قمة واشنطن وعودة الدولة… ماذا يقول الحزب؟

  • 23 July 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image
    غادة حلاوي -

    ليست كل زيارة ناجحة انتصاراً، وليست كل صورة في البيت الأبيض إنجازاً. لكن بعض الزيارات تنجح لأنها تغيّر اتجاه السياسة، لا لأنها تغيّر موازين القوى. هذا ما فعله الرئيس جوزاف عون في واشنطن. فقد أعاد الدولة اللبنانية إلى واجهة المشهد، فيما بدا أن بقية اللاعبين ينتظرون ما ستؤول إليه المرحلة المقبلة.

    قبل الزيارة، انشغل اللبنانيون بما قد يقوله دونالد ترامب. وبعدها، انشغلوا بما قاله جوزاف عون. وهذه، بحد ذاتها، كانت أولى نتائجها.

    دخل عون البيت الأبيض وسط توقعات بأن يتحول اللقاء إلى اختبار صعب، أو إلى منصة يفرض فيها الرئيس الأميركي إيقاعه المعروف، القائم على إحراج ضيوفه أو دفعهم إلى مواقف غير محسوبة. لكن المشهد جاء مختلفاً. لم يحرج ترامب ضيفه اللبناني، ولم يدفعه إلى مواقف يستحيل الدفاع عنها في الداخل، فيما نجح عون في رسم مساحة لبنانية واضحة، تحدث فيها عن السلام من دون الوقوع في فخ التطبيع، وعن السيادة من دون لغة التصعيد، وربط الاستقرار بانسحاب إسرائيل، وتعزيز الجيش، واستعادة الدولة لاحتكار قرار السلم والحرب.

    والأهم أن خطابه لم يكن موجهاً إلى واشنطن وحدها. فقد خاطب الداخل اللبناني أيضاً، ولا سيما عندما تحدث عن الرئيس نبيه بري بوصفه شريكاً وطنياً، ورئيساً للمجلس النيابي، وابناً للجنوب، في رسالة تعكس إدراكاً بأن أي انتقال نحو دولة قوية لا يمكن أن يتم عبر كسر التوازنات الداخلية، بل عبر إعادة جمعها حول مشروع الدولة.

    لكن نجاح الزيارة يبقى، حتى الآن، نجاحاً سياسياً ودبلوماسياً أكثر منه نجاحاً عملياً. فالبيت الأبيض منح لبنان اهتماماً واضحاً، لكنه لم يمنحه بعد الضمانة التي ينتظرها: لا جدولاً زمنياً ملزماً للانسحاب الإسرائيلي، ولا التزاماً أميركياً صريحاً بفرض هذا الانسحاب. لذلكَ، يبقى الامتحان الحقيقي خارج البيت الأبيض، وتحديداً في القرى الجنوبية المحتلة.

    ولعل اللافت أن خطاب رئيس الجمهورية ولّد تقاطعاً سياسياً نادراً. فالتيار الوطني الحر اعتبر أن اللقاء يمكن أن يؤسس لمسار سيادي جديد، شرط أن يبدأ بانسحاب إسرائيل الكامل، وانتشار الجيش، وحصر السلاح بيد الدولة، وربط أي انفتاح خارجي بإصلاح داخلي حقيقي. ومن جهته، رأى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي تيمور جنبلاط أن خطاب عون أكد الثوابت التي تفتح الطريق أمام استقرار مستدام، معلناً دعمه للرئيس في ترجمة هذه المبادئ إلى خطوات عملية، تبدأ بوقف دائم لإطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، وحصرية السلاح، ودعم الجيش، وعودة أبناء الجنوب، وإعادة الإعمار، وتثبيت السلم الأهلي. كما بعث والده الرئيس السابق للاشتراكي وليد جنبلاط رسالة إلى عون مهنئاً إياه على خطابه في السفارة اللبنانية في واشنطن. قد لا يكون هذا التقاطع تحالفاً سياسياً، لكنه يعكس ولادة مساحة وطنية مشتركة عنوانها الدولة. وهذه ربما تكون النتيجة السياسية الأهم للزيارة.

    وفي موازاة مشهد واشنطن، جاءت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى زوطر الغربية لتذكّر بأن استعادة الدولة لا تتحقق بالخطب وحدها. فمشهد السيدة الجنوبية التي عاتبت المسؤولين لأنها لم تتمكن بعد من العودة إلى بلدتها، بينما دخلها رئيس الحكومة، اختصر المسافة بين الدولة كما تظهر في البيانات والدولة كما يشعر بها المواطن.

    ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل نجحت زيارة واشنطن؟ بل: هل تستطيع الدولة أن تترجم هذا الزخم السياسي إلى وقائع على الأرض؟

    فالجنوب لا يزال يعيش تحت الاحتلال، وإسرائيل لا تزال تتحرك بحرية، والمنطقة الأمنية تكاد تتحول إلى أمر واقع. وإذا لم يبدأ الانسحاب الكامل، وإذا لم ينتشر الجيش على كامل الأراضي المحررة، وإذا لم يعد الأهالي إلى قراهم، فإن كل الكلام عن السيادة سيبقى ناقصاً.

    وفي المقابل، بدا حزب الله أقل حضوراً في صناعة المشهد السياسي، مكتفياً بتكرار مواقفه الرافضة لحصرية السلاح وللاتفاق-الإطار، فيما تضيق خياراته مع تعثر الرهانات الإقليمية.

    لم يصدر حزب الله أي موقف رسمي من الزيارة، إلا أن أوساطه تتساءل عن النتائج العملية للقاء، وتستغرب ما تعتبره افتعالاً لملف الانسحاب بالتزامن مع اللقاء، والإعلان عن بدء تنفيذ المناطق التجريبية بالتزامن مع اجتماع الرئيس جوزاف عون ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي بسببه أُرجئ الاجتماع مع لجنة السنتكوم الخاصة بلبنان. كما كان الحزب يتمنى أن تنتهي الزيارة بموقف أميركي يضع حداً للتفجيرات الضخمة التي يشهدها الجنوب، ولعمليات جرف المنازل، مبدياً خشيته من أن تكون كل التنازلات التي قدمها لبنان ثمنًا لهذه الزيارة. ولم يكن خطاب عون في الولايات المتحدة مستفزًا لحزب الله، لكن نتائجه لم تتضح بعد على مستوى الجنوب. ويتساءل الحزب: هل أدت الزيارة إلى انتزاع ضمانة أميركية بانسحاب إسرائيل من الجنوب؟ وماذا عن إعادة الإعمار والتعويضات للمتضررين؟ ومن الثغرات التي يتحدث عنها حزب الله، على لسان أوساطه، التزام عون الصمت حيال حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تدخل الرئيس أحمد الشرع في لبنان. إلا أن عدم استخدام عون أي لغة مستفزة تجاه الحزب يُعد عاملًا مشجعًا على استمرار الحوار.

    يبقى أن نجاح الدولة لا يُقاس بتراجع خصومها، بل بقدرتها على ملء الفراغ الذي يتركه هذا التراجع، واستعادة ثقة اللبنانيين بها. السياسة لا تحفظ عدد المصافحات، ولا تتذكر دفء الاستقبالات. إنها تتذكر ما تبدّل بعدها. وإذا كانت واشنطن قد منحت الدولة اللبنانية فرصة جديدة، فإن الجنوب وحده سيحكم على نجاحها. هناك، لا في البيت الأبيض، يبدأ الامتحان الحقيقي.