المشرق يُعاد رسمه بالممرات… فأين لبنان؟
-
20 July 2026
-
18 hrs ago
-
-
source: المدن
-
خلدون الشريف -
بدأ الشرق الأوسط يشهد رسم خرائط جديدة، لكن هذه المرة ليست خرائط ضمّ وتقسيم وفدراليات كما شاع الحديث طوال العقدين الماضيين، بل خرائط من نوع آخر: خطوط نفط وغاز، وممرات تجارية، وشبكات سكك حديدية، وموانئ، ومراكز لوجستية تعيد وصل العراق والخليج بالبحر المتوسط، وآسيا بأوروبا. فالجغرافيا لم تعد تُقاس بما تفصل بين الدول، بل بما تصل بينها، ولم تعد قيمة الموقع مرتبطة بالحدود وحدها، بل بقدرته على أن يصبح عقدة في شبكة المصالح الإقليمية والدولية.
من الجغرافيا السياسية إلى الجغرافيا الاقتصادية
ولعل ما كشفته أزمة مضيق هرمز خلال الحرب الأخيرة من هشاشة الاعتماد على ممر بحري واحد، دفع دول المنطقة والقوى الكبرى إلى إعادة إحياء خطوط قديمة واستحداث أخرى، بحثًا عن منافذ أكثر أمانًا نحو البحر المتوسط. فالحروب الأخيرة لم تغيّر موازين القوى العسكرية فحسب، بل دفعت أيضًا إلى إعادة التفكير في أمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، وطرق الوصول إلى الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، عاد اسم خط كركوك إلى المتوسط ليتردد مجددًا، ولكن في ظروف مختلفة تمامًا عن تلك التي أنشئ فيها قبل أكثر من تسعين عامًا. فقد افتتح الخط لنقل النفط العراقي إلى البحر المتوسط عبر فرعين رئيسيين، أحدهما إلى طرابلس والآخر إلى حيفا. وبعد قيام دولة إسرائيل أُغلق فرع حيفا، ثم أُنشئ لاحقًا فرع بانياس، قبل أن تتوقف هذه الشبكة تدريجيًا بفعل الصراعات السياسية بين دمشق وبغداد، ويتحول الجزء الأكبر من الصادرات العراقية إلى ميناء جيهان التركي. واليوم لا يعود الحديث عن هذا الخط لاستعادة الماضي، بل لأنه عاد جزءًا من النقاش حول إعادة رسم خرائط الطاقة والممرات في المشرق.
ولم يكن خط كركوك–طرابلس مجرد أنبوب لنقل النفط، بل مشروعًا اقتصادياً متكاملاً غيّر وجه المدينة لعقود. فقد استقطبت شركة نفط العراق آلاف العاملين، وأسهمت في إنشاء مساكن ومستشفى ونادٍ ومرافق خدمية، وربطت طرابلس بشبكة اقتصادية امتدت من العراق إلى البحر المتوسط. ويذكّر هذا التاريخ بأن الممرات لا تنقل الطاقة فقط، بل تصنع مدنًا واقتصادات ومجتمعات.
وخلال الأسابيع الماضية، تراكمت مؤشرات يصعب التعامل معها بوصفها أحداثًا منفصلة. فقد سبق زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن بيانٌ مشترك أصدرته السفارة الأميركية في بغداد عقب لقائه الموفد الرئاسي الأميركي توم باراك. ولم يكن البيان مجرد عرض لملفات أمنية وسياسية، بل بدا أشبه بوثيقة تمهيدية لمرحلة جديدة، إذ جمع بين تعزيز سيادة الدولة العراقية، وحصر السلاح بيدها، وتوسيع التعاون الاقتصادي، والاستثمار في قطاع الطاقة، والترحيب بخطط إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس. ثم جاءت زيارة الزيدي إلى واشنطن لتؤكد أن هذه الملفات لم تعد تُدار بصورة منفصلة، بل ضمن رؤية تربط الأمن بالاقتصاد، والطاقة بالنفوذ، والاستقرار بالمصالح.
ولا تبدو هذه الرؤية مجرد قراءة تحليلية. فقد تحدث الموفد الأميركي توم باراك عن مشروع إقليمي يجري العمل عليه بالتنسيق مع العراق وسوريا والأردن ولبنان وتركيا ومصر، هدفه إنشاء شبكة مترابطة من الممرات البرية وخطوط الأنابيب والتجارة تجعل الاعتماد الاستراتيجي على مضيق هرمز يتراجع بصورة كبيرة خلال سنوات قليلة. وربط باراك هذا التصور أيضًا بـ”الممر الأوسط” الممتد عبر تركيا وآسيا الوسطى نحو أوروبا، معتبرًا أن المنطقة تتجه إلى بناء نسيج جديد من الترابط الاقتصادي يحل تدريجيًا محل منطق الصراعات العسكرية. وإذا صح هذا المسار، فإن المشرق لن يكون مجرد ساحة تنافس بين القوى الإقليمية، بل عقدة وصل رئيسية بين الخليج وآسيا الوسطى وأوروبا.
صراع الممرات… لا صراع الحدود
وفي المقابل، لا يتحرك هذا المسار في فراغ. فما زال مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، أو أي صيغة مطورة له، يمثل الرهان الإسرائيلي لتحويل ميناء حيفا إلى إحدى البوابات الرئيسية بين آسيا وأوروبا، فيما تتمسك تركيا بموقع جيهان بوصفه المنفذ الرئيسي للنفط العراقي، وتواصل مصر تعزيز موقعها كمركز إقليمي للطاقة والخدمات اللوجستية. وقد تبدو هذه المشاريع منفصلة، لكنها تعبر في الواقع عن سباق واحد: من سيكون عقدة الربط الرئيسية بين الخليج والبحر المتوسط؟
قد تبدو المنافسة اقتصادية في ظاهرها، لكنها في جوهرها جيوسياسية أيضًا. فالممرات لا تنقل النفط والبضائع فقط، بل تنقل معها النفوذ، والاستثمارات، وسلاسل الإمداد، والقدرة على التأثير في حركة التجارة العالمية. ولذلك، لا يمكن فصل مشروع كركوك–بانياس عن مشروع IMEC، ولا بانياس عن حيفا، ولا جيهان عن بقية موانئ شرق المتوسط. فكل ميناء يسعى إلى تثبيت موقعه في الخريطة الجديدة، وكل دولة تحاول أن تجعل جغرافيتها جزءًا من شبكة المصالح التي يعاد بناؤها في المنطقة.
ومن هنا يمكن فهم جانب من التوتر الإسرائيلي تجاه التحولات الجارية في سوريا، والتنافس المتصاعد مع تركيا على النفوذ في الإقليم. فنجاح أي ممر يربط الخليج والعراق بالبحر المتوسط عبر سوريا، أو عبر أي مسار لا يمر بإسرائيل، يعني قيام بديل اقتصادي للموقع الذي تراهن عليه حيفا ضمن مشروع IMEC. ولذلك، فإن التنافس على الممرات قد يصبح خلال السنوات المقبلة أحد أبرز وجوه الصراع الإقليمي.
لبنان خارج الخريطة… أم خارج المشروع؟
وسط هذه التحولات، يبدو لبنان وكأنه يراقب من الهامش. وليس السبب افتقاره إلى الموقع الجغرافي، بل غياب الرؤية الوطنية التي تحول هذا الموقع إلى قيمة استراتيجية. فمن النادر أن يجتمع بلد على هذا القدر من المزايا: ساحل طويل على شرق المتوسط، ومرفآن رئيسيان، وقرب مباشر من سوريا والعراق والأسواق العربية، وطاقات بشرية وخبرات مالية، وعلاقات تاريخية مع الخليج وأوروبا. ومع ذلك، لا يزال يتعامل مع هذه المقومات بوصفها مزايا طبيعية، لا كعناصر في مشروع وطني.
لقد اعتاد اللبنانيون النظر إلى الجغرافيا باعتبارها قدرًا يمنحهم أفضلية تلقائية. لكن التجربة تثبت العكس. فالجغرافيا لا تنتج النفوذ بذاتها، بل عندما تقترن بدولة قادرة، وبنية تحتية حديثة، ورؤية اقتصادية واضحة. ومن دون ذلك، تتحول المزايا الطبيعية إلى فرص يلتقطها الآخرون.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى طرابلس باعتبارها قضية إنمائية محلية أو مطلبًا مناطقيًا، بل باعتبارها أصلًا استراتيجيًا للبنان كله. فالمدينة ليست مجرد ثاني أكبر مدن البلاد، بل تمتلك ميناءً عميقًا، ومنطقة اقتصادية خاصة، وقربًا جغرافيًا من الداخل السوري والعراقي، وإرثًا تاريخيًا يؤكد قدرتها على أداء دور محوري في حركة التجارة والطاقة. وإذا كانت قد ازدهرت يومًا بفضل ارتباطها بخط كركوك، فإن السؤال اليوم ليس كيف نستعيد الماضي، بل كيف نوظف الموقع نفسه في شبكة الممرات التي تتشكل الآن.
ولا يقتصر الأمر على طرابلس وحدها. فالمرافئ، والسكك الحديدية، وربط الساحل بالحدود الشمالية والشرقية، وإعادة تأهيل البنية اللوجستية، ليست مشاريع خدمات عامة فحسب، بل أدوات سيادية واقتصادية تحدد مكانة لبنان في الإقليم لعقود مقبلة. وإذا كانت دول المنطقة تتنافس اليوم على أن تصبح عقدًا رئيسية في حركة التجارة والطاقة، فإن لبنان لا يستطيع الاكتفاء بدور المتفرج.
غير أن أي مشروع من هذا النوع يفترض شرطًا أساسيًا: قيام دولة قادرة على اتخاذ القرار، وفرض سيادة القانون، وتوفير بيئة مستقرة للاستثمار. فالممرات الاقتصادية لا تمر فقط عبر الجغرافيا، بل تحتاج إلى مؤسسات موثوقة، وإدارة فعالة، واستقرار سياسي وأمني يجعلها خيارًا للشركات والدول. ولذلك، فإن استعادة دور لبنان الاقتصادي ليست منفصلة عن مشروع بناء الدولة، بل هي إحدى نتائجه الطبيعية.
وهنا تتقاطع الجغرافيا مع السياسة. فالعالم لا ينتظر الدول المترددة، والممرات لا تُرسم وفق ما كان عليه الماضي، بل وفق ما يحتاجه الاقتصاد العالمي في الحاضر. ومن ينجح في تقديم نفسه بوصفه شريكًا موثوقًا، وبوابة آمنة، وعقدة لوجستية فعالة، يحجز مكانه في الخريطة الجديدة. أما من يبقى أسير الانقسامات الداخلية، فسوف يجد أن الممرات تلتف حوله بدل أن تمر عبره.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان لبنان يمتلك موقعًا استراتيجيًا، بل ما إذا كان يمتلك مشروعًا استراتيجيًا، لأن المشرق يُعاد رسمه اليوم بشبكات مترابطة من الطاقة والموانئ والسكك الحديدية والممرات التجارية، في إطار رؤية تجعل الاقتصاد والبنية التحتية أدوات لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، بقدر ما كانت الجيوش والتحالفات تؤدي هذا الدور في السابق.
قد لا يستطيع لبنان تغيير اتجاهات الإقليم، لكنه يستطيع أن يحدد موقعه داخلها. وهذه ليست مسألة جغرافيا بقدر ما هي مسألة قرار. فالموقع يمنح الفرصة، أما الرؤية فهي التي تحولها إلى دور.
وفي الشرق الأوسط الذي يُعاد رسمه بالممرات، لن يكون السؤال أين يقع لبنان، بل أيَّ دورٍ يريد ان يؤديه: دولة تكتفي بمراقبة الخرائط الجديدة وهي تُرسم من حولها، أم دولة تبادر إلى حجز مكانها فيها قبل أن تُغلق النوافذ المتاحة.
-
-
Just in
-
23 :50
مهر: تفعيل الدفاعات الجوية في محيط محطة بوشهر النووية جنوبي البلاد
-
23 :17
بالفيديو - شربل مارون يرفع الصوت في ملف الصرف الصحي وبحيرة القرعون تتمة

-
23 :12
الناطق باسم الجيش الإسرائيلي: سنجري إعادة انتشار لقواتنا في إحدى مناطق "المنطقة التجريبية" بما يتيح للجيش اللبناني تنفيذ مهمته مع الحفاظ على أمن قواتنا وحقنا في الدفاع عن النفس وإزالة التهديدات
-
23 :01
الميادين: الخطوط الجوية الفرنسية تعلن تعليق رحلاتها إلى دبي والرياض "لدواع أمنية"
-
22 :58
وكالة فارس الإيرانية: دوي انفجارات في منطقة سيريك شرقي محافظة هرمزغان
-
22 :54
الجيش الإسرائيلي: سنتصرف بقوة ضد أي انتهاك للاتفاق في جنوب لبنان
-
-
Other stories
Just in
-
23 :50
مهر: تفعيل الدفاعات الجوية في محيط محطة بوشهر النووية جنوبي البلاد
-
23 :17
بالفيديو - شربل مارون يرفع الصوت في ملف الصرف الصحي وبحيرة القرعون تتمة

-
23 :12
الناطق باسم الجيش الإسرائيلي: سنجري إعادة انتشار لقواتنا في إحدى مناطق "المنطقة التجريبية" بما يتيح للجيش اللبناني تنفيذ مهمته مع الحفاظ على أمن قواتنا وحقنا في الدفاع عن النفس وإزالة التهديدات
-
23 :01
الميادين: الخطوط الجوية الفرنسية تعلن تعليق رحلاتها إلى دبي والرياض "لدواع أمنية"
-
22 :58
وكالة فارس الإيرانية: دوي انفجارات في منطقة سيريك شرقي محافظة هرمزغان
-
22 :54
الجيش الإسرائيلي: سنتصرف بقوة ضد أي انتهاك للاتفاق في جنوب لبنان
All news
- Filter
-
-
«حمية طول العمر»... نظام يزيد هرمون الشبع طبيعياً ويعزز الصحة
-
21 July 2026
-
أكثر من نصف الروبوتات البشرية في العالم.. صينية
-
21 July 2026
-
اختبار دم يكشف سرطان البنكرياس قبل فوات الأوان
-
21 July 2026
-
بالفيديو - شربل مارون يرفع الصوت في ملف الصرف الصحي وبحيرة القرعون
-
20 July 2026
-
إلى أهالي زوطر الغربية.. بيان عاجل!
-
20 July 2026
-
مذكرة توقيف بحق صحافي لبناني.. والتهمة..!
-
20 July 2026
-
عن المنطقة التجريبية.. بيان للجيش اللبناني!
-
20 July 2026
-
شو الوضع؟ واشنطن تهدي عون تنفيذ أولى "عيّنات" المناطق التجريبية ومواكبة سعودية داعمة لخيارات التفاوض...
-
20 July 2026
-
"مخزون المحروقات لا يكفي لـ 4 أيام" بل لـ9... بيان لـ "كهرباء لبنان"!
-
20 July 2026
-
الخارجية الأميركية: بدء العمليات في المناطق التجريبية بجنوب لبنان!
-
20 July 2026

