأمامية والضاحية الجنوبية، لتحديد ما دُمّر خلال العدوان الأخير، وما كان متضرّراً من الحروب السابقة، وما بقي صالحاً للسكن، بما يسمح ببناء قاعدة بيانات دقيقة يُستند إليها في المراحل اللاحقة. أمّا بالنسبة إلى النازحين من القرى والبلدات الواقعة شمال الليطاني، فيتركّز العمل على تحديد الأسباب التي تحول دون عودتهم، سواء كانوا يقيمون في مراكز الإيواء أو في المنازل المُستأجرة.
ويتوقّع مسؤول ملف النزوح في منطقة بيروت، الدكتور علي السبع، أن تتراجع أعداد النازحين أكثر خلال المرحلة المقبلة، إلا أن ذلك يبقى مرتبطاً بعاملين أساسيين: استقرار الأوضاع الأمنية، واستمرار عودة العائلات، ولا سيما أبناء الجنوب، سواء إلى بلداتهم أو إلى مساكن يستأجرونها في المناطق الواقعة شمال الليطاني. في المقابل، لا يتعامل حزب الله مع ملف النزوح بوصفه أزمة ظرفية، بل يبني خططه على سيناريوات متعدّدة، من بينها احتمال العودة إلى المربع الأول، أي اندلاع الحرب مجدّداً.
ومن هذا المنطلق، يقوم التخطيط على تأمين مراكز إيواء تقع في مناطق أكثر أمناً، وتجهيزها بما يسمح باستقبال النازحين لفترات طويلة إذا اقتضت الحاجة. ويوضح السبع أن العمل في منطقة بيروت انطلق على قاعدة البحث عن مبانٍ مناسبة والاتفاق مع أصحابها على صيغة «الإيواء مقابل التجهيز أو الترميم». ومن بين المواقع التي خضعت للدراسة المدرسة الرسمية الكويتية، ومستشفى الشرق الأوسط الذي عُرض على مالكيه ترميمه وتجهيزه لاستخدامه مركزاً للإيواء لفترة زمنية محدّدة، على أن يستوعب نحو 200 عائلة.
إلا أن دخول الدولة أخيراً على خط معالجة الملف أدّى إلى تعديل جزء من الخطة، بعدما قررت الحكومة تجهيز خمسة مراكز في غرب بيروت لإيواء العائلات المتبقية، هي: مدرستان في الطريق الجديدة، ومبنيان غير مستخدميْن في مجمع بئر حسن التربوي المهني، ومدرسة المستقبل في الخندق الغميق. وإلى هذه المراكز، يضيف العمل الاجتماعي في حزب الله مركزين آخرين هما المدرسة الرسمية الكويتية ومدرسة (LPS) في الجناح، ما يرفع عدد المراكز إلى سبعة، يمكنها استيعاب نحو 1500 عائلة. أمّا في جبل لبنان، فيجري العمل على إنشاء ما بين 10 و12 مركز إيواء، توزّع بين الساحل والجبل، بما يتيح استيعاب ما تبقّى من العائلات النازحة.
السلطة تضيّق الخيارات
ومع مشارفة مرحلة تحديث الإحصاءات على نهايتها، ستتضح الصورة النهائية لأعداد مراكز الإيواء في بيروت والجنوب. وبالتوازي، يستعدّ برنامج «صامدون» لإطلاق الدفعة الثالثة من الحصص الغذائية المخصّصة للعائلات النازحة، في مراكز الإيواء وفي المنازل. وتتبع هذه المرحلة خطوات أخرى، تشمل إعداد قاعدة بيانات بالعائلات الأكثر فقراً لتحديد أولويات الدعم، وإجراء دراسات تهدف إلى تحسين ظروف الإقامة داخل مراكز الإيواء، بحيث تصبح أقرب إلى «بيئة منزلية»، وفق السبع. وفي ما يتعلّق بالأسر الأكثر حاجة، يُجرى حالياً تقييم للآلية الأنسب لتقديم المساعدة، سواء عبر تأمين وجبات يومية تشمل الفطور ووجبة غداء ساخنة، أو من خلال توزيع حصص غذائية متكاملة بصورة منتظمة.
أمّا على مستوى مراكز الإيواء، فيؤكد السبع أن العمل لا يقتصر على توفير الاحتياجات الأساسية، بل يشمل أيضاً تأمين خدمات الإنترنت، ودعم التعليم، وتنظيم أنشطة للأطفال، وإنشاء مساحات للدعم النفسي، إلى جانب دراسة تحسينات إضافية على مستوى ظروف الإقامة. ويضيف: «بدلاً من الاكتفاء بتوفير الفرش للنوم، ندرس إمكان تجهيز المراكز بأسرّة، لكنّ الأمر يخضع لدراسة الكلفة وحجم الاحتياجات». ويشير إلى أن أي تطوير إضافي سيبقى مرتبطاً بحجم التمويل المتوافر للبرنامج. أمّا ملف بدلات الإيواء، فلا يزال خارج نطاق التنفيذ حتى الآن، إذ يقتصر دور برنامج «صامدون» على جمع طلبات المستفيدين والمستندات المطلوبة، فيما تبقى مسؤولية صرف هذه البدلات على عاتق الدولة اللبنانية.
ويلفت السبع إلى أن تضييق السلطة حدّ من الخيارات المُتاحة أمام البرنامج، إذ انعكست الخصومة السياسية مع حزب الله حصاراً على البرنامج والقائمين عليه، ما حال دون تنفيذ عدد من المشاريع التي كان يُعوّل عليها لتأمين حلول أكثر استدامة. ويوضح أن الخيار الأول الذي طُرح مع بداية الأزمة كان إنشاء مجمعات من البيوت الجاهزة لإيواء النازحين، إلا أن الفكرة سقطت سريعاً بعدما «شنّت الحكومة حرباً عليها». ويضيف: «جرّبنا، لكن لم نستطع. طوال الحرب حاولنا إقامة ما بين 30 و40 بيتاً جاهزاً في جدرا وجون، إلا أن رئيس الحكومة حينها تدخّل وأنذر وهدّد». وفي وقت لاحق، تراجعت الدولة جزئياً تحت ضغط مطالب مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة، ووافقت على شراء عدد محدود من البيوت الجاهزة. إلا أن هذه الموافقة بقيت، وفق السبع، محدودة الأثر، إذ يجري البحث في شراء نحو 400 منزل فقط، في حين يتجاوز عدد العائلات النازحة عشرات الآلاف، ما يجعل هذا الحل بعيداً عن تلبية الحاجة الفعلية.
ومنذ الأيام الأولى للحرب، برز اختلاف واضح في طريقة إدارة الملف بين الدولة و«صامدون»، إذ كانت السلطة أقرب إلى جمعية تتوخّى الربح من الأزمة، من دون أن تحلّ شيئاً، فيما استند البرنامج إلى خبرة تنظيمية راكمها خلال حرب عام 2024. فاستكمل العمل وفق الخطة نفسها التي اعتُمدت آنذاك، والقائمة على تقسيم مناطق النزوح إلى 18 قطاعاً جغرافياً، بحيث لا يتجاوز عدد النازحين في كل قطاع عشرة آلاف شخص، بما يسهّل تنظيم عمليات الإغاثة وتوزيع المسؤوليات وآليات التدخّل. واستُثني من هذا التقسيم ثلاثة قطاعات تجاوز عدد النازحين فيها هذا السقف، وهي: قطاع الجية - جدرا - برجا (نحو 16 ألف نازح)، وقطاع جون - الوردانية - سبلين - كترمايا (نحو 12 ألفاً)، وقطاع الدوحة - السعديات - البرجين (نحو 12 ألفاً أيضاً)، ما استدعى اعتماد إجراءات تشغيلية إضافية. ومع تراجع أعداد النازحين في الأشهر اللاحقة، دُمج عدد من القطاعات، فيما بقيت آلية العمل نفسها قائمة.