من المرافئ إلى الميناء الجاف: رؤية لإعادة بناء اقتصاد لبنان

  • 12 July 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image

    لم يعد السؤال المطروح في لبنان اليوم كيف يمكن معالجة الأزمة الاقتصادية، بل كيف يمكن إعادة بناء الاقتصاد اللبناني من أساسه. فالانهيار الذي أصاب الدولة منذ العام 2019 لم يكن مجرد أزمة مالية أو مصرفية، وإنما كشف عن خلل بنيوي عميق في النموذج الاقتصادي الذي اعتمد عليه لبنان طوال العقود الماضية. فقد قام هذا النموذج على اقتصاد الخدمات، والمصارف، والعقارات، والاستهلاك، والاستيراد، بينما تراجعت القطاعات الإنتاجية، وتآكلت الصناعة، وانخفضت مساهمة الزراعة، وغابت السياسات التنموية طويلة الأمد.

    لقد أظهرت التجربة أن الاقتصاد الذي يعتمد بصورة شبه كاملة على التدفقات المالية الخارجية، وتحويلات المغتربين، والقطاع المصرفي، لا يستطيع الصمود أمام الأزمات الداخلية أو التحولات الإقليمية والدولية. وعندما توقفت هذه التدفقات، انهار النموذج بأكمله، لتظهر الحاجة إلى رؤية اقتصادية جديدة تقوم على الإنتاج الحقيقي، والاستثمار في البنية التحتية، وخلق فرص العمل، وإعادة توظيف الموقع الجغرافي للبنان ضمن منظومة اقتصادية متكاملة.

    من هذا المنطلق، أعدَّ "مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية" رؤية اقتصادية شاملة تهدف إلى إعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني وفق مفهوم جديد أطلق عليه اسم "المركز الاقتصادي المتكامل للشرق المتوسطي". ويقوم هذا المفهوم على إعادة تعريف وظيفة لبنان الاقتصادية، بحيث لا يبقى اقتصاداً ريعياً يعتمد على قطاع واحد، بل يتحول إلى مركز إقليمي يجمع بين الصناعة، والزراعة، والخدمات اللوجستية، والتجارة الدولية، والتكنولوجيا، والسياحة، والاقتصاد الرقمي، ضمن شبكة متكاملة من المشاريع التي تدعم بعضها بعضاً.

    نموذج اقتصادي جديد

    إن هذه الرؤية لا تنطلق من فكرة إنشاء مشاريع منفصلة أو إطلاق مبادرات متفرقة، وإنما من بناء نموذج اقتصادي جديد يعيد توزيع النشاط الاقتصادي على مختلف المناطق اللبنانية، ويمنح كل منطقة دوراً يتناسب مع مواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي وقدراتها البشرية. فبدلاً من استمرار التركز الاقتصادي في العاصمة والساحل، تقترح الرؤية توزيعاً وظيفياً للاقتصاد الوطني يجعل من الشمال مركزاً بحرياً ولوجستياً، ومن البقاع مركزاً للإنتاج الزراعي والصناعي والخدمات اللوجستية، ومن بعلبك–الهرمل قاعدة للصناعات المتخصصة، فيما تستعيد بيروت دورها كمركز إقليمي للشركات والخدمات المتقدمة، وتتوسع التنمية الزراعية والسياحية في عكار وجبل لبنان والجنوب.

    إن الهدف من هذا التوزيع ليس نقل النشاط الاقتصادي من منطقة إلى أخرى، بل خلق منظومة وطنية متكاملة، يكون نجاح كل منطقة مرتبطاً بنجاح المناطق الأخرى، بحيث تتحول البنية الاقتصادية اللبنانية إلى شبكة مترابطة بدلاً من اقتصاد مجزأ يقوم على المنافسة الداخلية.

    ويستند هذا النموذج إلى حقيقة أن لبنان يمتلك ميزات جغرافية لا تزال قادرة على منحه دوراً اقتصادياً مهماً في شرق المتوسط. فهو يقع عند نقطة التقاء المشرق العربي بالبحر المتوسط، ويشكّل جسراً طبيعياً بين الأسواق العربية والآسيوية والأوروبية. إلا أن هذه الميزة بقيت لعقود غير مستثمرة بالشكل الصحيح، نتيجة غياب التخطيط الاستراتيجي، وضعف البنية التحتية، وغياب الرؤية الاقتصادية الوطنية.

    وفي عالم أصبحت فيه سلاسل التوريد العالمية، والمراكز اللوجستية، والموانئ الذكية، وشبكات النقل الحديثة، عناصر أساسية في حركة التجارة الدولية، لم يعد الموقع الجغرافي وحده كافياً. فالدول التي نجحت في استثمار مواقعها لم تكتفِ بامتلاك المرافئ، بل بنت حولها منظومات متكاملة تضم السكك الحديدية، والمناطق الصناعية، والمطارات، والموانئ الجافة، والمراكز اللوجستية، ومناطق إعادة التصدير، حتى أصبحت عقداً رئيسة في الاقتصاد العالمي.

    ومن هنا، تنطلق الرؤية الاقتصادية لمركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية من فكرة أساسية مفادها أن لبنان يستطيع استعادة دوره الاقتصادي إذا أعاد بناء بنيته التحتية وفق هذا المفهوم الحديث، بحيث تصبح المرافئ والمطارات والسكك الحديدية والمناطق الصناعية والتجارية أجزاءً من منظومة واحدة، تعمل وفق رؤية وطنية موحدة، لا كمشاريع منفصلة أو متنافسة.

    ولهذا السبب، لا تعتبر الرؤية أن تطوير مرفأ أو إنشاء منطقة صناعية أو تحديث مطار يشكل بحد ذاته مشروعاً نهائياً، بل ترى أن القيمة الاقتصادية الحقيقية تكمن في التكامل بين هذه المشاريع. فالمرفأ يحتاج إلى شبكة نقل حديثة، وشبكة النقل تحتاج إلى مراكز لوجستية، وهذه تحتاج إلى مناطق صناعية وتجارية، بينما تحتاج جميعها إلى أسواق داخلية وخارجية، وإلى شراكات استثمارية، وإلى بيئة تشريعية وإدارية قادرة على إدارة هذا التحول الاقتصادي.

    البنية التحتية الوطنية

    انطلاقاً من هذا الفهم، تضع الرؤية البنية التحتية الوطنية في مقدمة الأولويات، باعتبارها المدخل الطبيعي لإعادة بناء الاقتصاد، وليس مجرد قطاع من قطاعات التنمية. لذلك، فإن تطوير المرافئ والمطارات، وإحياء السكك الحديدية، وإنشاء الميناء الجاف في البقاع، وربطه بالعاصمة عبر نفق بيروت–البقاع، لا تُطرح كمشاريع هندسية مستقلة، بل كأجزاء مترابطة من منظومة اقتصادية تهدف إلى تحويل لبنان إلى مركز اقتصادي متكامل للشرق المتوسطي، قادر على استقطاب الاستثمار، وتنشيط الإنتاج، وتعزيز موقعه في التجارة الإقليمية والدولية.

    وتنطلق الرؤية من اعتبار أن أي اقتصاد حديث لا يمكن أن يقوم على مرفأ واحد أو مدينة واحدة أو قطاع واحد، بل على شبكة متكاملة من البنى التحتية والمراكز الاقتصادية المترابطة. ومن هنا، فإن تطوير المرافئ والمطارات والسكك الحديدية ليس هدفاً بحد ذاته، وإنما وسيلة لإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للبنان وفق متطلبات الاقتصاد العالمي الحديث.

    في هذا الإطار، يحتل "ميناء طرابلس" موقعاً محورياً في الرؤية. فالميناء يمتلك إمكانات جغرافية ومساحات قابلة للتوسع تؤهله للعب دور أكبر في حركة التجارة البحرية شرق المتوسط. وتقترح الرؤية استكمال عمليات تطويره وتوسيعه، ورفع قدراته التشغيلية، وربطه بالمناطق الاقتصادية الحرة، بحيث يتحول إلى بوابة بحرية متخصصة في استقبال الحاويات والبضائع العابرة، وخدمة الأسواق اللبنانية والإقليمية.

    ولا تنظر الرؤية إلى ميناء طرابلس باعتباره بديلاً عن "مرفأ بيروت"، بل مكملاً له. فالمنافسة بين المرافئ اللبنانية لم تكن يوماً في مصلحة الاقتصاد الوطني، بينما يشكل التكامل بينها فرصة لبناء منظومة بحرية متطورة. لذلك، تدعو الرؤية إلى تحديث مرفأ بيروت بعد إعادة تأهيله، ليواصل أداء دوره كمركز رئيسي للخدمات اللوجستية والتجارية والمالية، مع ربطه مباشرة بشبكات النقل الحديثة والميناء الجاف في البقاع، بحيث تتحول العاصمة إلى مركز لإدارة حركة التجارة بدلاً من أن تبقى مجرد نقطة لتكدس الحاويات.

    كما تشمل الرؤية تطوير "مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات" ليصبح مطاراً مدنياً وتجاريًا متكاملاً يخدم شمال لبنان، ويستوعب جزءاً من حركة الشحن الجوي والركاب، الأمر الذي يخفف الضغط عن مطار بيروت الدولي، ويخلق فرصاً جديدة للاستثمار في المحافظات الشمالية.

    وتقترح الرؤية أيضاً تحويل "مطار رياق" من مطار عسكري إلى مطار مدني متخصص بالنقل الجوي والشحن، بما يجعله جزءاً من شبكة النقل الوطني، ويمنح منطقة البقاع منفذاً جوياً مباشراً يدعم الصناعات والزراعة والتجارة، ويختصر الوقت والكلفة أمام المصدرين اللبنانيين.

    غير أن هذه المشاريع، على أهميتها، لا تحقق أهدافها ما لم ترتبط بشبكة نقل حديثة تعيد وصل مختلف المناطق اللبنانية ببعضها البعض. ولهذا السبب، تضع الرؤية إعادة إحياء "السكك الحديدية" في صلب مشروع إعادة بناء الاقتصاد الوطني.

    فالسكك الحديدية ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي العمود الفقري للاقتصادات الحديثة. ففي معظم الدول الصناعية، تنتقل النسبة الأكبر من البضائع عبر القطارات، لما توفره من انخفاض في الكلفة، وسرعة في الحركة، وقدرة على نقل كميات ضخمة، إضافة إلى مساهمتها في الحد من الازدحام واستهلاك الوقود والانبعاثات البيئية.

    وتقترح الرؤية إنشاء شبكة سكك حديدية حديثة تربط مرفأي بيروت وطرابلس بالميناء الجاف في البقاع، ثم تمتد نحو المناطق الصناعية والزراعية، بما يسمح بانتقال البضائع مباشرة من السفن إلى القطارات، ومنها إلى مراكز الإنتاج أو التخزين أو إعادة التصدير، دون الحاجة إلى الاعتماد الكامل على النقل بالشاحنات.

    وفي قلب هذه المنظومة يبرز "مشروع نفق بيروت-البقاع"، الذي يمثل أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في الرؤية الاقتصادية. فهذا المشروع لا يُنظر إليه على أنه مجرد حل مروري أو اختصار للمسافة بين الساحل والبقاع، بل باعتباره ممراً اقتصادياً وطنياً يعيد رسم العلاقة بين الساحل والداخل.

    فالجبال التي تفصل بيروت عن البقاع شكّلت لعقود عائقاً طبيعياً أمام حركة النقل السريعة، وهذا ما أدى إلى ارتفاع كلفة نقل البضائع وإطالة زمن وصولها إلى الأسواق والمرافئ. أما إنشاء نفق حديث يربط المنطقتين، فيسمح بإنشاء ممر اقتصادي دائم يعمل في مختلف الظروف المناخية، ويختصر الزمن بشكل كبير، ويخفض الكلفة التشغيلية، ويرفع تنافسية الاقتصاد اللبناني.

    وتقترح الرؤية أن يترافق النفق مع إنشاء خط سكك حديدية حديث يمتد من مرفأ بيروت إلى البقاع، بحيث تصبح الحاويات التي تصل إلى المرفأ قادرة على الانتقال مباشرة إلى الداخل اللبناني خلال فترة زمنية قصيرة، دون المرور بالازدحام التقليدي على الطرق الجبلية. وهذا التحول لا يقتصر أثره على قطاع النقل، بل ينعكس على الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات اللوجستية، لأنه يخفض كلفة الإنتاج ويزيد سرعة حركة البضائع.

    ومن هنا، يرتبط النفق مباشرة بأحد أهم مشاريع الرؤية، وهو "الميناء الجاف في البقاع".

    موانئ جافة

    ففي المفهوم الاقتصادي الحديث، لم تعد المرافئ البحرية هي المكان الوحيد لإنجاز العمليات اللوجستية والجمركية. وقد اتجهت دول عديدة إلى إنشاء موانئ جافة في الداخل، ترتبط بالمرافئ البحرية بواسطة السكك الحديدية، بحيث تنتقل إليها الحاويات فور وصولها، وتُستكمل فيها عمليات التخزين والجمركة وإعادة التوضيب والتوزيع.

    وتقوم الرؤية على إنشاء ميناء جاف متكامل في البقاع، لا يقتصر على استقبال الحاويات، بل يضم منظومة اقتصادية متكاملة تشمل مستودعات ضخمة، ومراكز جمركية، ومخازن مبردة، ومناطق لإعادة التغليف والتوضيب، وأسواقاً لعرض المنتجات، ومراكز للتجارة الإلكترونية، ومناطق صناعية، ومنصات لإعادة التصدير.

    وتتمثل الوظيفة الأولى للميناء الجاف في تخفيف الضغط عن المرافئ البحرية، بحيث لا تبقى الحاويات لفترات طويلة داخل المرافئ، بل تنتقل بسرعة إلى الداخل، الأمر الذي يرفع القدرة الاستيعابية للمرافئ ويزيد كفاءتها التشغيلية.

    أما الوظيفة الثانية، فهي تحويل البقاع إلى مركز لوجستي وطني وإقليمي، يجذب الاستثمارات المرتبطة بالنقل والتخزين والتصنيع والخدمات، ويخلق آلاف فرص العمل في القطاعات المرتبطة بسلاسل التوريد.

    أما الوظيفة الثالثة، فتتمثل في دعم الصناعات الوطنية، إذ تصبح المواد الأولية أقرب إلى المصانع، كما تصبح عمليات التصدير أكثر سرعة وكفاءة، وهو ما ينعكس مباشرة على القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية.

    وتتجاوز أهمية الميناء الجاف الجانب اللوجستي، ليصبح منصة متكاملة للتجارة الإلكترونية، عبر إنشاء مخازن ذكية ومراكز توزيع حديثة قادرة على خدمة الأسواق المحلية والإقليمية، والاستفادة من التحول العالمي نحو التجارة الرقمية.

    ومن خلال هذا التكامل بين المرافئ، والسكك الحديدية، والنفق، والميناء الجاف، تقترح الرؤية إعادة توزيع الاقتصاد اللبناني جغرافياً، بحيث تصبح التنمية أكثر توازناً.

    ففي "طرابلس"، يتم تعزيز الدور البحري واللوجستي والصناعي، إلى جانب تطوير معرض رشيد كرامي الدولي وتحويله إلى مركز إقليمي دائم للمعارض والمنتجات الدولية.

    وفي "البقاع"، يتم إنشاء الميناء الجاف، والمناطق الصناعية، والمراكز اللوجستية، والأسواق التجارية، بما يحول المنطقة إلى قلب الاقتصاد الإنتاجي اللبناني.

    أما "بعلبك-الهرمل"، فتقترح الرؤية إنشاء مناطق صناعية ضخمة متخصصة في تجميع السيارات، وصناعة الدواليب، والآلات الزراعية، بما يؤسس لقطاع صناعي جديد قادر على خدمة الأسواق المحلية والإقليمية، مستفيداً من المساحات الواسعة وتوافر اليد العاملة وإمكانات التوسع المستقبلية.

    وفي "بيروت"، يبقى التركيز على دور العاصمة كمركز للشركات الدولية، والمؤسسات المالية والاستشارية، والإدارة الإقليمية للأعمال، بحيث تستعيد المدينة مكانتها الاقتصادية من خلال الخدمات المتقدمة، لا من خلال الاحتكار الجغرافي للنشاط الاقتصادي.

    مناطق صناعية متخصصة

    ويواكب هذا التوزيع الجغرافي إنشاء مناطق صناعية حديثة متخصصة بالصناعات الغذائية والزراعية، وإنشاء مصانع لمعالجة النفايات وإعادة التدوير وفق مبدأ "صفر طمر"، بما يحول النفايات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي يخلق فرص عمل ويؤسس لاقتصاد دائري مستدام.

    كما تتضمن الرؤية إنشاء مناطق زراعية متخصصة في "عكار والبقاع وجبل لبنان والجنوب" لزراعة الأعشاب الطبية والنباتات العطرية وفق معايير حديثة، وربطها بالصناعات الدوائية والغذائية، واستهداف الأسواق العالمية، ولا سيما السوق الصينية التي تشهد طلباً متزايداً على هذا النوع من المنتجات.

    ولا تنفصل هذه المشاريع عن التحولات العالمية في التجارة، إذ تدعو الرؤية إلى إنشاء مراكز متخصصة للتجارة الإلكترونية، ومخازن ذكية، ومنصات رقمية، ومعاهد تدريب، بحيث يصبح لبنان مركزاً إقليمياً لتخزين البضائع وتوزيعها وإعادة تصديرها، مستفيداً من موقعه الجغرافي وشبكة البنية التحتية الجديدة التي تقترحها هذه الرؤية.

    ولا تقتصر الرؤية الاقتصادية على النقل البري واللوجستيات، بل تمتد إلى إعادة اكتشاف البحر باعتباره أحد أهم الموارد الاقتصادية غير المستثمرة في لبنان. فعلى الرغم من امتلاك البلاد شريطاً ساحلياً يمتد لأكثر من مئتي كيلومتر، بقي الاقتصاد البحري محصوراً بأنشطة تقليدية محدودة، في حين استطاعت دول متوسطية عديدة أن تبني جزءاً مهماً من اقتصادها على النقل البحري، والسياحة البحرية، والصناعات السمكية، والخدمات المرتبطة بالمرافئ.

    وانطلاقاً من ذلك، تقترح الرؤية إنشاء "شركات مساهمة لصيد الأسماك وصناعتها"، تقوم على شراكة بين الصيادين اللبنانيين والقطاع الخاص اللبناني أو المستثمرين الدوليين، بحيث يمتلك الصيادون ما لا يقل عن 50 في المئة من أسهم هذه الشركات، بينما تعود النسبة المتبقية إلى المستثمرين والشركاء الصناعيين. ويهدف هذا النموذج إلى نقل قطاع الصيد من النشاط الفردي المحدود إلى اقتصاد مؤسساتي حديث، يوفر للصيادين التمويل، والتكنولوجيا، ومعدات الصيد، وسفن التبريد، ومصانع التصنيع والتوضيب، ويمنحهم في الوقت نفسه دوراً أساسياً في ملكية المشاريع واستدامتها.

    كما تقترح الرؤية إنشاء مصانع متخصصة لتصنيع وتعليب المنتجات السمكية، بما يتيح رفع القيمة المضافة للإنتاج البحري اللبناني، ويؤسس لصادرات جديدة نحو الأسواق العربية والدولية، بدلاً من الاكتفاء بتسويق الإنتاج محلياً.

    وفي موازاة ذلك، تدعو الرؤية إلى إطلاق "شبكة وطنية للنقل البحري الداخلي" عبر قوارب الأجرة البحرية (Taxi Boats)، تربط المدن الساحلية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، من خلال محطات حديثة ومنظمة، بما يخفف الضغط عن الطرق البرية، ويقدم وسيلة نقل سريعة وآمنة وصديقة للبيئة، فضلاً عن دورها في تنشيط السياحة الداخلية.

    ولا تتوقف هذه الشبكة عند الحدود اللبنانية، بل تقترح الرؤية إعادة فتح خطوط نقل بحري للركاب والسياحة مع قبرص وتركيا وسوريا ومصر، بما يعيد ربط لبنان بحوض شرق المتوسط، ويعزز حركة رجال الأعمال والسياح، ويفتح آفاقاً جديدة أمام الاقتصاد والخدمات.

    ويواكب ذلك تطوير السياحة البحرية، من خلال تحديث المرافئ السياحية، وتشجيع اليخوت والرحلات البحرية، وتنظيم الفعاليات الرياضية والبيئية، بما يعيد إدماج البحر في الدورة الاقتصادية اللبنانية، ويخلق فرصاً استثمارية جديدة في قطاع الخدمات.

    إعادة تأهيل نهر الليطاني

    ومن بين المشاريع الأكثر شمولية في هذه الرؤية يبرز "مشروع إعادة تأهيل نهر الليطاني"، الذي لا يُنظر إليه كمشروع بيئي فحسب، بل باعتباره مشروعاً وطنياً لإعادة بناء جزء كبير من الاقتصاد اللبناني.

    فالليطاني ليس مجرد مجرى مائي، بل هو الحوض الزراعي الأكبر في لبنان، ويمر في عدد كبير من المناطق التي تعاني اليوم من التراجع الاقتصادي والبطالة والتلوث. ومن هنا، ترى الرؤية أن إعادة إحياء هذا النهر يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لتنمية اقتصادية متكاملة تمتد من البقاع حتى الجنوب.

    وتبدأ هذه العملية بمعالجة مصادر التلوث، عبر إنشاء محطات حديثة لمعالجة مياه الصرف الصحي، ومنع تصريف النفايات الصناعية والزراعية إلى مجرى النهر، وإلزام المنشآت الصناعية بمعايير بيئية حديثة، بما يعيد المياه إلى مستويات تسمح باستخدامها في الري والزراعة.

    وتقترح الرؤية تحديث شبكات الري المرتبطة بحوض الليطاني، وإدخال تقنيات الزراعة الذكية، وأنظمة الري الحديثة، والتحول نحو الزراعات ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة، بما يزيد الإنتاجية، ويرفع دخل المزارعين، ويعزز الأمن الغذائي الوطني.

    كما تشمل الرؤية إنشاء بحيرات اصطناعية صغيرة، ومتنزهات عامة، ومسارات للمشاة والدراجات الهوائية، ومراكز للرياضات المائية، ومنتجعات بيئية، بما يحول النهر إلى مقصد سياحي وبيئي، ويعيد دمجه في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمناطق المحيطة به.

    ولا يقتصر المشروع على السياحة والزراعة، بل يتضمن أيضاً تشجيع الصناعات الغذائية المرتبطة بالإنتاج الزراعي، وإنشاء مراكز للتوضيب والتبريد والتصنيع الغذائي بالقرب من مناطق الإنتاج، بما يرفع القيمة المضافة للمنتجات اللبنانية، ويعزز قدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية.

    وتدعو الرؤية كذلك إلى الاستفادة من الإمكانات المتاحة لإنتاج الطاقة المتجددة على امتداد حوض الليطاني، بما يساهم في دعم المشاريع الزراعية والصناعية، ويخفض كلفة الإنتاج، ويعزز مفهوم التنمية المستدامة.

    إن الهدف النهائي من هذا المشروع هو تحويل حوض الليطاني إلى "محور تنمية وطني متكامل"، يجمع بين البيئة، والزراعة، والصناعة، والطاقة، والسياحة، والتنمية الريفية، ويشكل نموذجاً لإعادة إحياء المناطق اللبنانية من خلال الاستثمار في مواردها الطبيعية.

    وتكتمل هذه الرؤية عبر الانفتاح على "الشراكات اللبنانية - الصينية - الدولية"، ليس باعتبارها مصدراً للتمويل فقط، بل بوصفها شراكات لنقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، وتطوير الصناعات، وإنشاء مراكز للبحث والتطوير، وتدريب الكوادر اللبنانية، والاستفادة من الخبرات العالمية في إدارة المرافئ، والمناطق الصناعية، وشبكات النقل، والطاقة، والاقتصاد الرقمي.

    وفي هذا السياق، ترى الرؤية أن مبادرة "الحزام والطريق" تمثل فرصة يمكن للبنان الاستفادة منها إذا امتلك رؤية وطنية واضحة تحدد أولوياته ومصالحه، بعيداً عن منطق الارتهان أو الاصطفافات السياسية. فالتعاون الاقتصادي مع الصين أو مع أي دولة أخرى يجب أن ينطلق من حاجات الاقتصاد اللبناني، وأن يهدف إلى تعزيز الإنتاج، ونقل المعرفة، وخلق فرص العمل، وتطوير البنية التحتية، ضمن شراكات متوازنة تحفظ السيادة الوطنية وتحقق المنفعة المتبادلة.

    منصة للتعاون الدولي

    وفي المقابل، لا تحصر الرؤية خيارات لبنان بشريك دولي واحد، بل تدعو إلى تنويع العلاقات الاقتصادية مع مختلف الدول والمؤسسات الاستثمارية، بحيث يصبح لبنان منصة للتعاون الدولي، ومركزاً لاستقطاب الاستثمارات، وجسراً بين الشرق والغرب، مستفيداً من موقعه الجغرافي، وطاقاته البشرية، وانفتاحه التاريخي على الأسواق العالمية.

    إن جوهر هذه الرؤية لا يكمن في أي مشروع منفرد، مهما بلغت أهميته، بل في العلاقة التكاملية بين جميع المشاريع. فالمرافئ لا تحقق كامل قيمتها من دون السكك الحديدية، والسكك الحديدية تحتاج إلى الميناء الجاف، والميناء الجاف يحتاج إلى المناطق الصناعية، وهذه تحتاج إلى الزراعة الحديثة والتجارة الإلكترونية، كما تحتاج جميعها إلى مطارات حديثة، وبنية تشريعية متطورة، وشراكات استثمارية، وكوادر بشرية مدربة.

    ولهذا، فإن الرؤية التي أعدها "مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية" لا تقدم قائمة مشاريع، بل تطرح نموذجاً اقتصادياً متكاملاً لإعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني، يقوم على الانتقال من اقتصاد ريعي محدود إلى اقتصاد إنتاجي ولوجستي متنوع، يجعل من لبنان "مركزاً اقتصادياً متكاملاً للشرق المتوسطي".

    لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في تحقيق نهضتها الاقتصادية لم تبدأ بالبحث عن التمويل، بل بدأت بتحديد رؤيتها الوطنية، ثم بنت مؤسساتها وبنيتها التحتية واستثماراتها على أساس تلك الرؤية. ولبنان اليوم يقف أمام فرصة مماثلة. فبدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات، يمكنه أن ينتقل إلى مرحلة بناء اقتصاد جديد، أكثر إنتاجاً وتوازناً واستدامة، إذا توافرت الإرادة السياسية، واعتمد التخطيط العلمي، وتحولت الرؤية الاقتصادية إلى مشروع وطني جامع، يعيد الثقة بالدولة، ويمنح اللبنانيين أملاً بمستقبل اقتصادي مختلف.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology