من بورغنشتوك إلى بيروت: لبنان في التسوية أم على هامشها؟

  • 23 June 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image
    غادة حلاوي -

    ليس ما جرى في بورغنشتوك حدثاً تفاوضياً عادياً يمكن إدراجه في خانة الجولات الدبلوماسية المتكررة بين الولايات المتحدة وإيران. فالمفاوضات التي أعقبت المواجهة العسكرية المباشرة بين الطرفين أسست لمرحلة جديدة في المنطقة، عنوانها الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة التسويات.



    قد تختلف التقديرات حول قدرة هذا المسار على الصمود خلال الأشهر المقبلة، لكن الثابت أن ما خرج من سويسرا تجاوز الملف النووي الإيراني ليطال عدداً من ملفات الإقليم، وفي مقدمها لبنان.



    بالنسبة إلى اللبنانيين، لا تكمن أهمية ما جرى في مجرد تثبيت وقف إطلاق النار، بل في الاعتراف الضمني والصريح بأن الجبهة اللبنانية أصبحت جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي. وهذا تطور سياسي بالغ الأهمية. فعندما يُنشأ إطار خاص بمتابعة الوضع اللبناني ضمن التفاهمات الناشئة، فهذا يعني أن الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لم تعد مجرّد مشكلة لبنانية فحسب، بل أصبحت عاملاً يهدد نجاح التسوية الأوسع. للمرة الأولى منذ فترة طويلة يصبح وقف الخروقات الإسرائيلية جزءاً من مصلحة دولية وإقليمية مشتركة، لا مجرد مطلب لبناني يرفع في المحافل الدولية من دون نتائج عملية.

    لكن أهمية هذا التحول لا تعني أن لبنان أصبح شريكاً كاملاً في صناعة الحل. فهنا تكمن المفارقة اللبنانية الدائمة.

    في الوقت الذي تجلس فيه الدول الكبرى والإقليمية إلى الطاولة لرسم معالم المرحلة المقبلة، لا يزال لبنان مهدداً بأن يكون موضوعاً للتفاوض لا طرفاً فيه. والفرق بين الحالتين كبير. فالدول القادرة على حماية مصالحها تدخل المفاوضات بموقف وطني موحد، بينما تتحول الدول المنقسمة إلى ساحات تُناقش أوضاعها في غيابها.

    من هنا تصبح المسؤولية الأولى مسؤولية الدولة اللبنانية نفسها. فوجود لبنان في أي مجموعة عمل أو آلية متابعة لن تكون له قيمة فعلية إذا لم تستطع السلطة اللبنانية أن تتحدث بصوت واحد وأن تقدم رؤية واضحة لمصالح لبنان وأولوياته.



    أما على المستوى العملي، فإن أي ترتيب سياسي أو أمني في الجنوب لا يمكن أن يكتمل من دون تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة: انسحاب إسرائيلي كامل وغير مشروط من الأراضي اللبنانية المحتلة، وعودة الأهالي إلى قراهم ومنازلهم، وإطلاق ورشة إعادة إعمار حقيقية تعيد الحياة إلى المناطق المتضررة.



    وفي المقابل، فإن تثبيت سيادة الدولة اللبنانية يبقى جزءاً لا يتجزأ من أي حل مستدام. فالتجارب أثبتت أن الاستقرار لا يُبنى على توازنات مؤقتة بين القوى، بل على دولة تمتلك وحدها حق القرار في الحرب والسلم وحق احتكار السلاح والدفاع عن حدودها وشعبها.



    غير أن الخطأ الأكبر سيكون الاعتقاد أن نجاح التسوية يُقاس فقط بعدد البنود الأمنية التي تُنفذ. فاللبناني الذي خسر منزله أو عمله أو مدخراته لا ينتظر فقط وقف إطلاق النار، بل ينتظر استعادة شروط الحياة الطبيعية. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي لأي انفراج إقليمي يكمن في قدرته على إطلاق مسار اقتصادي جديد للبنان.



    لقد دفعت سنوات الصراع لبنان إلى العزلة عن محيطه العربي وإلى خسارة فرص استثمارية وتجارية وطاقوية كبيرة. وإذا كانت المنطقة تتجه اليوم نحو خفض التوترات وإعادة ترتيب العلاقات، فإن على لبنان أن يكون من أوائل المستفيدين من هذا المناخ الجديد، عبر استقطاب الاستثمارات، وتفعيل التبادل التجاري، وإعادة وصل اقتصاده بشبكات الطاقة والنقل والأسواق العربية، وتمكينه من استثمار موارده وثرواته الوطنية.

    إن الأمن من دون اقتصاد يبقى هدنة مؤقتة، كما أن الاقتصاد من دون سيادة يبقى هشاً ومعرضاً للاهتزاز عند أول أزمة. لهذا السبب، فإن السؤال الحقيقي بعد بورغنشتوك ليس محصورًا بما إذا كانت إيران ربحت أو خسرت، ولا ما إذا كانت الولايات المتحدة حققت أهدافها كاملة. السؤال الأهم هو ما إذا كان لبنان قادراً هذه المرة على الانتقال من موقع الساحة إلى موقع الدولة.



    حزب الله: الاعتراف بدور إيران

    بالنسبة إلى حزب الله، يشكّل ذلك اتفاقاً إقليمياً ـ دولياً يضمن وقف إطلاق النار وعدم خرقه من قبل إسرائيل، كما يمثّل اعترافاً بدور إيران في المنطقة، وضمناً اعترافاً أميركياً بدورها في لبنان.



    وسبق أن أبلغت إيران حلفاءها في لبنان بأن البحث جارٍ عن ضمانات تمنع إسرائيل من خرق وقف إطلاق النار، وتؤمّن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من جنوب لبنان، وهو ما سيتحقق حكماً خلال مفاوضات الستين يوماً، وإلا فلن يُوقَّع أي اتفاق مع الولايات المتحدة. لكن الأنظار تبقى متجهة إلى مفاوضات واشنطن، وما إذا كانت إسرائيل ستفرض على لبنان ما هو خارج الإطار المتفق عليه، بحيث يوافق على ما يُسمّى بالمناطق التجريبية وتجزئة الانسحاب، بما يسمح لها بالبقاء، قدر الإمكان، داخل الأراضي اللبنانية والحفاظ على وجود أمني لجيشها في لبنان.

    فالتحولات الكبرى بدأت بالفعل، والخرائط الجديدة للمنطقة يجري رسمها أمام أعيننا. والتاريخ يعلّمنا أن الدول التي لا تحجز لنفسها مقعداً على الطاولة تجد نفسها دائماً بنداً على جدول أعمال الآخرين.

    بداية الطريق رُسمت في سويسرا، أما بقية التفاصيل فقد سبق أن رُسمت في إسلام آباد، في الدعوة التي لبّاها قائد الجيش العماد رودولف هيكل من نظيره قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير. هناك اطّلعت باكستان على تفاصيل الوضع بعد الانسحاب الإسرائيلي، وكيف يمكن معالجة سلاح حزب الله، وكيف يمكن للجيش أن يدير حواراً لمعالجة هذا الملف، وكيف يمكن لقواته أن تسيطر على الجنوب من دون صدام.

    وعلى المقلب السياسي الداخلي، ومنعاً لأي صدام سياسي قد تكون له انعكاساته على الحكومة، ستكون قطر الضمانة لإدارة الأزمة وضبط الوضع الداخلي. أما السعودية، فسيكون دورها حماية الحكومة، وإن كانت متوجسة نسبياً.



    ما ارتدادات هذه التحولات على الداخل؟ وكيف سيتعاطى حزب الله معها؟

    يحيل حزب الله السائل إلى خطاب أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، الذي يؤكد أن الحوار الداخلي والاستقرار الداخلي هما الأساس، وأن الحزب سيتعامل بالقدر نفسه الذي تعامل به بعد التحرير عام 2000، حيث لا وجود لخاسر أو رابح، وأن الأهم هو تأمين انسحاب إسرائيل والحفاظ على الاستقرار.

    هل ستسلّم إسرائيل بنتائج سويسرا وإسلام آباد؟

    العين اليوم على المفاوضات المباشرة في واشنطن، التي يريد وزير الخارجية الأميركي أن تنجح، في مقابل فشل مسار تلازم الملفات مع إيران. في المقابل، يسعى نائب الرئيس جي دي فانس إلى إنجاح مسار إسلام آباد.

    مساران يتقاطعان مع طموحات رجلين يُنظر إليهما بوصفهما مرشحين رئاسيين محتملين في المستقبل. وبين انتخابات إسرائيلية تلوح في الأفق، وأخرى نصفية مرتقبة في الولايات المتحدة، تتشابك الحسابات السياسية وتتردد أصداؤها في لبنان، الذي يبقى أحد أبرز المتأثرين بمخرجات هذه التحولات. ويبقى الأساس اتفاق إيران مع أميركا وعهد التسويات الذي بدأ.