تتّجه أنظار اللبنانيين اليوم إلى القمة اللبنانية–الأميركية في البيت الأبيض، وما يمكن أن ينتج منها، في لحظة تشكّل منعطفاً استراتيجياً لإنقاذ لبنان من دوامة الدم المتواصلة منذ نحو ثلاث سنوات، والحصول على ضمان رئاسي أميركي بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، ودعم الجيش وبسط سلطة الدولة، وتثبيت دور لبنان شريكاً في النظام الإقليمي الجديد، بدلاً من أن يبقى ساحة للصراعات أو ورقة تفاوضية في أيدي الآخرين.
وكشف مرجع ديبلوماسي لـ«الجمهورية»، انّ رئيس الجمهورية جوزاف عون يصل إلى لقائه الرئيس دونالد ترامب حاملاً ملفاً يتجاوز العلاقات الثنائية، إلى موقع لبنان في خريطة الشرق الأوسط التي يُعاد رسمها تحت ضغط الحروب والتسويات. فالقمة تنعقد في وقت دخلت فيه المواجهة الأميركية–الإيرانية مرحلة جديدة، فيما بدأت واشنطن تنفيذ التفاهمات اللبنانية–الإسرائيلية من خلال إطلاق عمليات «المناطق التجريبية» في الجنوب.
وبينما يستقبل ترامب الرئيس اللبناني، يُنتظر أن تبدأ إسرائيل أول انسحاب لها ضمن الآلية المتفق عليها، بما يتيح للجيش اللبناني الانتشار في زوطر الغربية. وسيكون تزامن الحدثين أول ترجمة ميدانية للمسار الذي يقوده عون: تفاوض سياسي في واشنطن، يقابله انتقال تدريجي للأرض في الجنوب إلى سلطة الدولة.
وجاء الإعلان الأميركي عن بدء عمليات المناطق التجريبية، بعد اللقاء الذي عقده عون مع وزير الخارجية ماركو روبيو. وقالت المصادر لـ«الجمهورية»، إنّ القرار بإطلاق المرحلة التنفيذية يعكس نتيجة مباشرة للمحادثات، ورسالة أميركية تسبق القمة، بأنّ دعم واشنطن للرئيس اللبناني بدأ ينتقل من المواقف السياسية إلى خطوات قابلة للقياس.
وفي حين أوضحت وزارة الخارجية الأميركية، أنّ العملية تستند إجرائياً إلى التفاهمات التي أُنجزت خلال مفاوضات روما، فإنّ توقيت الإعلان بعد اجتماع عون وروبيو أضفى عليه معنى سياسياً واضحاً. فالرئيس اللبناني يدخل البيت الأبيض بعدما حصل على الخطوة التنفيذية الأولى، لكن أمامه مهمّة تثبيت استمراريتها وتوسيعها.
قمة تتجاوز العلاقات الثنائية
لا تُختصر أهمية القمة بكونها أول استقبال لرئيس لبناني في البيت الأبيض منذ عام 2009. فالزيارة تأتي في مرحلة لم يعد فيها مستقبل لبنان منفصلاً عن التغييرات التي تشهدها المنطقة، من المواجهة مع إيران إلى إعادة ترتيب الحدود الأمنية، مروراً بمصير القوى المسلحة المرتبطة بطهران ومستقبل العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل.
وفي قلب هذه التحولات، يحاول لبنان الانتقال من موقع الدولة التي تتلقّى نتائج الصراعات إلى موقع الشريك في صناعة ترتيبات الاستقرار. وهذه هي الخلفية الأوسع للمحادثات بين عون وترامب.
فلبنان دفع خلال السنوات الماضية أثمان حروب لم يقرّرها، وتحولت أراضيه إلى ساحة لتبادل الرسائل الإقليمية. أما المقاربة التي يحملها عون، حسب مرجع سياسي بارز، فتقوم على إعادة القرار إلى مؤسسات الدولة، وإخراج لبنان من وظيفة الساحة، وإدخاله في منظومة إقليمية يكون فيها الأمن نتيجة لاتفاقات بين الدول، لا لتوازنات السلاح بين القوى غير النظامية.
وتشير مصادر ديبلوماسية لـ«الجمهورية» إلى أنّ الإدارة الأميركية ترى في رئاسة عون فرصة لإعادة بناء الدولة اللبنانية حول مؤسسة عسكرية تحظى بثقة داخلية ودعم خارجي. لكنها تنتظر في المقابل خطوات لبنانية تثبت قدرة المؤسسات على إدارة الأرض والقرار الأمني.
ضمان الانسحاب الإسرائيلي
يتصدّر الانسحاب الإسرائيلي جدول أعمال القمة. ويسعى عون إلى الحصول من ترامب على التزام سياسي رئاسي واضح، بأنّ تنفيذ الاتفاق لن يتوقف عند منطقة أو منطقتين، وأنّ إطلاق «المناطق التجريبية» هو بداية مسار ينتهي بخروج القوات الإسرائيلية من كامل الأراضي اللبنانية. وتكمن أهمية الضمان الرئاسي في أنّ صيغة الإطار لم تحدّد موعداً نهائياً للانسحاب الكامل، تاركة تنفيذ كل مرحلة رهناً بالترتيبات الميدانية والتفاهمات الأمنية. ويثير هذا الغموض مخاوف لبنانية من أن تستخدم إسرائيل الشروط التقنية لإبطاء العملية، أو تثبيت وجود طويل الأمد في أجزاء من الجنوب.
وتفيد معلومات ديبلوماسية، أنّ عون سيطرح أمام ترامب ضرورة اعتماد تسلسل واضح للانسحابات، بحيث يؤدي نجاح الانتشار اللبناني في المنطقة الأولى إلى الانتقال تلقائياً نحو منطقة ثانية، من دون العودة في كل مرّة إلى مفاوضات سياسية جديدة. مراجعجغرافية
ويستند الطرح اللبناني إلى أنّ الجيش أثبت جاهزيته للانتشار، وأنّ الدولة قبلت تولّي مسؤولياتها الأمنية. وبالتالي، يصبح الانسحاب الإسرائيلي المقابل معياراً لجدّية الاتفاق ولقدرة الولايات المتحدة على ضمان تنفيذه.
ولا ينظر لبنان إلى المناطق التجريبية بوصفها تسوية جغرافية نهائية، بل باعتبارها آلية لنقل السيطرة تدريجياً إلى الجيش. وإذا توقفت العملية عند حدودها الأولى، تفقد معناها السيادي وتتحول إلى إدارة جزئية للاحتلال. أما توسيعها وفق مراحل متتابعة، فيجعلها الطريق العملي لاستعادة كامل الأرض.
خطوة الجنوب الأولى
أعلنت الولايات المتحدة بدء عمليات المناطق التجريبية في فرون وصريفا وزوطر الغربية، وفق الإطار الثلاثي وتحت رعاية مجموعة التنسيق العسكرية الخاصة بلبنان.
وفي توضيح للوضع الميداني، أكّدت قيادة الجيش أنّ وحداتها تواصل تنفيذ مهمّاتها في فرون وصريفا، وأنّ الاستعداد جارٍ للانتشار في زوطر الغربية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها. كما دعت المواطنين إلى عدم التوجّه إلى البلدة قبل استكمال الإجراءات العسكرية. ويكشف ذلك أنّ المرحلة الأولى تتضمن أوضاعاً ميدانية مختلفة. فالجيش موجود في فرون وصريفا، فيما تمثل زوطر الغربية الاختبار الفعلي لآلية الانسحاب الإسرائيلي الذي يعقبه انتشار لبناني مباشر.
وبحسب المعلومات المتوافرة، يفترض أن يبدأ الانسحاب الإسرائيلي اليوم الثلاثاء، في توقيت يتزامن مع اجتماع عون وترامب. وستتولّى وحدات الجيش الدخول إلى المنطقة وتثبيت مواقعها، منعاً لأي فراغ أمني. صُحف
وكشف مصدر لبناني لـ«الجمهورية»، انّ الجهات المعنية تراقب ثلاثة عناصر: التزام إسرائيل موعد الانسحاب، دخول الجيش من دون عراقيل، وعدم وقوع أعمال ميدانية تعطل التسليم. وسيحدّد نجاح هذه العملية سرعة الانتقال إلى مناطق أخرى.
وتحمل الخطوة معنى سياسياً يتجاوز حجم المنطقة. فهي المرّة الأولى التي يبدأ فيها تطبيق النموذج المتفق عليه لانتقال الأرض من الاحتلال إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية، في إطار ترعاه واشنطن وتتابع تنفيذه.
الجيش ضمانة المرحلة الجديدة
يمثل دعم الجيش الهدف الثاني للقمة بعد تثبيت الانسحاب. فالمؤسسة العسكرية ستتولّى، مع اتساع المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، مهمات تتجاوز حجم انتشارها الحالي وإمكاناتها المتاحة. وتشمل المتطلبات تعزيز المراقبة الحدودية، وتطوير الاتصالات والنقل والهندسة العسكرية، وتأمين آليات وتجهيزات تسمح للجيش بالبقاء في المناطق التي يتسلّمها، وحماية السكان العائدين إليها.
ويحمل عون إلى البيت الأبيض معرفة مباشرة باحتياجات المؤسسة التي قادها قبل انتخابه رئيساً. كما يدرك أنّ توسيع سلطة الدولة لا يتحقق بقرارات سياسية وحدها، بل بقدرة الجيش على تنفيذها والمحافظة على نتائجها.
وتفيد مصادر متابعة، بأنّ المحادثات ستبحث في صيغة دعم أميركي طويلة الأمد، مرتبطة بحجم المسؤوليات التي سيتولاها الجيش في الجنوب. ولا يقتصر هذا الدعم على المساعدات العسكرية، بل يشمل تأمين غطاء سياسي عربي ودولي لمهمّة المؤسسة ومنع تعريضها لضغوط متناقضة. ويشكّل انتشار الجيش أيضاً حجر الأساس في معالجة ملف السلاح خارج الدولة. فكل منطقة يتسلّمها الجيش تنتقل فيها المسؤولية الأمنية إلى المؤسسة الشرعية، وتصبح جزءاً من نموذج يمكن توسيعه على كامل الأراضي اللبنانية. هيئاتتنفيذية
حصرية السلاح قرار الدولة
وتحتل حصرية السلاح حيزاً أساسياً في المحادثات، لكن المقاربة اللبنانية تفصل بين حق لبنان في الانسحاب الإسرائيلي وبين التزام الدولة بإنهاء ازدواجية السلطة الأمنية.
وتقول مصادر رسمية، إنّ عون سيؤكّد أنّ حصرية السلاح ليست مطلباً إسرائيلياً ينفّذه لبنان مقابل استعادة أرضه، بل قرار لبناني مرتبط بقيام الدولة وبامتلاكها وحدها قرار الحرب والسلم. وتسعى بيروت إلى منع إسرائيل من استخدام الملف ذريعة لإبقاء قواتها في الجنوب، خصوصاً أنّ ربط الانسحاب بإنجاز معالجة كاملة وفورية للسلاح يضع سقفاً زمنياً غير واقعي، ويمنح الاحتلال حق تقرير مدى التزام الدولة اللبنانية.
ويقوم التصور اللبناني على مسارين متوازيين: انسحاب إسرائيلي متدرج ومضمون أميركياً، وتوسع متزامن لسلطة الدولة والجيش، فيما تعالج الحكومة ملف السلاح ضمن قرار وطني يحفظ الاستقرار الداخلي. وستكون تجربة زوطر الغربية أول دليل عملي على هذه المقاربة. فإذا انسحبت إسرائيل وانتشر الجيش وثبت الأمن، يصبح ممكناً تكرار النموذج من دون انتظار حل جميع القضايا دفعة واحدة.
لبنان شريك لا ورقة
أما الهدف الثالث للقمة فيتجاوز وقف الحرب والترتيبات العسكرية إلى إعادة تحديد وظيفة لبنان في المنطقة. فالتسويات الجارية لا تقتصر على خطوط الانسحاب، بل تشمل طبيعة الدول التي ستشارك في النظام الإقليمي الجديد، وموقعها في شبكات الأمن والاقتصاد والاستثمار. السياسة(التيار اليميني)
ويطرح عون لبنان دولة قادرة على حماية حدودها، منفتحة على محيطها العربي، ومستعدة لبناء علاقة مختلفة مع الدول الصديقة. علاقة لا تقوم فقط على إدارة الأزمات والمساعدات الأمنية، بل تشمل الاستثمار والتجارة والنقل وإعادة الإعمار.
وفي هذا الإطار، تناولت محادثات واشنطن إمكان استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة، وجذب استثمارات أميركية ودولية، وربط الاستقرار الأمني بالتعافي الاقتصادي. ويمثل الاقتصاد عنصراً أساسياً في تثبيت سلطة الدولة. فعودة الأهالي إلى الجنوب لن تكتمل من دون إعادة إعمار القرى، واستعادة الخدمات، وتوفير فرص العيش. كما أنّ نجاح الجيش في الإمساك بالأرض يحتاج إلى بيئة اجتماعية تشعر بأنّ الدولة لا توفر الأمن فقط، بل تعيد بناء الحياة.
ويكتسب اتصال عون بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، عشية القمة، أهمية في هذا السياق. فقد وفّر للزيارة غطاءً عربياً، وأظهر أنّ المسار الذي يحمله الرئيس اللبناني ينسجم مع توجه يدعم الدولة والاستقرار ويعيد لبنان إلى محيطه.
النتائج تتقدّم على الجدل
وقد رافقت الزيارة حملات ركّزت على تفاصيل بروتوكولية، وقدّمت استنتاجات لا تستند إلى قواعد الزيارات الرئاسية المعتمدة في واشنطن. إلّا أنّ الإعلان الأميركي عن بدء المناطق التجريبية أعاد النقاش إلى مضمون الزيارة وما يمكن أن تحققه.
ورأى مرجع ديبلوماسي أنّ لبنان اليوم أمام فرصة نادرة لانتزاع موقع مختلف في حسابات واشنطن والمنطقة. فالخيار المطروح ليس بين الحرب وهدنة موقتة فقط، بل بين استمرار لبنان ساحة يستخدمها الآخرون، وتحوله إلى دولة تشارك في صياغة مستقبلها. العربوشعوب الشرق الأوسط