شفيق طبارة -
تحتفل سينما «متروبوليس» بعشرين عاماً من الصمود الثقافي في بيروت، ببرنامج يمتد من 8 إلى 11 تموز (يوليو) الحالي. بين «سينما باراديسو» وغودار والسينما العربية وأفلام لبنانية حديثة، تستعيد الاحتفالية دور السينما كمساحة للذاكرة والنقاش وبناء جمهور، في بلد تتقلّص فيه المؤسسات الثقافية
إن بلوغ سينما «متروبوليس» عامها العشرين ليس مجرد ذكرى سنوية، بل هو فعل صمود في بلد بات فيه الصمود فناً بحد ذاته. في لبنان، حيث تنهار المؤسسات، وتختفي المساحات الثقافية بين عشية وضحاها، وحيث تختفي الأراضي وتُحتل، يُعدّ الحفاظ على أي شيء حياً لعقدين من الزمن معجزة بحد ذاتها. لكن الحفاظ على سينما حية؟ هذا يكاد يكون مستحيلاً.
بيت للسينما... رغم الانهيار
مع ذلك، نجحت «متروبوليس»، ليس لأن الظروف كانت مؤاتية، بل لأن الناس استمروا في الحضور. في 11 تموز (يوليو) 2006، فتحت «متروبوليس» أبوابها في الحمرا للمرة الأولى. وبعد أيام قليلة، اندلعت الحرب الإسرائيلية على لبنان. بعد ذلك انتقلت إلى مبنى «صوفيل» في الأشرفية. من الصعب تخيّل قصة نشأة أكثر ملاءمة وأشدّ قسوة لسينما في هذا البلد. بعد عشرين عاماً، لا تزال السينما هنا، ليس بتجنّب الانهيار المحيط بها، بل بامتصاص كل ضربة ورفض الإغلاق. شهدت «متروبوليس» بيروت تنهار ببطء: اقتصاد تبخر بين ليلة وضحاها، وعملة فقدت معناها، ومع ذلك، لا تزال قائمة اليوم في منطقة مار مخايل، في مبنى جديد قرب البحر.
بعد عشرين عاماً، لا تزال «متروبوليس» شاهدة على أنه حتى في بلد مُنهك بالأزمات، يمكن لمجتمع بُني حول السينما أن يصمد ويتكيف ويواصل الحلم. وهذا هو سبب أهمية هذه الذكرى بما يتجاوز الحنين إلى الماضي. كلّ عرض، كلّ حوار، كلّ مهرجان تقيمه «متروبوليس» هو بمثابة توثيق للذاكرة الثقافية بقدر ما هو برنامج، فهو يبني الجمهور الذي ستحتاجه السينما اللبنانية للأعوام العشرين القادمة. لهذا السبب، فإن بقاء «متروبوليس» ليس مجرد قصة ذكرى جميلة، بل دليل على أنّ السينما في لبنان، رغم كل الصعاب، لا يزال لها بيتها.
«عشرون عاماً معاً» احتفالية صغيرة تقيمها «متروبوليس» على عدّة أيام (8 إلى 11 تموز) في مناسبة مرور عشرين سنة على تأسيسها. يتضمّن البرنامج عروضاً منتقاة من الأفلام الطويلة والقصيرة، إلى جانب جلسة حوارية مخصّصة للسينما العربية، تُناقش تحوّلاتها، تحدّياتها، وأصواتها الجديدة.
«سينما باراديسو»: الحبّ الأول للشاشة
للاحتفال بالسينما، لا فيلم يعبّر عن الحبّ لها أكثر من «سينما باراديسو» (الأربعاء 8 تموز ـــ الساعة الثامنة والنصف مساءً). ثمة أفلام لا تُشاهد بقدر ما تُعاش، و«سينما باراديسو» (1988 ـ إخراج جوزيبي تورناتوري) واحد منها. كثيرون يحملون ذكرى لا تمّحي عن هذا الفيلم، يستعيدون الشعور نفسه في كل مشاهدة، وتبقى الدموع جاهزة عند نهايته كأنها المرة الأولى.
يحكي الفيلم قصة سلفاتوري دي فيتا الذي تُطارده بقايا ماض لم يُغلق بعد، فيعود إلى قريته الصقلية الصغيرة، حيث نشأ وترعرع، بعد أن يبلغه خبر وفاة عارض الأفلام في دار السينما الوحيدة هناك. هناك، تتكشف أمامه الذكريات: الأشخاص، الأحاسيس، الحبّ الأول، وتلك العلاقة الدافئة مع الرجل الذي علّمه كيف يحوّل أحلامه إلى صور متحركة على شاشة. تتجلى لغة تورناتوري في هذا الفيلم من خلال دمج مشاهد من أفلام أخرى تركت أثرها في تاريخ السينما، لتتشابك مع رحلة سلفاتوري الخاصة.
«الحارس» لعلي شرّي
حضور هذه اللقطات لا يبدو استعادة بصرية عابرة، بل استحضار لجوهر علاقتنا بالسينما نفسها. أما المشهد الختامي، بتلك القبلات السينمائية التي حجبتها الرقابة سنوات طويلة، فهو كفيل بتحريك أكثر القلوب جفافاً، خصوصاً حين يتداخل مع موسيقى إنيو موريكوني التي تبقى عالقة في الذاكرة أطول من الصورة نفسها.
من غودار إلى «كاميرا عربية»: السينما تسائل السياسة
تستكمل احتفالية «متروبوليس» يوم الخميس، مع فيلم قصير للمخرج اللبناني غسان سلهب بعنوان «لقاء قصير مع جان لوك غودار (أو السينما كاستعارة)» (الخميس 9 تموز ـــ الساعة الثامنة مساءً)، وهو مقابلة مبنية على فيلم «موسيقانا» لغودار، حيث يتحدث عن صناعة الأفلام. بعد الفيلم يعرض «موسيقانا» (2004)، وهو عمل بدوي، لأنه لا شيء في هذا الفيلم في مكانه. الهنود الحمر ليسوا في المنزل، خوان غويتسسولو ليس في كاتالونيا، محمود درويش ليس في فلسطين، سراييفو ليست في مكانها، حتى الكلمات التي نسمعها هي مجرد صدى لأنه لكي تكون في قلب الواقع، يجب أن تكون بعيداً منه. يمكننا سماع ما يحدث في مكان ما بشكل أفضل عند نقله.
بنى غودار فيلمه على قاعدة «الكوميديا الإلهية» لدانتي، في ثلاثة أجزاء: الجحيم، المطهر، الفردوس ووفقاً لقواعد جدلية: اللقطة/ اللقطة العكسية. استخدم «موسيقانا» هذا التدفق البصري للوعي للتشكيك في مفاهيم المسؤولية والذنب، والأشخاص الذي يقولون «هذه موسيقانا» يقولون نحن هنا، نحن الأشخاص الموجودين على الحدود، أولئك النازحون اللاجئون، قسرياً أو أحياناً طوعياً. وهنا مرة أخرى، فلسطين في خضم هذا العابر للحدود وهذا التشتت.
بعد غودار وغسان سلهب، تستكمل احتفالية «متروبوليس» بالسينما العربية والقارة الأفريقية. في امتداد طبيعي لنجاح فيلمه الوثائقي عن السينما الأفريقية «كاميرا أفريقيا» (1983)، عاد المخرج التونسي فريد بوغدير ليقدم رحلة مكثّفة وسريعة عبر أبرز محطات السينما العربية. «كاميرا عربية» (1987، الجمعة 10 تموز ـــ الساعة السابعة والنصف) ساعة واحدة فقط، لكنها كافية لفتح نافذة واسعة على عالم غنيّ بالأفلام والمخرجين، ولتقديم مدخل مثالي لمن يرغب في تكوين صورة شاملة عن التحولات التي شهدتها السينما في المنطقة.
يعرض «كاميرا عربية» مقتطفات من أعمال مخرجين تركوا بصمة واضحة في هذا المسار، من محمد الأخضر حمينة ومحمود بن محمود وعبد اللطيف بن عمار، إلى مرزاق علواش وسهيل بن بركة ومحمد ملص ونوري بوزيد وجوسلين صعب. ويمنح الفيلم مساحة خاصة ليوسف شاهين، الذي شكّلت أفلامه محاولة جريئة ومؤلمة لفهم اهتزاز الهوية العربية في عالم مضطرب سياسياً. يشير بوغدير في الفيلم إلى أن أحداثاً مفصلية، كحرب 1967، وزيارة السادات للقدس عام 1977، والحرب في لبنان، أعادت تشكيل الوعي العربي، ودفعت السينما الحديثة إلى الانخراط في الأسئلة السياسية الكبرى.
ولا يكتفي الفيلم بعرض المقاطع، بل يضمّ مقابلات قصيرة مع عدد من كبار المخرجين، تكشف تنوّعاً واسعاً في المواقف تجاه إدراج الرسائل السياسية داخل الأفلام. بهذه المقاربة، يصبح «كاميرا عربية» أكثر من مجرد تجميع لمقاطع سينمائية، إنه قراءة سريعة ومُلهمة في تاريخ السينما العربية، وفي الأسئلة التي لا تزال معلّقة بين الفنّ والسياسة والهوية.
بعد فيلم بوغدير، هناك حوار عن السينما العربية بين المنتج محمد حفظي، والمنتج جورج شقير والمخرجة إيليان الراهب، يديره رئيس برمجة الأفلام العربية والكلاسيكية في «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي»، اللبناني أنطوان خليفة.
الختام لبناني: الحرب والخيال والمقاومة
في اليوم الأخير من الاحتفالية، نعود إلى السينما اللبنانية، أولاً بفيلم «الحارس» (السبت 11 تموز ــ الساعة السابعة مساءً)، للمخرج اللبناني علي شرّي. تدور الأحداث في الرابع عشر من تموز، في يوم الباستيل، حيث يعيش الرقيب لافلور تحت وطأة الإيقاع العسكري القاسي للثكنة، مثقلاً بصمت الواجب وثقله. يمنحه الطبيب ليلة واحدة من الحرية، بشرط أن يعود قبل الفجر. وهكذا تبدأ تجوالاته الليلية في قلب عالم يتداعى تدريجياً مبتعداً عن الواقع. ليلة معلّقة بين المصير والهروب.
«سينما باراديسو» لجوزيبي تورناتوري
يلي العرض الفيلم اللبناني القصير الذي حصد «جائزة الدبّ الذهبي» في «مهرجان برلين » هذا العام «يوماً ما ولد» (السبت 11 تموز ـــ الساعة الثامنة والنصف) للمخرجة اللبنانية ماري روز أسطا. في عكّار، داخل بيتٍ ريفي خشن، يبدأ الفيلم برجلٍ صارم وصبية يحدّقون في السماء المتوترة بطائراتٍ حربية إسرائيلية تحوم فوق رؤوسهم كواقع يومي لا يمكن الهروب منه. وسط هذا القلق، يظهر فتى بقدرات خارقة تتحوّل سريعاً إلى عبء، خصوصاً حين نكتشف أنه قادر على إسقاط الطائرات بمجرد التفكير. كل شيء في «يوماً ما، ولد» قاس وبارد: بيوت غير مكتملة، ضوء مغبّش، هواء مثقوب. ومع ذلك، يفتح الفيلم فجوات صغيرة للحميمية، كأنّ أسطا تقول إنّ الخيال هو آخر ما تبقّى من مقاومة، وإنّ الطفل المحاصر في عالم لا يحبّه يحاول أن يزرع شيئاً لا ينتمي إلى هذا الخراب.
«عشرون عاماً معاً»: بدءاً من 8 حتى 11 تموز (يوليو) ـ «متروبوليس» (مار مخايل ـ بيروت) ـ للاستعلام: 81069530