منذ عقود، يناقش اللبنانيون اللامركزية الإدارية. عُقدت المؤتمرات، وأُنجزت الدراسات، وقُدّمت اقتراحات القوانين، وتكررت التعريفات نفسها حول صلاحيات السلطات المحلية وعلاقتها بالسلطة المركزية. لكن، بعد كل هذا النقاش، ربما يكون من المفيد أن نتوقف قليلًا عن السؤال التقليدي: ما هي اللامركزية؟
وأن نطرح سؤالًا مختلفًا وأكثر عمقًا: هل تحتاج الدولة الحديثة أصلًا إلى اللامركزية؟
إذا كانت الدولة المركزية هي صاحبة القرار والسيادة والسلطة، فلماذا تتنازل طوعًا عن جزء من صلاحياتها؟ أليس منطق السلطة، كما عرفه التاريخ طويلًا، يقوم على أن من يمتلك السلطة يتمسك بها، ويسعى إلى توسيعها بدل توزيعها؟
للإجابة عن هذا السؤال، ربما علينا أن نعود إلى الغاية الأساسية من وجود الدولة.
فالدولة لم توجد لكي تدير كل صغيرة وكبيرة في حياة الناس، ولم تُنشأ لكي يصبح تركيز السلطة هدفًا بحد ذاته. الدولة وجدت، في جوهرها، لتحقيق المصلحة العامة، وتنظيم المجتمع، وحماية الحقوق، وتأمين الاستقرار، وتوفير الإطار الذي يسمح للإنسان والمجتمع بالتطور.
وإذا اكتشفت الدولة، مع تطور تجربتها، أن نقل بعض الصلاحيات إلى مستويات أقرب من المواطن يجعلها أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق هذه الغاية، فإنها لا تكون بذلك قد تنازلت عن سلطتها، بل تكون قد تعلمت كيف تستخدم هذه السلطة بطريقة أكثر ذكاءً وفعالية.
من هنا، لا أرى اللامركزية ثورة على الدولة المركزية، ولا بديلًا عنها، ولا نظامًا سياسيًا جديدًا وُلد لمنافستها، بل نتيجة طبيعية لتطور مفهوم الدولة وطريقة إدارتها لنفسها.
عندما بدأت الدولة الحديثة بالتشكل، كان مفهوم القوة مرتبطًا إلى حد كبير بتركيز السلطة. كان الحاكم يعرف، ويقرر، ويدير. وكلما ازدادت السلطة تمركزًا، عُدّت الدولة أكثر قوة وقدرة على فرض إرادتها.
لكن المجتمعات تغيرت، كبرت المدن، وازداد عدد السكان، وتوسع الاقتصاد، وتطورت الصناعة والتكنولوجيا، وتعقدت حاجات الناس، وأصبحت الأولويات تختلف بين مدينة وأخرى، ومنطقة وأخرى، وأحيانًا بين حي وآخر داخل المدينة نفسها.
وهنا واجهت الدولة حقيقة بسيطة: حتى أكثر الحكومات كفاءة لا تستطيع من مركز واحد أن تعرف كل احتياجات كل قرية ومدينة ومنطقة، وأن تدير كل تفاصيلها بالفعالية نفسها.
لم تكن هذه مراجعة لضرورة وجود الدولة، بل مراجعة للطريقة التي تدير بها الدولة نفسها. ومن هنا بدأ مفهوم القوة يتغير.
فالدولة القوية لم تعد بالضرورة الدولة التي تدير كل شيء بنفسها، بل الدولة التي تعرف ما الذي يجب أن تديره مباشرة، وما الذي يمكن أن تنقل مسؤوليته إلى مستوى أقرب من المواطن، مع بقائها الضامن للعدالة والقانون والرقابة ووحدة السيادة. بمعنى آخر، لم تتخلَّ الدولة عن مسؤوليتها، بل طورت طريقة ممارستها.
لهذا يمكن القول إن اللامركزية لم تظهر لأن الدولة ضعفت، بل لأنها نضجت. ولم تأتِ لأن السلطة قررت التخلي عن دورها، بل لأنها اكتشفت أن تحقيق المصلحة العامة لا يستوجب بالضرورة تركيز كل القرارات والصلاحيات في العاصمة.
اللامركزية، بهذا المعنى، ليست ثورة على الدولة المركزية، بل إحدى مراحل نضج الدولة الحديثة.
إذا كانت اللامركزية تطورًا طبيعيًا... فلماذا نخاف منها في لبنان؟ وهنا أعتقد تبدأ الإشكالية اللبنانية.
فكلما فُتح النقاش حول اللامركزية، انقسم اللبنانيون سريعًا. هناك من يراها فرصة لإصلاح الإدارة، ومن يعتبرها مدخلًا إلى التقسيم، ومن يربطها بالفيدرالية، ومن يقدمها كأنها الحل السحري لجميع أزمات الدولة. لكن ربما لا تكمن المشكلة الحقيقية في أي من هذه المواقف.
المشكلة أن اللبنانيين لا يزالون مختلفين على مفهوم الدولة نفسها، قبل أن يختلفوا على شكل إدارتها.
فاللامركزية ليست غريبة بالكامل عن التجربة اللبنانية. وجود المحافظات والأقضية والبلديات هو، في أحد أبعاده، اعتراف بأن الدولة لا تستطيع إدارة كل التفاصيل من العاصمة. وبالتالي، فإن السؤال ليس فقط إن كنا نقبل اللامركزية أو نرفضها، بل كيف نطور التنظيم الإداري القائم ليصبح أكثر فعالية وعدالة وقدرة على المحاسبة.
لكن هنا يظهر سؤال أكثر صعوبة: هل يمكن تطبيق لامركزية متطورة قبل بناء المواطنة؟
إذا منحنا الإدارات المحلية صلاحيات أوسع، فما الذي يضمن أن تُستخدم هذه الصلاحيات لخدمة المصلحة العامة؟
هل يكفي القانون؟
أعتقد أن الجواب هو: لا.
فنجاح أي نظام إداري لا يتوقف فقط على جودة النص الذي ينظمه، بل أيضًا على طبيعة المجتمع والثقافة السياسية والمؤسسات التي ستطبقه.
اللامركزية تفترض مواطنًا يحاسب المسؤول على إنجازاته، لا على طائفته. وتفترض ناخبًا يختار برنامجًا، لا مجرد اسم أو عائلة أو زعيم. وتفترض مسؤولًا محليًا يرى في الصلاحية مسؤولية عامة، لا مساحة جديدة لبناء النفوذ.
أما إذا بقيت الثقافة السياسية نفسها، فإننا قد لا نكون قد انتقلنا من المركزية إلى اللامركزية، بل نكون قد نقلنا المركزية من بيروت إلى مجموعة من المركزيات الأصغر.
وقد لا نكون قد بنينا دولة أقوى، بل زعامات محلية أكثر قوة.
وهنا يكمن، برأيي، أحد أكبر التحديات.
فاللامركزية، عندما تنفصل عن المواطنة والمحاسبة، تتحول من مشروع إصلاحي إلى مجرد إعادة توزيع للنفوذ.
لذلك، لا يمكن أن نبني إدارة حديثة بعقلية سياسية قديمة. ولا يمكن أن نطالب بقانون متطور فيما لا تزال الممارسة السياسية محكومة، في كثير من الأحيان، بالزبائنية والطائفية وتقديم الولاء على الكفاءة والمصلحة العامة.
اللامركزية لا تبدأ بالقانون وحده. اللامركزية تبدأ بالمواطن. ولكن... من يبني هذا المواطن؟
هنا نصل إلى مؤسسة غالبًا ما يُختصر دورها في لبنان بالانتخابات والصراع على السلطة: الاحزاب.
في كتابي الأخير، "إدارة جديدة"، حاولت أن أقدم مقاربة مختلفة لدور الأحزاب. فالحزب، في مفهومه الحديث، لا يجب أن يكون مجرد ماكينة انتخابية تعمل لإصال نائب أو وزير أو رئيس بلدية، بل يفترض أن يكون مدرسة لإعداد القيادات. وهذه الفكرة تصبح أكثر أهمية عندما نتحدث عن اللامركزية.
فلنفترض أننا قررنا غدًا توسيع صلاحيات الإدارات المحلية. من سيدير هذه الصلاحيات؟ من سيعد الموازنات؟ من سيخطط للتنمية المحلية؟ من سيدير المشاريع؟ من سيراقب التنفيذ؟ ومن سيضمن الشفافية والمحاسبة؟
إذا لم يكن لدينا أشخاص مؤهلون، نكون قد غيرنا القانون من دون أن نغير الإدارة. وعندها قد تفشل اللامركزية، لا لأن فكرتها خاطئة، بل لأننا لم نُعِدّ الأشخاص القادرين على تطبيقها.
من هنا، أعتقد أن الأحزاب السياسية، إذا أرادت أن تؤدي دورًا حقيقيًا في بناء الدولة، تحتاج هي أيضًا إلى إعادة تعريف رسالتها.
فبدل أن يكون سؤالها الدائم: كيف نربح الانتخابات المقبلة؟
يجب أن تضع نصب عينها، أحد أهم وأكبر الأسئلة:
كيف نُعدّ كل عام جيلًا من الشباب والشابات القادرين على إدارة بلدية، أو اتحاد بلديات، أو مؤسسة عامة، أو مشروع تنموي؟
نحن بحاجة إلى أحزاب تُخرج رؤساء بلديات ناجحين، ومديري مشاريع، وخبراء في التنمية المحلية والتخطيط والمالية العامة والإدارة.
نحتاج إلى أشخاص يعرفون كيف يعملون مع الناس، لا فقط كيف يتحدثون إلى الناس.
عندها فقط يصبح الحزب شريكًا في بناء الدولة، لا مجرد منافس على السلطة.
لكن هذا يقودنا إلى إشكالية أخرى: كيف نطلب من الأحزاب أن تنتج قيادات حديثة، إذا كانت هي نفسها لا تخضع في بنيتها وممارساتها لمعايير حديثة من الديمقراطية الداخلية والشفافية والمحاسبة والعمل المؤسساتي؟
إذا لم يمارس الحزب الديمقراطية داخل مؤسساته، فكيف سيعلم المجتمع الديمقراطية؟
وإذا لم يعمل بمنطق المؤسسة، فكيف سيبني مؤسسات في الدولة؟
وإذا لم يؤمن بالمحاسبة داخل بيته، فكيف سيطالب بها في الإدارة العامة؟
لذلك، فإن إصلاح الأحزاب ليس قضية حزبية فحسب، بل جزء من إصلاح الدولة نفسها.
وهنا، نعود، في النهاية، إلى السؤال الذي بدأنا منه:
هل تحتاج الدولة الحديثة إلى اللامركزية؟
أعتقد أن الجواب لا يمكن اختصاره بنعم أو لا.
فاللامركزية ليست وصفة جاهزة، ولا حلًا سحريًا، ولا مجرد مجموعة من الصلاحيات التي ننقلها من إدارة إلى أخرى.
إنها جزء من تطور أوسع في مفهوم الدولة، يقوم على الانتقال من دولة تريد أن تدير كل شيء بنفسها، إلى دولة تعرف كيف تضع السياسات، وتحمي الحقوق، وتضمن العدالة، وتراقب الأداء، وفي الوقت نفسه تمنح المجتمعات المحلية القدرة على المشاركة في إدارة شؤونها وتحمل مسؤولياتها.
لكن نجاح هذا الانتقال يحتاج إلى أكثر من قانون.
يحتاج إلى مواطن مسؤول.
وإلى أحزاب مسؤولة.
وإلى مؤسسات تحترم القانون.
وإلى ثقافة سياسية تعترف بأن السلطة ليست امتيازًا، بل مسؤولية.
لهذا، إذا أردنا يومًا أن نبني لبنانًا جديدًا، فقد لا يكون السؤال الأول: هل نغير القانون؟ أم الإدارة؟ أم الأحزاب؟ أم المواطن؟
فكل هذه العناصر مترابطة، وكل واحد منها يؤثر في الآخر.
لكن البداية الحقيقية تبقى في أن نقرر أي دولة نريد.
لأن الدولة الحديثة لا تقوى لأنها تحتكر إدارة كل شيء، بل لأنها تعرف ما يجب أن تديره، وما يمكن أن تفوضه، وكيف تبني الإنسان والمؤسسة، وكيف توزع المسؤولية من دون أن توزع السيادة.
وقبل أن نسأل عن شكل الدولة التي نريد بناءها، ربما علينا أن نطرح السؤال الأصعب:
أي مواطن نريد أن يبنيها؟