جغرافيا الفرصة المسيحية! الساحل يستفيد من خرائط النقل

  • 23 July 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الجمهورية
    • article image
    طلال عساف -

    مع انطلاق دينامية إعادة رسم خرائط النقل والطاقة في المشرق، لا تستفيد الدول ككتلة واحدة، بل تستفيد المحاور الجغرافية الواقعة فعلياً على مسارات الحركة. خطّ الحجاز الحديدي، وإحياء أنبوب كركوك - بانياس، والفرع اللبناني التاريخي الذي غذّى مرفأ طرابلس منذ سنة 1934، كلّها مشاريع تُعيد تفعيل محور الساحل اللبناني الشمالي والوسطي، وامتداده البقاعي نحو دمشق. يمرّ هذا المحور، بحُكم الجغرافيا لا بحُكم أي اعتبار آخر، عبر كسروان وجبيل والبترون وطرابلس وزحلة. فهل مَن يملك أدوات تحويل هذه الفرصة من احتمال جغرافي إلى واقع اقتصادي.العرب وشعوب الشرق الأوسط

    المحاور الثلاثة

    يقع المحور الساحلي، من جونية إلى البترون مروراً بكسروان وجبيل، عند الطريق الرابط بين بيروت وطرابلس. ينعكس أي تنشيط للحركة اللوجستية على هذا الخط مباشرةً على قيمته العقارية والتجارية. هذه منطقة تجارة عابرة بامتياز، لا تحتاج بُنية تحتية جديدة بقدر ما تحتاج مروراً حقيقياً عبرها

    الشمال، بعمقه الخلفي لمرفأ طرابلس، هو المستفيد الأكبر من مسارَين متوازيَين. تحوُّل المرفأ إلى نقطة في شبكة الحجاز الحديثة من جهة، وإدراج الفرع النفطي التاريخي كركوك - طرابلس ضمن مفاوضات كركوك - بانياس من جهة أخرى. يملك هذا المحور ما لا تملكه المحاور الأخرى. بنية تحتية قائمة فعلياً، ولو خاملة، من مرفأ ومصفاة ومحطات ضخّ ومطار (القليعات) أُنشئ أصلاً لخدمة منشآت النفط.

    تمثّل زحلة والبقاع الغربي الحالة الأوضح جغرافياً. فهما يقعان في قلب محور بيروت - دمشق. إعادة فتح هذا الممر تجارياً، مع بُعد سككي مضاف، تُحوّل زحلة من مدينة مطاعم وخدمات إلى عقدة اقتصادية تربط الساحل بالبرّ الشامي.

    هذه المحاور الثلاثة ليست حكراً على مكوّن سياسي أو طائفي بعينه، على رغم من أنّها تقع في مناطق ذات كثافة سكانية مسيحية عالية. المنطق الذي يحكمها جغرافي - اقتصادي بحت. مَن يقع على المسار يستفيد، ومَن لا يقع عليه لا يستفيد، بصرف النظر عن هوية سكانه. أي محور آخر في لبنان يقع فعلياً على مسار نقل أو طاقة إقليمي يخضع إلى المنطق نفسه.

    مَن يملك أدوات التحريك؟

    لا تصنع الجغرافيا وحدها فرصة اقتصادية. يتطلّب تحويلها إلى واقع فاعلِين قادرين على التحرُّك على 3 مستويات متزامنة:

    1- على المستوى السياسي - التشريعي، القوى السياسية الممثِّلة لهذه المناطق في المجلس النيابي والحكومة (نواب كسروان-جبيل، الشمال، البترون، زحلة) هي الجهة القادرة على وضع هذا الملف على طاولة الحكومة كأولوية تفاوضية، لا كموضوع ثانوي يُترَك لمبادرات فردية. هذا يعني أساساً طرح مشروع قانون أو مذكّرة رسمية، تطلب إدراج مرفأ طرابلس ضمن أي تفاوض إقليمي على البنية التحتية، تماماً كما طرحت دول أخرى (الأردن، تركيا مثالاً) مذكّرات تفاهم رسمية بمجرّد ظهور الفرصة.

    2- على المستوى الديبلوماسي، يحتاج أي تحرُّك جدّي قناة اتصال مباشرة مع الأطراف الفاعلة في الملفَين، الرياض وأنقرة لخط الحجاز، واشنطن وبغداد ودمشق لخط بانياس. غياب لبنان عن طاولتَي التفاوض هو بفعل غياب المبادرة. ويكمن الدرس المستخلص من تجربة الأردن وتركيا في الأشهر الأخيرة، في أنّ الحضور على طاولة القرار يبدأ بمذكرة تفاهم أولية لا تحمل التزامات مالية، تماماً كما فعل العراق مع الائتلاف الأميركي - القطري.

    3- على المستوى الاستثماري، تُمثّل الرساميل المغتربة من أبناء هذه المناطق تحديداً، وهي كثافة اغترابية عالية تاريخياً في كسروان وجبيل والبترون والشمال، مصدر تمويل جاهزاً لا يحتاج انتظار تمويل دولي أو مساعدات مشروطة. ويتطلّب تفعيل هذا الرابط حاضنة استثمارية واضحة (شراكة بين القطاع الخاص المحلي والمغتربين) أكثر ممّا يحتاج انتظار قرار حكومي شامل.

    الفرصة الجغرافية موجودة وموثّقة. ثمة محور ساحلي على طريق تجاري تاريخي، ومرفأ يملك طاقة استيعابية غير مستغلة، وفرع نفطي منسي لكنّه موثّق بتواريخ ومحطات ضخّ لا تزال قائمة، ومحور بقاعي في قلب أقدم طريق تجاري بين الساحل والداخل الشامي. ما ينقص ليس الجغرافيا، بل قرار سياسي يحوّل هذه المعطيات إلى ملف تفاوضي رسمي، قبل أن تُغلق النوافذ التي فتحتها التطوُّرات الإقليمية الأخيرة.