خط النفط العراقي السوري: كيف يمكن أن يستفيد لبنان؟

  • 22 July 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image

    علي نور الدين -

    وقّعت الحكومة السوريّة، يوم الجمعة الماضي، مذكرتيّ تفاهم مع العراق وائتلاف من الشركات الدوليّة، لإعادة إحياء خط نقل النفط الخام ما بين كركوك وبانياس. وبينما تضمّنت المذكّرة الأولى التصوّرات العمليّة لمشروع إعادة تأهيل الخط، نصّت المذكرة الثانية على إعداد الدراسات الفنيّة والماليّة ووضع الأسس التنفيذيّة، من قبل تجمّع شركات يضم Chevron وTI Capital وUCC Holding. وكان من الواضح أن الاتفاقيّة استندت إلى دعم وحماسة أميركيّة كبيرة، مع توقّعات بمساهمة الشركات الأميركيّة في الاستثمار بهذا الخط مستقبلاً، بعد أن تولّت الآن القيام بدراسات الجدوى والتخطيط. مع الإشارة إلى أنّ المشروع يستهدف الوصول إلى طاقة تشغيليّة تبلغ مليوني برميل يومياً.

    بطبيعة الحال، يعكس هذا المشروع توجّهات إقليميّة ذات طابع سياسي، خصوصاً أنّه سيفتح الباب أمام تكامل اقتصادي مستقبلي بين سوريا والعراق، بما يقلّص من اعتماد العراق على مضيق هرمز لتصدير النفط الخام. كما لا يمكن فصل المشروع عن التحوّلات التي تحصل على مستوى سلاسل إمداد مصادر الطاقة في المنطقة، التي تتجه نحو تنويع خطوط تصدير النفط، خصوصاً بعدما بيّنت حرب الخليج الأخيرة خطر تركّز الإمدادات في منطقة جغرافيّة واحدة. وربما لهذا السبب، وجدت واشنطن في المشروع غاية سياسيّة توازي بأهميّتها الجدوى الاستثماريّة التي ستستفيد منها الشركات الأميركيّة.

    العراق وتنويع خطوط التصدير

    كشفت الأحداث الأخيرة هشاشة سلاسل الإمداد النفطيّة العراقيّة. فالعراق كان ينتج، قبل اندلاع الحرب في الخليج، قرابة 4.19 مليون برميل يومياً من النفط الخام. وبشكل عام، يمكن القول أن الغالبية الساحقة من هذا الإنتاج كان يتم تصديرها بحراً عبر مضيق هرمز.

    خط الأنابيب الوحيد الذي كان يتيح للعراق تصدير النفط من دون العبور بمضيق هرمز، كان خط العراق-تركيا، والذي تقتصر سعته القصوى على نحو 450 ألف برميل يومياً فقط. مع الإشارة إلى أنّ هذا الخط توقّف عن العمل في آذار 2023، بسبب خلافات قانونيّة ما بين بغداد وإقليم كردستان وتركيا. وبعد إعادة تشغيل الخط في آذار الماضي، اقتصر حجم التدفّق فيه على نحو 177 ألف برميل يومياً في شهر نيسان. وبهذا المعنى، يمكن القول إن قدرة العراق على تصدير النفط عبر الأنابيب، ومن دون العبور بمضيق هرمز، لم تتجاوز 4 بالمئة من متوسّط الإنتاج اليومي المعتاد قبل الحرب.

    وهذا بالتحديد ما يعكس حجم المأزق العراقي، المتمثّل بتأثير الخضّات الجيوسياسيّة على إمدادات تصدير النفط. فبسبب الاضطرابات الحاصلة في منطقة الخليج العربي، لم يتجاوز متوسّط الإنتاج اليومي العراقي خلال شهر حزيران الماضي حدود 1.97 مليون برميل يومياً، ونحو 1.52 مليون برميل يومياً خلال شهر أيار، في حين أنّ الطاقة الإنتاجيّة العراقيّة القصوى تتجاوز مستوى 4.9 مليون برميل يومياً.

    هنا تظهر بسرعة أهميّة خط تصدير كركوك بانياس، المُزمع إعادة تأهيله خلال الفترة المقبلة. فالمشروع المطروح حالياً يمتلك قدرة استعابيّة تبلغ 2 برميل يومياً من النفط الخام؛ أي ما يقارب 41 بالمئة من إجمالي القدرة الإنتاجيّة النفطيّة العراقيّة. وبالتالي، سيتمكّن العراق، في حال تنفيذ المشروع، من تصدير هذه النسبة من نفطه، من دون العبور بمضيق هرمز. وهذا ما يحقق الهدف الذي تنشده جميع دول المنطقة المُصدّرة للنفط والغاز؛ أي تنويع سلاسل الإمداد وخطوط التصدير، وتخفيض مخاطر الاضطرابات الجيوسياسيّة على قطاع الطاقة.

    ومن المعلوم أن جذور خط كركوك-بانياس تعود للعام 1952، حين تم تشييده بقدرة استيعابيّة تقارب 300 ألف برميل يومياً. وكان هذا الخط جزءاً من منظومة الأنابيب العراقيّة، المخصّصة للتصدير عبر البحر المتوسّط، التي كانت تربط أيضاً العراق بطرابلس في لبنان وحيفا في فلسطين (توقّف عن العمل بعد النكبة عام 1948). وتماماً كخط كركوك-طرابلس، توقّف خط كركوك-بانياس عن العمل في الثمانينيات، في أعقاب التوتّرات ما بين نظامي صدام حسين وحافظ الأسد، نتيجة موقف النظام السوري من الحرب العراقيّة الإيرانيّة، مع الإشارة إلى أنّ البلدين حاولا إعادة تشغيل خط كركوك-بانياس بشكلٍ محدود في أواخر التسعينيات، قبل إيقافه عن العمل كلياً بعد الغزو الأميركي للعراق.

    لبنان في المعادلات الإقليميّة

    لن يكون لبنان بعيداً عما يجري على مستوى المنطقة، من بحث في مشاريع الطاقة الهادفة إلى إعادة هندسة سلاسل الإمداد. فمنذ ما قبل الحرب الأخيرة، كان البحث قد بدأ محلياً في المشاريع التي تسمح بربط لبنان اقتصادياً بالمنطقة، وبما يحقّق التكامل على المستوى الإقليمي. وجزء كبير من هذا البحث تركّز على قطاع الطاقة بالذات، خصوصاً خطوط إمداد النفط والغاز. وحتّى هذه اللحظة، ما زال لبنان يقف على مفترق طرق بين مشاريع إقليميّة عدّة يمكن أن يتكامل معها، مع إمكانيّة التكامل مع مشاريع مختلفة في قطاعات مختلفة.

    قد يرى البعض -للوهلة الأولى- أن إعادة تأهيل خط كركوك-بانياس سيزاحم وينافس مشاريع أخرى يمكن أن يستفيد منها لبنان، مثل إعادة تأهيل خط كركوك-طرابلس، الذي يسمح أيضاً بتصدير النفط العراقي عبر البحر المتوسّط. غير أنّ التدقيق في المشهد قد يؤدّي إلى خلاصات مختلفة. إذ في حال تنفيذ هذا المشروع، سيكون في إمكان لبنان استجرار النفط إلى أراضيه عبر خط فرعي، انطلاقاً من خط كركوك-بانياس، وهذا ما سيسمح بدوره بإنتاج المشتقات النفطيّة عبر منشآت تكرير محليّة. وفي النتيجة، سيكون بإمكان لبنان استعمال هذه المشتقات النفطيّة للاستهلاك المحلي، أو للتصدير باتجاه الأسواق الخارجيّة. وبهذا الشكل، قد يؤدّي التكامل الإقليمي إلى قيمة مُضافة أعلى، في المشاريع الاستراتيجيّة داخل كل دولة.

    في جميع الحالات، تتجه المنطقة بأسرها نحو مرحلة جديدة، حيث تتقدّم الاعتبارات المتعلّقة بأمن الطاقة وتنويع سلاسل الإمداد على الاعتبارات التقليديّة التي حكمت قطاع النفط لعقود. ولهذا السبب، لن ينحصر السؤال الأهم أمام لبنان بهويّة المشاريع الإقليميّة التي سيدعمها ويتكامل معها، بل بكيفيّة توظيف موقع لبنان وبنيته التحتيّة للاندماج بهذه المشاريع، وتحويلها إلى فرصة لتنشيط الاقتصاد وتحقيق التعافي المالي، واستعادة دور لبنان التاريخي كمركز لوجستي وخدماتي على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology