بين الاتفاق ومفاوضات واشنطن:لبنان أمام فرصة أم اختبار إضافي؟

  • 16 June 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image
    غادة حلاوي -

    في السياسة، لا تُقاس أهمية الاتفاقات بما يُكتب في نصوصها فقط، بل بما تُحدثه من تبدلات في موازين القوى ومسارات الأحداث. من هذه الزاوية، يبدو الاتفاق الأميركي الإيراني أكثر من مجرد تفاهم ثنائي بين دولتين متخاصمتين، فهو يُشكل محاولة لإعادة ضبط التوتر في الشرق الأوسط بعد سنوات من الحروب المفتوحة والمواجهات غير المباشرة.

    ما يهمُّ اللبنانيين بصورة خاصة أنَّ هذا الاتفاق لم يبقَ محصوراً بالملف النووي أو بالعلاقات الأميركية – الإيرانية، بل ترافقت معه مواقف أميركية وأوروبية ودوليّة واضحة تؤكد ضرورة أن ينعكس على وقف الحرب في لبنان أيضاً.

    كل ما سبق الاتفاق وما تلاه أمّن انتقال لبنان إلى مرحلة جديدة برعاية أميركية إيرانية مباشرة. فقد أعاد إدخال حزب الله في صُلب المعادلة بعد أن أصبح مستهدفاً إثر خروجه من حرب الإسناد الأولى، فيما توّلت حرب الإسناد الثانية تعويض الخسارة وفرض وجوده على طاولة المفاوضات كلاعبٍ أساسي وقوي يريد دونالد ترامب التباحث معه.

    قوبل الاتفاق بترحيب من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، اللذيّن سارعا إلى الترحيب به انطلاقاً من الأمل في أن يفتح نافذة جديدة أمام إنهاء المواجهة العسكرية واستعادة الاستقرار. كما فتح اتصال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي برئيس الجمهورية الباب أمام متغيرات سياسيّة واسعة وانفراجات في العلاقة مع إيران من جديد، بعيداً من المزايدات لأغراض سياسية فئوية تُحرج الرئاسة أكثر مما تخدم البلد. كذلك فإنّ دولة بحجم إيران لا تجد مصلحة لها في التباعد مع رئاسة الجمهورية، وقد أثبتت أنها رقم صعب في صلب المفاوضات مع الولايات المتحدة.



    مساران مختلفان للمفاوضات

    وفي معرض الحديث عن الاتفاق، لا بدَّ من التمييز بين أمرين مختلفين: الأول هو المناخ الإقليمي الذي ولّده الاتفاق، والثاني هو المسار اللبناني – الإسرائيلي الذي لا يزال قائماً بحد ذاته.

    تؤكد الدولة أن المفاوضات الجارية مع إسرائيل ليست جزءاً من التفاوض الأميركي الإيراني، وأنَّ لبنان يتفاوض على حقوقه ومصالحه بصورة مستقلة، انطلاقاً من حرصه على عدم الظهور وكأن مصيره يُقرر على طاولة الآخرين. غير أن واقع المفاوضات في واشنطن لا يشكل دليلاً قاطعاً على مبدأ الاستقلالية والسيادة، بدليل البيانات والمواقف المُعلنة.

    غير أنَّ حرص الدولة لا يعني أنَّ الفصل بين المسارين ممكن بالمعنى السياسي. فحين تتفق واشنطن وطهران على تهدئة شاملة في المنطقة، ويُدرج لبنان ضمن نتائج هذه التهدئة، يصبح من الصعب اعتبار ما يجري على الجبهة اللبنانية منفصلاً كليّاً عن التفاهم الإقليمي الأوسع. صحيح أن تفاصيل الحدود والانسحاب والأسرى والترتيبات الأمنية تُناقش بين لبنان وإسرائيل، لكنَّ البيئة السياسية التي تسمح بحصول هذه المفاوضات أو تعرقلها تتأثر مباشرة بالتفاهمات الإقليمية والدولية.



    لا يشكل الاتفاق حلّاً للبنان بحد ذاته، لكنّه يخلق فرصة نادرة أمام اللبنانيين. فواشنطن تحتاج إلى نجاح هذا الاتفاق، وإيران تحتاج إلى تثبيت نتائجه، والمجتمع الدولي يريد منع انفجار جديد في شرق المتوسط. وهذه العناصر مجتمعة تؤسس لبيئة ضاغطة باتجاه وقف الحرب وتثبيت الاستقرار. غير أنَّ المشكلة تكمن في أنّ إسرائيل لا تزال حتى الآن تتصرف وكأنها غير ملزمة بالكامل بالشقِّ اللبناني من هذا المناخ الجديد. فهي تواصل التمسك بشروطها الأمنية، وتؤخّر الاستجابة للمطالب اللبنانية المتعلقة بالانسحاب الكامل ووقف الاعتداءات، ما يجعل الأيام المقبلة، ولا سيما جلسة التفاوض المرتقبة في واشنطن، محطة مفصلية لاختبار مدى قدرة الولايات المتحدة على ترجمة التفاهم الإقليمي إلى وقائع ميدانية وسياسية ملموسة.



    لا احتفال.. ولا تشكيك

    في هذا الوقت، قد لا يكون مفيداً للبنان أن يتعامل مع الاتفاق بروح الاحتفال، ولا بروح التشكيك المطلق، وإنّما بالتعويل على الاستفادة من اللحظة السياسية المستجدة وتحويلها إلى مكاسب وطنية واضحة. فنجاح الاتفاق بالنسبة إلى اللبنانيين لا يُقاس بما إذا كانت واشنطن وطهران قد تصالحتا، بل بما إذا كان اتفاقهما سيؤدي إلى وقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، واستعادة الأسرى، وعودة النازحين إلى قراهم، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار واستعادة الحياة الاقتصادية.



    يرى حزب الله بوادر انفراج بحيث سيتحقق وقف إطلاق النار شامل، ولهذا السبب أرجأ الجانب الإيراني التوقيع على الاتفاق ليكون التزام إسرائيل بوقف النار موضع اختبار. أما الانسحاب، فقد تحيله واشنطن إلى طاولة المفاوضات العسكرية السياسية المقررة في واشنطن في 22 و23 و24 حزيران الجاري، أو قد يُرحَّل إلى مفاوضات الستين يوماً الخاصة بالملف النووي بين إيران وواشنطن.



    أما وقد دخلت الضاحية الجنوبية في معادلة أرساها الاتفاق الإيراني، فإنّ المطلوب العمل جديّاً على تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل. وتحاول إسرائيل، من خلال انتهاك الاتفاق في الجنوب، فرض أمر واقع جديد شبيه بما كان عليه الوضع قبل الثاني من آذار الماضي، وإفشال الاتفاق الذي فرضه عليها ترامب، وهي بذلك تعبّر عن الخسارة الكبرى التي مُنيت بها. ويريد بنيامين نتنياهو أن تستمر الحرب وأن يخوض الانتخابات على أساسها، وقد يستفيد من هجوم ترامب عليه لتقوية موقفه الرافض للحرب، وقد يتمرد ما لم يتدخل ترامب للجمه.

    ماذا لو لم توقف إسرائيل عدوانها ورفضت الانسحاب كليًا؟ سؤال يقابله حزب الله بالنفي، وإن كان سلوك إسرائيل موضع تشكيك دائم بالنسبة إليه. غير أن الاتفاق واضح، وهو يقضي بوقف العدوان بشكل تام، ولاحقاً سيصبح الانسحاب واقعاً، وإن لم يكن على طاولة واشنطن فحكماً ضمن المفاوضات الخاصة بالملف النووي.

    وما تبلَّغه حزب الله من الجانب الإيراني، وما أُبلغ إلى رئيس مجلس النواب أيضاً، أنّ الاتفاق يشمل وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وأن لا عودة إلى الانتهاكات التي كانت تحصل في السابق، والتي لم يسكت عنها الحزب على أيّ حال. وقد كان الاتفاق موضع ارتياح لدى الثنائي، وإن بقيَّ الاحتلال مصدر قلق، لكنَّ الجانب الإيراني طمأن إلى أن الجنوب لن يُترك، وأن أهله سيعودون حتماً، مقدّماً ضمانات بهذا الشأن.



    مذكرة جانبية للاتفاق

    وللاتفاق بنود لم يُعلن عنها بعد، إضافة إلى مذكرة جانبية سيتولى الجانب الباكستاني تضمينها تفاصيل البنود وشروحاتها التفصيلية، وما يترتب على كل طرف الالتزام بتطبيقه. والمهم في كل ما حصل أنَّ لبنان أمّن إحاطة دولية وعربية تسعى إلى تثبيت الاستقرار فيه.

    قد لا يكون الاتفاق نهاية مرحلة فحسب، بل بداية مرحلة جديدة أمام لبنان. غير أنَّ نجاح هذه المرحلة أو فشلها لن يتوقف على ما تقرره واشنطن أو طهران أو تل أبيب وحدها، بل على قدرة اللبنانيين أنفسهم على التقاط الفرصة وتحويلها من مجرد هدنة إقليمية إلى مشروع وطني يعيد للدولة دورها، وللبنان مكانته واستقراره.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology