غادة حداد -
يطرق التوحّش العقاري أبواب حيّ قشوع في الجعيتاوي. منازل تاريخية، وشرفات وذاكرة اجتماعية مُهدّدة أمام تمدّد الإسمنت ومنطق الربح. وبين ضغوط البيع وثغرات الحماية القانونية، يعود شبح المدينة التي صنعتها «سوليدير»: بيروت تُنتزع من سكانها، حيّاً بعد آخر. فهل وصل «البرابرة» إلى الجعيتاوي؟
يواجه حيّ قشوع في منطقة الرميل/ الجعيتاوي مخاوف متزايدة من تمدّد الاستثمار العقاري إلى نسيجه التاريخي، بعدما اشترى مُطوِّر عقاري منزلاً قديماً في الحي، وسط حديث السكان عن محاولات متكرّرة لشراء منازل إضافية عبر إغراءات مالية تمهيداً لهدمها وإقامة مبانٍ مرتفعة. وبينما ينفي المُطوِّر وجود خطة لشراء عقارات جديدة، يؤكّد الأهالي أن الضغوط مستمرة، في ظل خشية من فقدان أحد آخر أحياء بيروت التي لا تزال تحتفظ بطابعها العمراني والاجتماعي التقليدي.
لا يزال حيّ قشوع في الجعيتاوي يحتفظ بطابعه التاريخي وبملامحه القروية التي قاومت تمدّد الإسمنت لعقود. منازله المتواضعة، التي لا يتجاوز ارتفاع معظمها ثلاثة طوابق، تتجاور بألوانها الهادئة، فيما تتدلّى النباتات والزهور من شرفاتها. هنا، لا تزال العلاقات الاجتماعية جزءاً من هوية المكان. يعرف السكان بعضهم بعضاً، وتتقاطع تفاصيل حياتهم اليومية كما لو أن الحيّ قرية صغيرة في قلب بيروت. لكنّ وسط هذا النسيج العمراني والاجتماعي، ترتفع بناية حديثة لا تشبه محيطها، لا في هندستها ولا في وظيفتها الاجتماعية.
شبح التوحّش العمراني
يخشى سكان الحي أن يكون هذا المبنى مجرّد بداية. منذ قرابة الأسبوعين، اشترى مُطوِّر عقاري الذي يقوم بتشييد المبنى، منزلاً قديماً في الحي، في خطوة أثارت مخاوف من أن تكون تمهيداً لشراء منازل أخرى وهدمها، تمهيداً لإقامة مبانٍ شاهقة تغيّر وجه الحي وهويته، ليجتاح التوحّش العمراني أحد الأماكن القليلة في بيروت التي لا تزال تحافظ على الهوية العمرانية اللبنانية.
هذا ليس العقار الأول الذي اشتراه، إذ سبق أن اشترى أربعة عقارات، معظمها قطع أراضٍ فارغة. أمّا العمارة التي يجري تشييدها اليوم، فقد اشترى المُطوِّر العقاري الأرض في عام 2016. وبحسب سكان الحي، يسعى أيضاً إلى شراء منازل إضافية، عبر إغراء أصحابها بالمال أو بعرض شقق في المباني الجديدة، مؤكّداً قدرته على هدم المباني بذريعة حصوله على إذن هدم أحد المباني، من المديرية العامة للآثار في وزارة الثقافة، إلا أن عملية الهدم ستخضع لرقابة المديرية العامة للآثار، للحؤول دون تعرّض المباني المجاورة لأي ضرر.
وفي حديث معنا، نفى المُطوِّر العقاري نيته شراء عقارات أو منازل جديدة، لكنه أقرّ بشرائه عدداً من العقارات بعدما عرضها أصحابها عليه، في حين يقدّم السكان رواية مغايرة حول الموضوع تفيد بعرض إغراءات للبيع. كما حاول إظهار القضية على أنها مجرّد خلاف بين سكان الحي، معتبراً أنّ المشكلة تكمن في أن أحد المالكين يريد البيع فيما يرفض جاره ذلك، ثم يحاولون تحميله المسؤولية. حتى إنه قال لصاحب أحد العقارات إنه لو كان هو المالك لَما كان ليبيع.
الحماية القانونية: بين الضمانات والثغرات
يواجه المشروع عقبة قانونية أساسية، تتمثّل في رفض وزارة الثقافة منح أي إذن بهدم منزل تاريخي يعود تشييده إلى ما قبل عام 1970، وفق معايير المبنى التاريخي. ويشرح لنا مستشار وزير الثقافة جاد تابت أن التصنيف على لائحة الجرد العام يتم تلقائياً بالنسبة إلى المباني الكبيرة. أمّا في حالة المنازل الصغيرة، فعند تقديم طلب هدم، تتوجّه لجنة من مديرية الآثار، مؤلّفة من ثمانية أشخاص من مهندسين وأساتذة جامعات، إلى الموقع لدراسة الطلب. وبعد الكشف على المبنى، تقرّر اللجنة إمّا السماح بالهدم أو رفضه، ويلتزم الوزير بقرارها. وتنظر اللجنة في قيمة المبنى وشكله الهندسي، إذ يمكن حتى لمبنى من الباطون أن يُدرج على اللائحة. وأشار تابت إلى أن غالبية المباني التي يجري تصنيفها اليوم هي مبانٍ باطونية شُيّدت في أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن الماضي، بعدما أصبحت البيوت الأقدم نادرة.
وأكّد تابت على أنّ المبنى الحاصل على إذن هدم، الذي يُستخدم للضغط على السكان، يقع على العقار الرقم 1264، وهو غير مُصنّف، وقد حصل بالفعل على إذن بالهدم في نهاية شهر نيسان (أبريل) الماضي. أمّا المباني المحيطة به، ولا سيما العقاران 1262 و1218، فلا طلبات لهدمها. وحتى في حال تقديمها، فلن تُمنح أذونات هدم.
كما أشار إلى أن الوزارة، في عهد الوزير غسان سلامة، ألغت قرارات عدة كانت تسمح بهدم منازل تاريخية، وأعادت تصنيفها على لائحة الجرد العام. وفي حال لجأ المالك إلى الاستحصال على أذونات هدم عبر المحافظ، بحجة أنّ المنازل تشكّل خطراً على السلامة العامة، فلن تمر، لأن العملية تشترط تقديم طلب مستعجل والحصول على إذن من الوزير.
ويرى تابت أنه من الطبيعي أن يحاول المُطوِّر العقاري تخويف السكان ودفعهم إلى البيع، لكنه يؤكّد أنه لن يتمكن من تنفيذ ذلك بالنسبة إلى المنازل التاريخية، لأن الوزارة لن تمنح أيّ إذن بالهدم.
بعد انفجار مرفأ بيروت، أُجري مسح للمنازل التراثية والتاريخية، وبناءً عليه جرى الترميم للحفاظ على الطابع التاريخي والتراثي للمباني المتضرّرة. وفي وقت لا تستطيع فيه الوزارة منع تشييد مبانٍ شاهقة على الأراضي الفارغة في أحياء ذات طابع تاريخي، تسعى الوزارة لاعتماد نموذج «الأحياء النموذجية» الذي يقوم على وضع نموذج عمراني خاص يمنع تشييد أو ترميم أيّ مبنى لا يراعي الطابع التاريخي أو التراثي للحي، ومع احتمال تعميم هذا النموذج على أحياء أخرى، في محاولة رسمية لحماية ما تبقّى من الهوية العمرانية لبيروت وفق ما يقول لنا تابت. ومع ذلك، فإن هذا القرار لا يضمن حماية هذه المنازل بصورة نهائية، إذ يمكن للمالك التقدّم بشكوى أمام مجلس شورى الدولة لإزالة العقار من لائحة الجرد العام، وهو ما حصل في أماكن عدة سابقاً. وفي هذه الحالة، لا تعود لدى الوزارة القدرة على حماية الموقع. ويشير تابت إلى أنّه من بين نحو خمسين مبنى مُصنّفاً في بيروت، أصدر مجلس شورى الدولة أحكاماً تتعلق بموقعين أو ثلاثة.
هل يعلو التراث على الملكية الخاصة؟
تطرح هذه الإشكاليات سؤالاً أوسع حول حدود الملكية الخاصة. ففي وقت يتعرّض فيه لبنان للإبادة ولمحو الهوية، باتت حتى الصور الشخصية وثيقة عامة تحفظ التاريخ والتراث، فكيف الحال بالنسبة إلى موقع تاريخي؟ من هنا، يبرز النقاش حول ضرورة وضع حدود للملكية الخاصة، التي قد تمنح حق تملّك الأرض، لكنها لا تمنح ملكية باطنها، ولا الهواء، ولا الزمن، ولا الذاكرة الجماعية. ويقود ذلك إلى نقاش أوسع حول شمولية التصنيف على لائحة الجرد العام.
هذا المبدأ ليس استثناءً لبنانياً، بل يشكّل أحد الأسس التي قامت عليها سياسات حماية التراث في العالم. منذ عام 1968، أكّدت منظمة اليونسكو في توصيتها بشأن حماية الممتلكات الثقافية المُهدّدة بالأشغال العامة أو الخاصة أن حماية التراث لا تقتصر على المواقع المُصنّفة، بل تشمل أيضاً المواقع والأحياء التي لم تُدرج بعد على أي لوائح رسمية، وأن على الدول اتخاذ التدابير التشريعية والإدارية اللازمة لمنع تدميرها بفعل المشاريع الخاصة، لأن قيمتها تتجاوز مصلحة المالك الفردية إلى المصلحة العامة. كما شدّدت التوصية على أن الحفاظ على التراث يجب أن يشمل الأحياء التاريخية بكاملها، لا الأبنية المنفردة فقط، وأن التخطيط العمراني يجب أن يوازن بين التنمية الاقتصادية وصون الهوية الثقافية.
«سوليدير» نموذجاً
ما يجري في حي قشوع ليس حالة مبنى مُهدّد بالمحو، بل بهوية بيروت التي تبدّلت بعد عام 1990 في خطط إعادة الإعمار لشركة «سوليدير». وقد حذّر المعماري الراحل رهيف فياض من هذه التحوّلات، معتبراً أن مشروع «سوليدير» لم يرمّم المدينة بقدر ما أعاد إنتاجها وفق منطق السوق العقارية، فأزيلت الساحات والأسواق التاريخية التي شكّلت فضاءات للتلاقي والحياة المدنية، واستُبدلت بأبراج ومجمّعات تجارية منفصلة عن النسيج الاجتماعي للمدينة، ما أدّى إلى إضعاف المجال العام وتحويل وسط بيروت إلى فضاء موجّه لرأس المال، ما أسهم في إقصاء الفئات الشعبية ورفع أسعار العقارات، بحيث أصبحت المدينة أكثر جذباً للمستثمرين وأقل قدرة على احتضان سكانها الأصليين.
واعتبر فياض أنّ «سوليدير» هي نموذج لتحوّل أوسع يصيب المدن عندما تصبح الأرض سلعةً والمدينة مشروعاً استثمارياً، محذّراً من أن تخسر بيروت هويتها عندما تُستبدل بيوتها التقليدية وأحياؤها التاريخية بعمارة لا تعكس ذاكرة المدينة ولا حياة سكانها.
المدينة في مواجهة الجَنتَرة
تتقاطع رؤية فياض مع الأدبيات النقدية التي طوّرها مفكرون أمثال هنري لوفيفر وديفيد هارفي، التي ترى أن الصراع حول المدينة هو صراع على من يمتلكها ومن يملك حق استخدامها. فحين تتحوّل المدينة إلى سلعة تخضع لمنطق الربح، تتراجع وظيفتها الاجتماعية ويُقصى سكانها تدريجاً، فيما يصبح الحفاظ على الهوية العمرانية مرتبطاً، قبل أي شيء، بالحفاظ على الناس وحقهم في المدينة.