كان من المفاجئ أن تشهد بورصة بيروت، خلال النصف الأوّل من العام الراهن، طفرة تداولات غير متوقّعة، مقارنة بأرقام الفترة المماثلة من العام الماضي. إذ كما هو معلوم، عاشت البيئة الاقتصاديّة والاستثماريّة خلال هذه السنة تحت وطأة تداعيات الحرب القائمة محلياً وإقليمياً منذ بدايات شهر آذار الماضي، وهو ما كان يفترض أن يقلّص من شهيّة المستثمرين للتداول. وكان من المفاجئ أكثر أن تستمرّ المصارف بالاستحواذ على حصّة معتبرة من تداولات الأسهم، رغم اتجاه هذه الرساميل لتحمّل الشريحة الأولى من الخسائر المصرفيّة، بحسب جميع السيناريوهات المطروحة لعمليّة إعادة الهيكلة.
طفرة التداولات
تشير الأرقام إلى أنّ بورصة بيروت سجّلت هذه السنة حتّى أواخر شهر حزيران، أي خلال النصف الأوّل من السنة، تداولات إجماليّة بقيمة 174 مليون دولار أميركي، مقارنة بنحو 140 مليون دولار أميركي خلال الفترة المماثلة تماماً من السنة الماضية. وهذا ما يعني أنّ قيمة التداولات سجّلت زيادة كبيرة، بنسبة 24 بالمئة، بين الفترتين.
وهذا ما جاء معاكساً للتوقعات، إذ كان النصف الأوّل من سنة 2025 قد شهد انتعاشة اقتصاديّة خجولة في أعقاب انتهاء حرب العام 2024، فيما شهد النصف الأوّل من العام الحالي بداية وامتداد الحرب الثانية، ما كان يفترض أن يؤدّي إلى انكماش حركة التداول هذه السنة، وليس ارتفاعها كما حصل.
على مستوى عدد عمليّات التداول، كانت زيادة أكبر من حيث النسبة. فالنصف الأوّل من السنة الحاليّة سجّل أكثر من 14 ألف عمليّة بيع وشراء، مقارنة بنحو 8.25 ألف عمليّة فقط خلال الفترة المماثلة من السنة الماضية. وبهذا الشكل، ارتفع عدد عمليّات التداول بنسبة 70 بالمئة بين الفترتين.
في المقابل، وعلى مستوى مؤشّر رسملة السوق، أي القيمة الإجماليّة للأسهم والأدوات الماليّة المُتداولة، سُجّل انخفاض كبير إلى نحو 18.47 مليار دولار أميركي لغاية النصف الأوّل من السنة الحاليّة، مقارنة بأكثر من 23.51 مليار دولار أميركي خلال نفس الفترة من السنة الماضية. وهنا بالتحديد، ظهرت نتائج الاضطرابات الأمنيّة التي شهدها لبنان هذا العام، من خلال التراجع في القيمة السوقيّة للأسهم.
الحركة الشهريّة والقطاعيّة
من جهة أخرى، أظهرت الأرقام الشهريّة للسنة الحاليّة تأثيرات الهدوء النسبي الذي شهده لبنان منذ بدايات شهر حزيران، بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (رغم هشاشته واستمرار الاعتداءات والاحتلال في جنوب لبنان). إذ شهد شهر حزيران وحده قفزة في حجم التداولات، إلى حدود 18.27 مليون دولار أميركي، فيما لم يتجاوز هذا المؤشّر عتبة 5.45 مليون دولار أميركي خلال شهر أيّار السابق. وهذا ما يعني أنّ حركة التداول قفزت بأكثر من 3.35 مرّات بين الشهرين.
وفي السياق نفسه، ارتفع عدد العمليّات التي سجّلتها البورصة بين الفترتين، من 229 عمليّة خلال شهر أيّار، إلى 348 عمليّة خلال شهر حزيران، ما أشّر إلى زيادة بنسبة 52.42 بالمئة بين الفترتين. كما ارتفع مؤشّر رسملة السوق بنسبة 3.12 بالمئة بين الفترتين، وتحديداً من 17.91 مليار دولار أميركي في أواخر شهر أيّار، إلى قرابة 18.47 مليار دولار أميركي في أواخر شهر حزيران.
على المستوى القطاعي، استحوذ القطاع العقاري (وتحديداً أسهم شركة سوليدير) على نحو 67.6 بالمئة من عدد التداولات الإجماليّة، أي بواقع الثلثين تقريباً. كما استحوذ القطاع المصرفي على نسبة 30.1 بالمئة من هذه التداولات. مع الإشارة إلى أنّ أسهم بنك عودة شهدت خلال شهر حزيران تراجعاً كبيراً، بنسبة 15 بالمئة، مقابل زيادة في قيمة أسهم بنك لبنان والمهجر بنسبة 2.27 بالمئة. أمّا أسهم سوليدير، فشهدت زيادة خلال ذلك الشهر بنسبة 5.8 بالمئة بالنسبة للفئة أ، و2.27 بالمئة بالنسبة للفئة ب.
تقييم لعمل البورصة
في تقييمها الأخير لـ"إمكانيّة الوصول إلى السوق" لأكثر من 80 سوقاً، قدّمت شركة MSCI تقييمها الخاص لأداء بورصة بيروت. إذ أشارت الشركة إلى إنه منذ تشرين الأول 2019، وضعت السلطات اللبنانية قيوداً على تحويل الأموال من لبنان إلى الخارج.
ورأت الشركة أن هذه الإجراءات أثّرت على قدرة المستثمرين الأجانب على تحويل الأموال من استثماراتهم في سوق الأسهم المحلية، وهو ما يفرض تصنيف بورصة بيروت ضمن الفئة التي "تحتاج إلى تحسينات" على مستوى سهولة تدفّق رأس المال من وإلى لبنان. كما ذكرت الشركة وجود عوائق أخرى، على مستوى عدم السماح للمستثمرين الأجانب بامتلاك حسابات مقوّمة بالليرة اللبنانيّة.
وفي ما يتعلق بكفاءة الإطار التشغيلي، اعتبر التقييم أن إجراءات دخول البورصة تحتاج إلى تحسين. إذ إنّ تسجيل المستثمرين الأجانب إلزامي وقد يستغرق ما يصل إلى خمسة أيام. كما أشار التقييم إلى عدم توفّر جميع القوانين والأنظمة المحليّة باللغة الإنكليزيّة، فضلًا عن بعض الصعوبات في تدفّق المعلومات وتوفّرها. كما حصل لبنان على تصنيف "بحاجة إلى تحسين" على مستوى الإطار المؤسّسي، ما يعكس تأثيرات الوضع السياسي وواقع القطاع العام في البلاد.
في جميع الحالات، تبقى الإشكاليّة الأهم بالنسبة لأسواق المال في لبنان الواقع القائم في القطاع المالي. فبوجود الخسائر المتراكمة في القطاع المصرفي، سيبقى النظام المالي طارداً لرؤوس الأموال، وهو ما يحول دون استقطاب استثمارات أجنبيّة تساعد على تنشيط حركة التداول في البورصة. ومن دون قطاع مالي سليم وناشط، لن يكون من السهل توسيع وتعميق أسواق المال المرتبطة بالأسهم والسندات.
المزيد للكاتب
علي نور الدين
علي نور الدين
مصارف مصرف بنك(مصطفى جمال الدين)
مصارف لبنان عام 2026: عودة التسليف والأرباح
GettyImages-927849564.jpg
بعد هبوط أسعار النفط: هل تراجعت أسعار السلع الاستهلاكيّة؟
مجلس الوزراء (الوكالة الوطنية)
رسم المواد المُنتجة للنفايات: السجال حول الأثر والفعاليّة
10.jpg
احتياطات مصرف لبنان: وتيرة التعافي تتسارع في حزيران
الأكثر قراءة
1
بعد الأسعار المرتفعة… تسعيرة جديدة للإسمنت في لبنان
2
350 مليار دولار خسائر تكبدتها ثروة إيلون ماسك
3
العجز التجاري يعود إلى مستويات ما قبل الأزمة
4
أسعار البنزين والمازوت تتراجع... ماذا عن الغاز؟
اعلان
تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي
إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد
اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث
أدخل بريدك الإلكتروني