اختبار أوّلي للعودة إلى النبطية ومحيطها

  • 16 June 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الأخبار
    • article image

    الأخبار: قؤاد بزي-

    فجأة هدأت الغارات في الجنوب وغاب الطيران الحربي عن أجواء القرى والمدن. بدا فجر يوم الإثنين أقل ضجيجاً، على عكس الطرق المؤدّية إلى الجنوب والقرى الحدودية، حيث تحرّكت سيارات العائدين بحذر، كمن يختبر ما إذا كان البيت لا يزال على حاله، وما إذا كانت الطريق إليه سالكة، وما إذا كان الهدوء الذي بدأ يشبه وقف إطلاق نار يمكن الوثوق به ولو لساعات. في وجوه العائدين اختلطت العجلة بالخوف، إذ يريدون الوصول قبل أن يتبدّل شيء. وتردّد سؤال لا إجابة واضحةً عليه: هل هذه هي العودة، أم مجرّد تفقّدٍ أول للخراب؟

    منذ ساعات الفجر الأولى، بدأت العائلات الجنوبية النازحة بشقّ طريقها نحو القرى التي يمكن الوصول إليها. حركة العودة ليست شاملة، أو عامة، بما يكفي لتوحي بأن صفحة النزوح طويت.

    في القرى الواقعة ما بعد صيدا، فُتحت بعض الطرق جزئياً، فيما بقي بعضها مقطوعاً بالركام أو بفعل الأضرار، ما تسبّب في قطع الطرق الرئيسية المؤدّية الى عدد من القرى.

    أمّا في القرى الواقعة ما بعد النبطية، فالصورة أكثر تعقيداً، حيث منع الاحتلال الأهالي من الوصول إلى قرى مثل كفرتبنيت، حاريص، حداثا...

    لذا، بدت العودة يوم أمس متفاوتة، في مكانٍ يصل الناس إلى أبواب بيوتهم، وفي مكان آخر يقفون عند أقرب نقطة ممكنة، ومع عدم الوصول إلى المنزل تبدو المسافة القليلة المتبقّية أطول من كل أشهر النزوح. في قرية حبوش التي فُتح مدخلها جزئياً، وصل محمد حلال مع ابنه، بعد أن تركا العائلة في مكان النزوح. «لم يكن الهدف العودة النهائية، بل معرفة ماذا بقي من المنزل»، يقول حلال.

    في شوارع القرية لم تتمكّن السيارة من التقدّم بسبب الركام، فتابعا سيراً على الأقدام. الطريق التي كانا يقطعانها يومياً قبل الحرب، أو ما يُعرف بـ«أوتوستراد حبوش»، صارت ممرّاً ضيقاً من حجارة وزجاج وحديد. أمام البيت، لم يحتج حلال إلى وقت طويل كي يفهم أن العودة، بالمعنى العملي، لن تكون قريبة. السقف متضرّر، الغرف مفتوحة على الخارج، والأثاث مدفون تحت الغبار. ما يمكن أخذه لا يتعدّى بعض الأوراق، ثياباً قليلة، وصوراً عائلية نجت من الركام. في تلك اللحظة، يصبح سؤال العودة أكثر قسوة: إلى أين يعود من لم يعد لديه بيت صالح للسكن؟

    هذه حال عائلات كثيرة وجدت نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ. بعضها قرّر البقاء لساعات في القرية، ترتيب ما يمكن ترتيبه، ورفع الركام، ثم العودة إلى مكان النزوح. وبعضها الآخر بدأ يسأل عن إمكانية السكن في غرفة بقيت قائمة، أو عند أقارب في قرى أقل تضرّراً. لكنّ الغالبية تعرف أن قرار العودة لا يتصل بالرغبة وحدها. أساسيات العودة غير مضمونة، فالمياه والكهرباء والطرق والمدارس والمحالّ والخدمات الأساسية لا تعود بمجرد توقّف العدوان، خاصةً أنّ الدولة هجرت الجنوب أيضاً.

    في كفرتبنيت حيث يتواجد الاحتلال في الأجزاء الجنوبية منها كانت العودة أقسى لأنها توقّفت عند حدود النظر

    في كفررمان، كان المشهد مختلفاً قليلاً. بعض البيوت لا تزال قائمة، وإن تضرّرت الواجهات والنوافذ. عادت عائلات لتفقّد الممتلكات وتنظيف المداخل، وبدأ شبان بإزالة الركام من الأزقة الداخلية. هنا، بدت العودة ممكنة جزئياً، لكنها مشروطة بحدّ أدنى من الأمان والخدمات. رنا سلامة وصلت مع شقيقها إلى منزل العائلة، وجدت الباب مخلوعاً والغبار يغطي كل شيء، لكنّ البيت ليس مُدمّراً. بالنسبة إلى رنا لم يكن السؤال إن كانت ستعود، بل متى يمكن أن تنام في البيت من دون أن تخشى تبدّل الوضع.

    أمّا أبناء كفرتبنيت، حيث يتواجد الاحتلال في الأجزاء الجنوبية منها، فلا يمكنهم الوصول إليها. هنا كانت العودة أقسى لأنها توقّفت عند حدود النظر. في نقاط قريبة من البلدة، تجمّعت عائلات جاءت من مراكز النزوح أو من بيوت الأقارب. بعضها حمل مفاتيح منازل لم يستطع الاقتراب منها، وبعضها الآخر حاول الاتصال بمن بقي في الجوار لمعرفة أخبار الشوارع والبيوت. لم تكن المسافة المتبقّية إلى القرية كبيرة، لكنها كانت كافية لتجعل العودة مستحيلة. في هذه الحالات، لم يكن وقف إطلاق النار مساوياً للعودة، بل بداية انتظار جديد عند حافة القرية. يقترب الناس قدر ما يستطيعون، يسألون عن بيت هنا وطريق هناك، ثم يعودون أدراجهم إلى المنطقة الأقرب، كأنهم يرفضون الابتعاد الكامل ويعجزون في الوقت نفسه عن الوصول.

    في موازاة هذه الحركة، تحاول البلديات إعادة تشغيل ما تبقّى من فرق العمل فيها. الأولوية الآن ليست إعادة الإعمار، بل فتح الممرات الأساسية، يقول المقاول أحمد ياسين الذي يشغّل عدداً من الآليات لإزالة الركام من الطرق الرئيسية، وشقّ ممرات بين الأحياء، وتسهيل وصول السيارات، وتنبيه الأهالي إلى الأماكن الخطرة أو غير الصالحة للعبور.

    ولتسريع وتيرة العمل استُخدمت في بعض البلدات آليات خاصة يملكها أبناء المنطقة، وفي أخرى تولّى متطوّعون المساعدة ريثما تصل المعدّات الثقيلة. ويشار هنا إلى أنّ العمل يجري وسط نقص واضح في الإمكانات، وفي ظل حاجة إلى تنسيق مع الجهات الرسمية والفرق المختصة، خصوصاً حيث يُخشى من وجود ذخائر غير منفجرة أو أبنية مُهدّدة بالسقوط.