هل نجحنا في بناء لبنان الذي حلم به الحويك؟ ألكسندر نعمه

  • 24 July 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    في نهاية هذا الأسبوع، تتجه أنظار اللبنانيين إلى الديمان، حيث يُعلَن تطويب البطريرك الياس الحويك، أحد أبرز رجالات الكنيسة المارونية، وأحد الآباء المؤسسين لدولة لبنان الكبير.
    سيكتب كثيرون عن حياته، وعن قداسته، وعن دوره التاريخي في ولادة لبنان الكبير، وستُستعاد محطات نضاله في مؤتمر الصلح في باريس، وإيمانه العميق بحق اللبنانيين في وطن حر يجمعهم. وستكون هذه كلها محطات مستحقة في تكريم رجل ترك أثرًا لا يُمحى في تاريخ لبنان.
    لكن، بعد أكثر من مئة عام على إعلان دولة لبنان الكبير، لا أعتقد أن السؤال الأهم هو: من كان البطريرك الحويك؟
    السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو:
    هل نجحنا في بناء لبنان الذي حلم به الحويك؟
    لعل أكثر ما يختصر رؤيته تلك العبارة التي بقيت شاهدة على مشروعه الوطني:
    "أنا بطريرك الموارنة، طائفتي لبنان، وأنا لكل اللبنانيين."

    لم تكن هذه مجرد عبارة بلاغية، بل إعلانًا عن رؤية سياسية ووطنية متقدمة على زمنها. فقد بدأ الحويك بتأكيد هويته الكنسية، لكنه لم يجعلها حدود رسالته، بل أعلن أن انتماءه الأوسع هو لبنان، وأن مسؤوليته لا تقف عند أبناء طائفته، بل تمتد إلى جميع اللبنانيين.
    إنها رؤية لا تختصر رجل دين، بل تعكس مفهومًا للدولة والوطن ما زال لبنان، بعد أكثر من قرن، يسعى إلى تحقيقه.

    فالحويك لم يناضل من أجل رسم حدود على خريطة، ولم يكن مشروعه مجرد إنشاء كيان سياسي جديد. فالكيانات قد تُولد بقرار دولي، وقد تُرسم حدودها بالاتفاقات، أما الأوطان فلا تُبنى إلا عندما يشعر جميع أبنائها بأنهم متساوون في الانتماء والحقوق والواجبات.
    وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية.
    فهل نجحنا، خلال أكثر من مئة عام، في تحويل لبنان من كيان سياسي إلى وطن؟
    قد يختلف اللبنانيون في تقييم التجارب السياسية التي مر بها بلدهم، لكن يصعب إنكار حقيقة واحدة: أننا ما زلنا، في كثير من الأحيان، نتعامل مع الدولة من خلال انتماءاتنا الطائفية والسياسية، أكثر مما نتعامل معها باعتبارها الإطار الجامع لنا جميعًا.

    ولا يزال كثير من اللبنانيين يشعرون بأن الطائفة توفر لهم ما تعجز الدولة عن توفيره، وأن الزعيم يحميهم أكثر مما يحميهم القانون، وأن الولاء للجماعة أكثر نفعًا من الانتماء إلى المؤسسة.
    وهنا لا تكمن المشكلة في النصوص الدستورية، ولا في شكل النظام السياسي فقط، بل في سؤال أعمق يتعلق بثقافة المواطنة نفسها.
    فالوطن لا يُبنى عندما تتساوى الطوائف في تقاسم السلطة، بل عندما يتساوى المواطنون أمام القانون. ولا يصبح الإنسان مواطنًا لأنه يحمل هوية لبنانية، بل عندما يؤمن بأن مصلحة الوطن تتقدم على مصلحة الجماعة، وأن المؤسسات يجب أن تكون أقوى من الأشخاص، وأن العدالة لا تُقاس بالانتماء، بل بالحق.
    ولعل هذا هو الامتحان الذي ما زال لبنان يخوضه منذ ولادته.

    فالعيش المشترك ليس مجرد تعايش بين الطوائف، بل مشروع لبناء ثقة متبادلة، وشعور حقيقي بأن هذا الوطن يتسع للجميع، وأن مستقبل أي جماعة فيه لا يمكن أن يتحقق على حساب جماعة أخرى.

    ومن هنا، فإن بناء لبنان الذي حلم به الحويك لا يبدأ بإصلاح قانون، ولا بإقرار نظام جديد، ولا بتعديل دستوري، على أهمية كل ذلك، بل يبدأ بإعادة بناء مفهوم المواطن.
    مواطن يرى في الدولة مرجعيته الأولى، وفي القانون ضمانته، وفي الكفاءة معيارًا لتولي المسؤولية، وفي التنوع مصدر غنى لا سببًا للخوف.
    كما يبدأ بإعادة الاعتبار للمؤسسات التي تصنع هذا المواطن: الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والأحزاب السياسية، والإعلام، وكل مساحة تربي الأجيال الجديدة على ثقافة المشاركة والمسؤولية واحترام الاختلاف.
    ولعل أصعب ما يواجه لبنان اليوم ليس تنوعه، بل عجزه عن تحويل هذا التنوع إلى مشروع وطني جامع. فالاختلاف لم يكن يومًا المشكلة. المشكلة كانت دائمًا في إدارة الاختلاف

    ولعل في توقيت تطويب البطريرك الياس الحويك رسالة تتجاوز البعد الكنسي، لتلامس عمق الواقع الذي يعيشه لبنان والمشرق اليوم.
    ففي زمن تتراجع فيه أعداد المسيحيين في هذه المنطقة بفعل الحروب، والهجرة، والأزمات الاقتصادية، وتزداد فيه المخاوف على مستقبل حضورهم التاريخي، يأتي هذا الحدث ليؤكد أن المسيحيين ليسوا مجرد صفحة من تاريخ هذا الشرق، بل هم جزء أصيل من هويته، ومن رسالته، ومن مستقبله.

    لكن أهمية هذه الرسالة لا تكمن في تثبيت وجود جماعة بعينها، بل في تثبيت الفكرة التي حملها الحويك طوال حياته: أن قوة المسيحيين في لبنان لا تُقاس بعددهم، ولا بحجم نفوذهم السياسي، بل بمقدار مساهمتهم في بناء وطن يشعر فيه كل إنسان، مهما كان انتماؤه، أنه شريك كامل في الأرض والدولة والمصير
    .
    فإذا كان الحويك قد قال يومًا: أنا بطريرك الموارنة، طائفتي لبنان، وأنا لكل اللبنانيين، فإنه لم يكن يختصر هوية رجل دين، بل كان يرسم هوية وطن. وطن لا يلغي خصوصيات مكوناته، لكنه يجعلها تلتقي في مشروع وطني واحد.
    وهذا، ربما، هو المعنى الأعمق لتطويبه اليوم؛ أن القداسة لا تُكرّم فقط حياة رجل، بل تُعيد إحياء فكرة تستحق أن تبقى حية في وجدان اللبنانيين.
    ولهذا، فإن تطويب البطريرك الياس الحويك لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة للاحتفال برجل استثنائي، بل فرصة وطنية لإعادة قراءة المشروع الذي ناضل من أجله.
    مشروع وطن لا يشعر فيه أحد أنه غريب. ولا يحتاج فيه المواطن إلى وسيط بينه وبين دولته.
    ولا تُقاس فيه قيمة الإنسان بطائفته، بل بما يقدمه لوطنه. حينها فقط، لن يكون الحويك قد ربح معركة التاريخ وحده، بل يكون لبنان قد ربح معركة الوطن.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology