لبنان ١٠٤٥٢: السيادة والوحدة - ربيع مسعد

  • 24 July 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    يشكّل الحفاظ على سيادة الدولة ووحدة أراضيها أحد أهم مرتكزات الأمن القومي في أي نظام دولي مستقر، إذ لا يمكن لأي دولة أن تبني مستقبلاً آمناً ومزدهراً في ظل استمرار احتلال أراضيها أو وجود تهديدات تمس حدودها وقرارها الوطني. وانطلاقاً من هذا المبدأ، فإنّ انسحاب الاحتلال من كامل الأراضي اللبنانية واستعادة الدولة لسيادتها على كامل مساحة لبنان البالغة ١٠٤٥٢ كلم² يمثلان أولوية استراتيجية لا ترتبط فقط بالبعد الأمني، بل أيضاً بمشروع إعادة بناء الدولة وتعزيز مكانتها داخلياً وإقليمياً.

    المرحلة المقبلة تتطلب مقاربة وطنية شاملة تنقل لبنان من منطق إدارة الأزمات إلى منطق تثبيت الاستقرار المستدام. فاستعادة الأرض لا تكتمل بالانسحاب العسكري فقط، بل تحتاج إلى تعزيز مؤسسات الدولة، وتوحيد القرار السيادي، وتأمين الحدود، وإطلاق مسار اقتصادي واجتماعي يعيد الثقة بين المواطن والدولة. ومن غير المقبول عرقلة الجهود التي تقوم بها الدولة اللبنانية في هذا الإطار طالما أنّ هدفها هو حماية الأرض، إعادة المواطنين إلى مناطقهم، وترسيخ الأمن والاستقرار.

    ان عودة أهلنا في الجنوب إلى قراهم وبلداتهم تشكل عنصراً أساسياً في استراتيجية الأمن الوطني، لأنّ السكان يشكلون جزءاً من قوة الدولة وحضورها على حدودها، لذلك فإنّ إعادة الإعمار والتمكين الاقتصادي والاجتماعي ليست مجرد مشاريع إنمائية، بل هي أدوات استراتيجية لتثبيت الاستقرار ومنع نشوء فراغات أمنية تستغلها القوى المتصارعة.

    فالتاريخ يثبت أنّ الدول التي نجحت في إعادة بناء مناطقها بعد النزاعات، مثل ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لم تعتمد فقط على إعادة بناء الحجر، بل على إعادة بناء الإنسان والمؤسسات والثقة الوطنية.

    وفي المقابل، تظهر تجارب دول أخرى أنّ تقسيم الأوطان لا يؤدي بالضرورة إلى السلام أو الاستقرار، بل قد يفتح الباب أمام أزمات جديدة طويلة الأمد! فتجربة تقسيم شبه القارة الهندية عام ١٩٤٧ وما رافقها من نزوح وصراعات مستمرة تؤكد أنّ تفكيك الجغرافيا لا يعني إنهاء الخلافات، بل قد يحوّلها إلى أزمات ممتدة عبر الأجيال.

    لذلك فإنّ الحفاظ على وحدة لبنان أرضاً وشعباً يجب أن يبقى مبدأً ثابتاً في العقيدة الوطنية والأمن القومي.

    إنّ رفض التقسيم بكل أشكاله، ورفض دعوات التخوين والتهويل والانقسام، يشكلان مسؤولية وطنية في هذه المرحلة الحساسة، فالدول لا تُضعفها الاختلافات السياسية، بل تُضعفها محاولات تحويل هذه الاختلافات إلى مشاريع تفتيت وانقسام، وأي دعوات تهدف إلى تقسيم الوطن أو المساس بوحدته يجب التعامل معها ضمن إطار القانون، لأن وحدة الدولة ليست قضية سياسية ظرفية، بل هي أساس بقاء الوطن وقدرته على مواجهة التحديات.

    وعلى المستوى الإقليمي والدولي، فإنّ لبنان المستقر صاحب السيادة الكاملة يشكل عاملاً إيجابياً في أمن المنطقة. فالدولة القوية القادرة على ضبط حدودها وحماية مواطنيها تكون أكثر قدرة على بناء علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي وجذب الدعم لإعادة الإعمار والتنمية.

    الإستراتيجية الوطنية المطلوبة اليوم تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية: استعادة السيادة الكاملة، تثبيت وحدة الدولة، وتمكين المواطنين من العودة والعيش بأمان وكرامة على أرضهم، فالأوطان لا تُحمى فقط بالقوة، بل أيضاً بوحدة الإرادة الوطنية وبناء المؤسسات، وكما أثبت التاريخ، فإنّ الدول التي حافظت على وحدتها وسيادتها استطاعت تجاوز أصعب الأزمات، بينما دفعت الدول التي سمحت بالتفكك ثمناً باهظاً من أمنها ومستقبلها.