بين اتفاق الإطار وإسلام آباد: واقع الجنوب أسوأ من قبل 2 آذار

  • 24 July 2026
  • 17 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image
    غادة حلاوي -

    ينتظر أهالي زوطر الغربية إذناً من الجيش للدخول إلى بلدتهم. بلدة صغيرة، أهلها متحدون. قال الرجل الكهل، وقد مضى على انتظاره يومان متتاليان من دون أن يتمكن من دخول قريته. وسيدة أخرى تنتظر الفرج لتلجأ إلى مدرسة البلدة التي ستؤويها بعد أن دُمّر منزلها. والمدرسة القريبة قد تكون أحن عليها من سابقة اختبرتها.

    حكايات تختزل معاناة أهالي الجنوب، الذين باتوا لا حول لهم ولا قوة إلا بالعزم والإرادة. تشكل بلدة زوطر الغربية نموذجاً عن حال الجنوب: قرى على الحافة الأمامية قد لا تعود إلى أهلها، وإن عادت فستكون عودتها متأخرة، بعد أن تحولت إلى أرض محروقة وغير آهلة للسكن. تليها قرى مدمرة بشكل شبه كامل جراء الغارات، أو متضررة بفعل القصف المدفعي. ورغم ذلك، يصر أهل الجنوب على العودة، ليفترشوا أرضهم، ويلتحفوا السماء غطاءً، حيث رحمة الله أوسع من قسوة البشر.



    مساحة صغيرة في زوطر يعمل الجيش على تنظيفها من الألغام ومخلفات الحرب، لتصبح صالحة للسكن، فيما يُحظر على الأهالي الاقتراب من حدودها مع زوطر الغربية، أو من الأحياء التي فرضت إسرائيل هيمنتها عليها بالنار.



    لن ينتظر أحد أهالي زوطر إن دخلوا بأكاليل الغار، ولن يجدوا من يحدثهم عن عودتهم. فمنذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، لم يخرج أحد ليشير للناس إلى مصيرهم، فيما هم سجناء المدارس وقاعاتها الضيقة. كانت عودتهم طوعية، ومن عاد منهم لم يجد من يحاكي وجعه.



    وللعلم، ثمة في الجنوب عائلة تعيش في منزلها الذي تعرض لغارة، بعد أن اخترق صاروخ طوابقه من دون أن ينفجر، مخلفاً ثلاث فتحات متتالية. إزالة الصاروخ تتطلب حضور الجيش، لكنها عملية مكلفة، ويُفترض أن تتم على نفقة أصحاب المنزل. ورغم ذلك، عاد أهل البيت إليه، وسكنوه، وطوقوا فتحة الصاروخ بإطار خشبي. في الجنوب تسمع روايات الألم والحسرة، لكنك لا تسمع رواية الانكسار.



    بين اتفاق الإطار واتفاق إسلام آباد، يعيش الجنوبيون على أمل. الأول منحهم نصف منطقة تجريبية، بمثابة امتحان لدولتهم وجيشهم الذي يشكل بارقة الأمل الوحيدة في البلد. أما الثاني فلم يؤمن لهم سوى تحييد الضاحية، التي ترزح هي الأخرى تحت عبء الدمار والركام، وخشية أهلها من أن يرتبط مصيرها بالحرب الإيرانية – الأميركية المرشحة للتوسع.



    عقب حرب الإسناد الأولى التي انتهت باتفاق تشرين، انسحبت إسرائيل من معظم المناطق باستثناء بعض النقاط، واستمرت في استباحة الأجواء، لكن الأهالي عادوا إلى قراهم. أما عقب حرب الإسناد الثانية، فلم تعد هناك أرض مؤهلة للعودة. شُطبت نحو خمسين قرية عن الخريطة، ورسمت إسرائيل خطاً أصفر وهمياً، حدوده مطاطة وخاضعة لاعتباراتها الأمنية.



    ورغم اتفاق الإطار، وجلسات المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وزيارة واشنطن الإيجابية، ورغم كل ما قدمه لبنان من تنازلات، تستمر إسرائيل في عدوانها، فتفجر المنازل، وتحرقها حتى في المناطق المحاذية لانتشار الجيش اللبناني. علم زرعه رئيس الحكومة اللبنانية في زيارة خاطفة إلى زوطر الغربية، قابلته إسرائيل بشك علمها فوق قلعة دوبية. تتحدى إسرائيل الدولة والجيش، ويقابل كل ذلك بعجز كامل.



    منذ بدأت المفاوضات، كان حزب الله يرفض العودة إلى ما كان عليه الوضع في الجنوب قبل الثاني من آذار. لكن واقع اليوم بات أصعب، وقد يستمر ما دام مرهوناً باتفاق الإطار الذي لم ينجح في انتزاع جدول زمني لانسحاب إسرائيل، وهذا ما يعني أن الانسحاب ليس وارداً في حساباتها، وربما يصبح مرتبطاً باتفاق سلام شامل، أو اتفاق أمني شامل، أو بنتائج اتفاق إسلام آباد والحرب الإيرانية – الأميركية التي قد تستغرق وقتاً طويلاً أيضاً. وفي كلتا الحالتين، سيكون وضع الجنوب والجنوبيين بالغ الصعوبة. فثمة فرق بين من يفاوض على الورق، ومن يفاوض بالنار فيما أهله نازحون.



    يرفض حزب الله الدخول في حرب جديدة اليوم ردًا على استمرار العدوان. وعلى حد قول أوساطه، فهو لا يريد أن يمنح إسرائيل فرصة لتوسيع الحرب، ولا يزال يعول على اتفاق إسلام آباد لتأمين وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي كامل. ويعتبر أن الأميركي سيعود حتمًا إلى طاولة المفاوضات، وإن لم يفعل، فإن لدى إيران أوراقًا لم تستخدمها بعد.



    لكن ماذا لو انخرطت إسرائيل في الحرب على نطاق أوسع؟ هل سيعود الحزب إلى الانخراط فيها مجددًا؟ سؤال يرفض الإجابة عنه بصورة مباشرة، كي لا يقدم تطمينات لإسرائيل، لكنه يؤكد أن الوضع اليوم مختلف، ولكل مرحلة حساباتها المعقدة.

    هكذا بات واقع الجنوب معلقًا على مدى التزام إسرائيل باتفاق الإطار، وهو أمر سيمر بمحطات شائكة، ولعل زوطر خير مثال على انقلاب إسرائيل على ما تم تحديده في مفاوضات روما، فيما يتكرس الفصل بين لبنان واتفاق إسلام آباد.

    في المقابل، لم يقدم معارضو اتفاق الإطار ما يدعم وجهة نظرهم. فالوثيقة لم تُعرض على مجلس الوزراء، ورئيس الجمهورية قال إنه لا حاجة لإحالتها إلى مجلس النواب لأنها تدخل ضمن صلاحياته. وداخل الحكومة، مُررت قرارات ضد حزب الله، كان أصعبها أنهاء الوجود العسكري. ومع ذلك، استمر وزراء الثنائي في الحكومة، ولم يطرحوا في أي جلسة حتى سؤالًا للاستفسار، أو احتجاجًا يُدوّن في محاضر الجلسات اعتراضًا على الاتفاق. وبالمقارنة مع مواقفهم المعلنة، يمكن اعتبار وزراء الثنائي شهود زور داخل الحكومة، أو أنهم يسكتون عما لا يرضون به.



    في واقعة زوطر، وُجه اللوم إلى نواف سلام بسبب زيارته السريعة لشك العلم، في إشارة مقصودة إلى عودة الدولة الرسمية. لكن سلام قام بالزيارة، لأي اعتبارات كانت، فيما غاب كثيرون من أهل الأرض التي تفتقد إلى أثرهم. واقع الجنوب اليوم معلق بين اتفاقين، أصعبهما ذاك الذي اعتبرته إسرائيل مكسبًا، فيما أظهرت الوقائع أنه تنازل عن جزء من السيادة. وسيادة كهذه لن تستعيدها شكة علم، بل ملامسة وجع الناس وحمايتهم، وهذا ما عجزت عنه الدولة والأحزاب.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology