لحظة لبنان: هل من يملأ الفراغ الاستراتيجي؟

  • 19 June 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الجمهورية
    • article image
    طلال عساف -

    في 14 حزيران 2026، أُعلن عن الاتفاق الأميركي - الإيراني لوقف نزاع استمر أكثر من 3 أشهر، أُغلق مضيق هرمز، وأرسل موجات صدمة عبر أسواق النفط العالمية. ليس الاتفاق في حدّ ذاته الحدث الأكثر أهمّية، بل ما كشفه من إعادة رسم هيكلية عميقة لبيئة الشرق الأوسط الاستراتيجية، ولبنان في قلب هذه الإعادة.

    ما ظهر من جبل جليد الاتفاق أنّه في جوهره إطار مرحلي لا حلٌ نهائي. تمديد الهدنة 60 يوماً، وفتح مضيق هرمز، مع إرجاء بتّ الملف النووي الإيراني إلى جولات لاحقة. لكن ما يجعله حدثاً مفصلياً بالنسبة إلى لبنان، هو معادلة الضعف الإيراني التي يجسّدها تفاوض طهران بعدما فقدت قائدها الأعلى علي خامنئي في الضربة الأولى للعملية الأميركية-الإسرائيلية، وبعدما شهدت بُنيتها العسكرية والنووية دماراً منقطع النظير. إيران التي تجلس إلى طاولة التفاوض اليوم، ليست إيران التي فاخرت بتحكّمها بأربع عواصم عربية.
    أسقط «حزب الله» على الفور قنبلته الجيوسياسية. إذ أعلن أنّ إيران لن تُوقّع الاتفاق ما لم تنسحب إسرائيل من الجنوب انسحاباً كاملاً. في اليوم التالي، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أنّ أطراف الاتفاق، من وجهة نظر طهران، هي الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران و«حزب الله» من جهة أخرى.
    يبدو هذا التأطير رابحاً للحزب في ظاهره، إذ يُضفي عليه شرعيةً تفاوضيةً دولية لم يكن يحظى بها. لكنّه في باطنه يُحمِّله ثمناً استراتيجياً باهظاً. فبإدراج نفسه طرفاً مباشراً في الاتفاق، يُقرّ ضمنياً بأنّ مساره السياسي - الأمني بات رهيناً بمفاوضات فوق لبنانية لا سيطرة له عليها. والأخطر أنّ الموقف الأميركي جاء رافضاً لهذا الربط كلياً. إذْ أكّدت واشنطن أنّ الانسحاب الإسرائيلي من لبنان ليس شرطاً مسبقاً للاتفاق الإطاري مع طهران.
    أمّا الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، فقد ذهب أبعد، مُعلناً أنّ نزع السلاح يعني «الإبادة»، وأنّ أي احتكار للدولة للسلاح هو «مشروع إسرائيلي». هذا الخطاب، على رغم من شراسته، يكشف عن حالة دفاعية بنيوية. فالحزب الذي فَقَد قياداته المؤسسية وبُنيته التحتية في حروب متتالية، يجد نفسه يُفاوض على وجوده المسلّح لأول مرّة من موقع ضعف فعلي لا من موقع ابتزاز.
    من المفيد، في هذا السياق، العودة إلى الورقة التي قدّمها السفير توم برّاك إلى الحكومة الصيف الفائت، ومحورها نزع سلاح «حزب الله» بنهاية سنة 2025. صحيح أنّها فقدت معظم بنودها بفعل تقادم الأحداث وحربَي لبنان وإيران، لكن لا يزال صالحاً فيها كلامه عن الأربعين ألف مقاتل الذين يتقاضون رواتبهم من طهران، وهؤلاء يستدعون بديلاً اقتصادياً حقيقياً، وأنّ الأموال ستأتي من الخليج لاستيعابهم في مسار تنموي بديل.
    هنا يكمن بيت القصيد. للمرّة الأولى منذ عقود، تُقرّ القوى الكبرى علناً بأنّ نزع سلاح «حزب الله» يستلزم استثماراً اقتصادياً ضخماً لا مجرّد قرار سياسي، وهو ما يحوّل القضية من مسألة أمنية بحتة إلى معادلة سياسية - اقتصادية يمكن للدولة التفاوض على شروطها.
    يبقى كيف يحوّل لبنان المومنتوم غير المسبوق إلى فرصة؟ الفرصة مقيّدة بـ 3 عوائق متشابكة.
    1- إسرائيل التي تُصرّح بأنّ الاتفاق لا يُلزمها، وأنّ قواتها باقية في الجنوب إلى أجل غير مسمّى.
    2- «حزب الله» الذي يستمر رافضاً أي نقاش في سلاحه.
    3- الاتفاق الإطاري نفسه الذي لم يُحسم بعد ولا تزال تفاصيله موضع تضارب وتجاذب.
    بيد أنّ لبنان يملك راهناً رصيداً سياسياً غير مسبوق. رغبة لبنانية شبه جارفة في استعادة حصرية القرار والسلاح، وتفويض أميركي - خليجي لتعزيز الجيش وبسط سيادة الدولة، واهتمام دولي بإعمار لبنان مشروط بالتحوُّل السيادي.
    المطلوب ببساطة هو ثلاثية واضحة تقوم على التمسّك بجدول أعمال مفاوضات الانسحاب الإسرائيلي بوصفه التزاماً أميركياً لا تفضّلاً، وتحويل خطة حصر السلاح إلى ورقة ضغط لاستخراج أكبر قدر من الدعم الاقتصادي مقابل التنفيذ، وعزل «حزب الله» عن الاعتراض بتقديم البديل الاقتصادي لقاعدته الاجتماعية قبل البديل العسكري.
    لبنان أمام لحظة لن تتكرّر. أضعف الزلزال الإيراني الضامن الاستراتيجي لـ»حزب الله»، وأضفى الاتفاق الأميركي - الإيراني شرعية دولية على مسار حصر السلاح، فيما الخليج يحمل أموالاً مشروطة بالتحوُّل.
    مَن يملك في لبنان إرادة ملء هذا الفراغ الاستراتيجي، بخطة مفاوضاتية متكاملة، سيجد أنّ الظروف الإقليمية تعمل معه لأول مرّة منذ عقود. ومَن يتردَّد، سيجد أنّ اللحظة التاريخية لا تنتظر أحداً.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology