لبنان وثمن الغياب: من الحجاز إلى كركوك
-
22 July 2026
-
7 hrs ago
-
-
source: tayyar.org
-
طلال عساف - الجمهورية
في 9 حزيران 2026، وقّع وزيرا النقل السعودي والتركي في الرياض مذكرتَي تفاهم في مجالَي السكك الحديد والخدمات اللوجستية. هذا التوقيع حلقة في سلسلة متراكمة، تُعيد رسم خريطة النقل الإقليمي، وتطرح على لبنان سؤالاً مصيرياً: هل يُدرج نفسه في هذه المعادلة، قبل أن تُرسَم الخرائط النهائية من دونه؟ الإطار الأشمل هو إحياء خطّ الحجاز الحديدي، ذلك الشريان العثماني الممتد من دمشق إلى المدينة المنوَّرة بطول 1300 كيلومتر، الذي أُنجز بين سنتَي 1900 و1908. اليوم، تُعيد المنطقة اكتشاف قيمته بفعل تصاعد التوترات في الممرات البحرية من هرمز إلى باب المندب، ممّا يدفع نحو مسارات برّية بديلة لا تمرّ بنقاط الاختناق.
خطّ الحجاز ليس المؤشر الوحيد إلى هذه الدينامية. في 18 تموز 2026، وقّعت شركة نفط البصرة العراقية والشركة السورية للنفط، في حضور وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، اتفاقاً لإحياء خط أنابيب كركوك - بانياس، بتنفيذ تحالف تقوده شركة «شيفرون» الأميركية. الخطّ التاريخي، المتوقف منذ ثمانينات القرن الماضي، كان يُصدِّر النفط العراقي عبر الساحل السوري بمعزل عن مضيق هرمز. عودته إلى العمل، ضمن حزمة اتفاقات أميركية - عراقية تُقدَّر بـ60 مليار دولار، تؤكّد أنّ إعادة رسم خرائط النقل والطاقة الإقليمية ليست حصراً على السكك، بل مسار مزدوج بري وأنبوبي يتقاطع عند نقطة الالتفاف الكامل حول الممرات البحرية المهدَّدة. أمّا دخول شركة أميركية كبرى، كـ»شيفرون»، على خط التنفيذ، فهو يُنتج، بحُكم حجم الاستثمار وحساسيّته، غطاءً أمنياً فعلياً للشريط الذي يمر فيه الأنبوب داخل الأراضي السورية، وهذا عامل استقرار يخدم أيضاً منطق ربط الحدود اللبنانية - السورية، لا يُنافسه.
المسار المقترح لخط الحجاز هو اسطنبول - حلب - دمشق - عمّان - الرياض، مع امتداد محتمل نحو سلطنة عُمان. تبدأ تركيا بالخطوة الأقل كلفةً، أي مدّ خطّها الحالي حتى حلب بتكلفة 110 ملايين دولار، مستفيدةً من وجود خطّ قائم بين حلب ودمشق. وكانت تركيا وسوريا والأردن قد وقّعت قبل أسابيع مذكرة ثلاثية في عمّان، لتنسيق تحديث شبكاتها السِكَكية. ولبنان غائب عن المسار الرئيسي كما هو مرسوم، لكن يمكن تصحيحه عبر 3 مسارات متكاملة.
أولاً: المنفذ البحري
أي خط بري بحاجة إلى موانئ. مرفآ طرابلس وبيروت مرشحان بطبيعتهما لأن يكونا الواجهة البحرية للبضائع الأوروبية المتّجهة نحو الشبكة البرية الإقليمية، والبضائع الخليجية المصدَّرة إلى أوروبا. يتموضع بانياس كعقدة طاقة (تصدير نفط عبر الأنابيب)، لا كعقدة تجارة عامة أو حاويات، فهو لا ينافس طرابلس وبيروت مباشرةً على نوع الحمولة. لكنّه ينافسهما على أمر أخطر، وهو تدفّق الاستثمار والاهتمام الدولي نحو الساحل السوري، في وقتٍ ما زالت فيه الموانئ اللبنانية خارج أي مسار تفاوضي مماثل. هذا يُعيد لبنان إلى دوره التاريخي رئةً تجارية للشام، بالجغرافيا والاقتصاد.
ثانياً: فرع دمشق - بيروت
هذا المحور التاريخي قابل لإعادة التأهيل بكلفة أقلّ بكثير من إنشاء خطوط جديدة. ربطه بالشبكة الرئيسية يُحوّل لبنان من طرف مقطوع إلى عقدة في منظومة نقل إقليمية متكاملة.
ثالثاً: الدينامية الاقتصادية السورية
إعادة دمج سوريا في المنظومة اللوجستية الإقليمية، وحدها، كافية لإحياء الحدود اللبنانية - السورية، التي طالما كانت الشريان التجاري الأساسي لبيروت. هذه الفرصة لا تحتاج خطوطاً سِككية فحسب. وهي لم تعُد افتراضية: اتفاق كركوك - بانياس يُثبت أنّ دمشق دخلت فعلياً مرحلة إعادة الاندماج في شبكة الطاقة والنقل الإقليمية، بدعمٍ أميركي مباشر وباستثمار شركات كبرى مثل «شيفرون». لبنان الذي كان ينتظر «إرادة سياسية» سورية مجرّدة، بات اليوم أمام سوريا تتحرَّك فعلياً وبسرعة، ما يُضيّق نافذة الفرصة اللبنانية بدل أن يُوسّعها.
تبقى الإرادة السياسية المطلوبة من لبنان. هي، تحديداً، قدرة الدولة على طرح ملفّ حصر السلاح والقرار الأمني بيدها، كشرطٍ مسبق لأي انفتاح جدّي من واشنطن والرياض على تمويل بنية تحتية لبنانية، تماماً كما اشترطت هذه العواصم نفسها ضبط السلاح المتفلّت في مسار التفاوض على اتفاق واشنطن. من دون هذا الحسم، تبقى الدعوة إلى «دولة تتفاوض» شعاراً لا مسار عمل.
رابعاً: الفرع المنسي، كركوك - طرابلس
هذا المسار حقيقة تاريخية موثّقة يجهلها كثيرون. عندما شقّت شركة نفط العراق (IPC) خطّها الأول من كركوك سنة 1934، لم يكن بانياس طرفه، بل طرابلس. عند محطة حديثة K3، انقسم الخط إلى فرعَين متوازيَين بقطر 12 إنشاً: فرعٌ شمالي بطول 928 كيلومتراً انتهى في طرابلس، وفرعٌ جنوبي انتهى في حيفا. الفرع اللبناني دخل الخدمة في 14 تموز 1934، وكانت أول ناقلة تُغادر مرفأ طرابلس نحو لوهافر الفرنسية في آب من السنة نفسها. خطّ بانياس نفسه موضوع الاتفاق الحالي لم يُبنَ إلّا لاحقاً، سنة 1952، كمسار موازٍ من العقدة نفسها. بمعنى آخر، طرابلس، لا بانياس، كانت المنفذ التاريخي الأول للنفط العراقي على المتوسط، وظلّت كذلك حتى أوقفت دمشق خطوط العبور جميعها سنة 1982.
هذا الإرث أساس تفاوضي محتمل. لا يملك لبنان اليوم إثباتاً على حصة مستقبلية في مشروع كركوك - بانياس، والاتفاق الموقَّع في واشنطن يحدِّد بانياس صراحةً كنقطة وصول، من دون أي إشارة إلى طرابلس. لكنّ وجود بنية تحتية تاريخية (خزانات، محطات ضخّ، مصفاة طرابلس المتوقفة، مطار القليعات الذي أُنشئ أصلاً لخدمة منشآت الـIPC) يمنح لبنان ورقة تفاوض لم تُستخدم بعد. إذ يمكن العمل على إدراج فرع طرابلس كمسار تكميلي أو احتياطي ضمن حزمة تنويع الصادرات نفسها التي تُبرَّر بها إحياء بانياس. الفائدة المحتملة لو تحقق ذلك مضاعفة. إعادة تشغيل مصفاة طرابلس الخاملة منذ عقود، وفتح باب استثماري لشركات الطاقة الكبرى في الشمال على غرار ما يحصل في الساحل السوري، وخلق فرص عمل مباشرة في قطاع لم يعمل فعلياً منذ سنة 1982.
الأمانة التحليلية تقتضي الحذر من أي مبالغة. الخط اللبناني متوقف منذ أكثر من أربعة عقود، وإعادة تأهيله تقنياً أقرب إلى إعادة بناء كاملة منها إلى تشغيل، وكلفتها ليست موثّقة. كما أنّ لا مؤشر حالياً على أنّ بغداد أو واشنطن تدرسان هذا الخيار. الفرصة هنا سياسية - تفاوضية قبل أن تكون هندسية. أن يطَرح لبنان الملف بنفسه، بدل انتظار أن يُطرح عليه.
يصعب تحديد أرقام دقيقة للفائدة الاقتصادية للبنان من كل هذا الحراك الاستراتيجي المحيط، في غياب دراسات لبنانية رسمية موثّقة. غير أنّ المعطيات الإقليمية المتاحة تتيح تقدير الحجم. يملك مرفأ طرابلس وحده طاقة استيعابية مرفئية غير مستغلة تُقدَّر بما يتجاوز 3 ملايين طن سنوياً. قد يُضاعف ربطه بشبكة سككية نشطة حجم عبوره إلى ثلاثة أضعاف في أقل من عقد، وفق منطق مقارن لا رقمي دقيق. وبالقياس إلى نماذج إقليمية مماثلة كمرفأ العقبة بعد تنشيطه (من دون توفّر رقم رسمي مطابق قابل للتوثيق حتى الآن)، يمكن أن تُولّد حركة العبور اللوجستي وحدها ما بين 800 ومليار دولار سنوياً، فضلاً عن عشرات آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. هذه الأرقام تُطرح كإطار تقديري يستدعي دراسة لبنانية رسمية تُثبّته أو تُعدّله.
أمّا فرع دمشق - بيروت، فلو أُعيد تشغيله وتحمّل 20% فقط من حجم التبادل التجاري اللبناني - السوري المقدَّر تاريخياً بـ2,5 مليار دولار سنوياً في أعلى مستوياته التاريخية، فإنّه قد يُخفّض تكاليف الشحن البري بما يتراوح بين 30% و40%، ممّا ينعكس مباشرةً على أسعار الاستهلاك وهوامش المنتج اللبناني. هذه الأرقام هي نتيجة متوقَّعة لأي اندماج جدّي في ممر تجاري يربط 200 مليون مستهلك من إسطنبول إلى الرياض.
تسير إعادة رسم الخرائط في الإقليم من دون لبنان، وما يُرسم اليوم يصعَب تعديله غداً. يستلزم الإدراج في المعادلة الإقليمية حكومةً واعية، تطرح الملفّ وبنيةً تحتية قادرة على الوفاء بوعود الشراكة. كل هذا تذكيرٌ للبنان بثمن الغياب.
-
-
Just in
-
16 :18
القوات الإسرائيلية تتوغل في أطراف شقرا... وترفع العلم الإسرائيلي! تتمة

-
16 :13
ترامب بشأن إيران: إذا أطلقت إيران النار على أي سفينة في مضيق هرمز سواء كان ذلك بصاروخ أو طائرة مسيرة أو أي سلاح آخر ستقوم أميركا بقصف وتدمير جسر أو محطة كهرباء
-
15 :48
مع OMT Pay احزر واربح 10,000 دولار تتمة
-
15 :38
"لبنان القوي" يتقدم باقتراحي قانونَين لإجازة اعتماد التصويت الإلكتروني في مجلس النواب وتنظيم آليته تتمة
-
15 :36
الجيش الإسرائيلي: عبوة ناسفة انفجرت قرب سيارتَي إسعاف للصليب الأحمر في ميفدون والتحقيقات ترجّح أن حزب الله زرعها
-
15 :29
شركة AVIS تعزز أسطولها في لبنان بسيارات تويوتا تأكيدًا لالتزامها الدائم بالجودة والتميز تتمة

-
-
Other stories
Just in
-
16 :18
القوات الإسرائيلية تتوغل في أطراف شقرا... وترفع العلم الإسرائيلي! تتمة

-
16 :13
ترامب بشأن إيران: إذا أطلقت إيران النار على أي سفينة في مضيق هرمز سواء كان ذلك بصاروخ أو طائرة مسيرة أو أي سلاح آخر ستقوم أميركا بقصف وتدمير جسر أو محطة كهرباء
-
15 :48
مع OMT Pay احزر واربح 10,000 دولار تتمة
-
15 :38
"لبنان القوي" يتقدم باقتراحي قانونَين لإجازة اعتماد التصويت الإلكتروني في مجلس النواب وتنظيم آليته تتمة
-
15 :36
الجيش الإسرائيلي: عبوة ناسفة انفجرت قرب سيارتَي إسعاف للصليب الأحمر في ميفدون والتحقيقات ترجّح أن حزب الله زرعها
-
15 :29
شركة AVIS تعزز أسطولها في لبنان بسيارات تويوتا تأكيدًا لالتزامها الدائم بالجودة والتميز تتمة

All news
- Filter
-
-
القوات الإسرائيلية تتوغل في أطراف شقرا... وترفع العلم الإسرائيلي!
-
22 July 2026
-
البنتاغون يرفع كلفة الحرب على إيران إلى 37.5 مليار دولار
-
22 July 2026
-
مع OMT Pay احزر واربح 10,000 دولار
-
22 July 2026
-
ويد يكشف عن إصابته المحتملة بمرض دماغي مرتبط بضربات الرأس في كرة القدم
-
22 July 2026
-
"لبنان القوي" يتقدم باقتراحي قانونَين لإجازة اعتماد التصويت الإلكتروني في مجلس النواب وتنظيم آليته
-
22 July 2026
-
شركة AVIS تعزز أسطولها في لبنان بسيارات تويوتا تأكيدًا لالتزامها الدائم بالجودة والتميز
-
22 July 2026
-
سلطات الاحتلال تحتجز قياديا بمنظمة التحرير بالقدس لساعات وتفرج عنه بشروط
-
22 July 2026
-
بستاني: طريق كسروان لم يعد يحتمل التأجيل بعد سقوط أربعة ضحايا خلال أيام
-
22 July 2026
-
الرئيس الكولومبي المنتخب يعلن فتح مكتب لـ«درع الأميركتين» في معقل إسكوبار
-
22 July 2026
-
تجاهل غريب لأهداف المغرب في قائمة "أفضل هدف في المونديال"
-
22 July 2026

