عودة: كم نحتاج في لبنان إلى بشر يعيشون حياة القداسة المتجلية بالصلاة والمحبة والتواضع والخدْمة

  • 14 June 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "في هذا اليوْم المبارك تحْتفل كنيستنا بتذْكار جامع للقديسين الأنْطاكيين، وقدْ سمعْنا مقْطعا من عظة الرب يسوع على الجبل، التي تدْعونا إلى التأمل في القداسة التي تجلتْ في حياة أولئك الشهود الذين أناروا أرْض أنْطاكية عبْر الأجْيال. في عظته، لا يكْتفي الرب يسوع بإعْطاء تلاميذه وصايا أخْلاقية أوْ مبادئ روحية، بلْ يكْشف لهمْ هويتهم الجديدة فيه. إنه لا يقول لهمْ: «إصْنعوا نورا»، بلْ «أنْتمْ نور العالم». والنور الذي يتحدث عنْه المسيح ليْس من الإنْسان، بلْ هو نور الله الذي يشْرق في القلْب عنْدما يتحد الإنْسان بربه. فكما أن القمر لا يمْلك نورا خاصا به، بلْ يعْكس نور الشمْس، كذلك القديسون لمْ يكونوا مصْدر النور، بلْ صاروا مرايا حية تعْكس نور المسيح للعالم".


    أضاف: "يشبه الرب هذا النور بمدينة موْضوعة على جبل فلا يمْكن أنْ تخْفى. تبْدو هذه الصورة وكأنها تجد تحْقيقا خاصا في أنْطاكية التي نتذكر قديسيها اليوْم. فأنْطاكية لمْ تكنْ مجرد بقْعة أرْض من العالم القديم، بلْ صارتْ، بنعْمة الله، منارة روحية أضاءت المسْكونة كلها. هذا ما نلْمسه في المقْطع الذي سمعْناه اليوْم من سفْر أعْمال الرسل. فبعْد اسْتشْهاد القديس اسْتفانوس وتشتت المؤْمنين بسبب الإضْطهاد، ظن أعْداء الإنْجيل أنهمْ يسْتطيعون إخْماد نور المسيح. لكن العكْس تماما حدث. فالذين تفرقوا حملوا معهم البشارة إلى أماكن عديدة، ووصل بعْضهمْ إلى أنْطاكية. هناك بدأ فصْل جديد في تاريخ الكنيسة. المشْهد الذي يصفه سفْر الأعْمال يحْمل معْنى عميقا. فالكنيسة لمْ تنْم بقوة البطْش والسلاح، ولا بسلْطان السياسة والمال، بلْ بقوة الإيمان والشهادة. أناس بسطاء، مجْهولون في نظر العالم، حملوا كلمة الحياة إلى منْطقة عظيمة تموج بالثقافات والفلْسفات. «كانتْ يد الرب معهمْ فآمن عدد كبير ورجعوا إلى الرب». هكذا، تحولتْ أنْطاكية إلى أرْض خصْبة لإنْبات القداسة، وصارت الجماعة المسيحية فيها مثالا حيا للكنيسة المنْفتحة على جميع الشعوب. وقد «دعي التلاميذ مسيحيين في أنطاكية أولا». لمْ يكنْ هذا الإسْم لقبا جديدا، بلْ كان إعْلانا عنْ واقع جديد. هؤلاء الناس صاروا معْروفين بانْتمائهم الكامل إلى المسيح، حتى إن المجْتمع منْ حوْلهمْ لمْ يجدْ وصْفا لهمْ سوى أنهمْ جماعة المسيح".


    وتابع: "منْذ تلْك الحقبة أخذ نور أنْطاكية ينْتشر في كل اتجاه بفضْل بشارة مؤسسيْ كنيستها، هامتي الرسل بطرس وبولس وتلاميذهما. فمنْها انْطلقتْ رحْلات التبْشير الكبْرى، ومنْها خرج الرسل إلى الأمم، وفيها نشأتْ إحْدى أعْظم المدارس اللاهوتية في تاريخ الكنيسة. على مدى القرون، لمْ تتوقفْ أرْض أنْطاكية عنْ إنْجاب القديسين، ولنْ يكون آخرهم الشهداء في الكهنة يوسف ونقولا وحبيب الدمشقيون، والقديس روفائيل هواويني أول رئيس كهنة أنْطاكي على أبرشية نيويورك وأميركا الشمالية. فقدْ قدمتْ أنطاكية للكنيسة شهداء واجهوا الموْت بفرح لأنهمْ رأوا في المسيح الحياة التي لا تزول، ورعاة حملوا هم الكنيسة وسْط الإضْطهادات والإنْقسامات، ومعلمين فسروا الكتاب المقدس بعمْق وأمانة، ونساكا امْتلأت البراري منْ صلواتهمْ وارتوتْ بدموع توْبتهم. منْ هؤلاء برز القديس إغْناطيوس الأنْطاكي الذي سار إلى الإسْتشْهاد مشْتاقا للإتحاد الكامل بالمسيح، والقديس يوحنا الذهبي الفم الذي أضاء الكنيسة بعلْمه ووعْظه مع القديس يوحنا الدمشْقي، والقديسات الشهيدات بربارة البعلْبكية، وأكيلينا الجبيْلية، وتقلا تلْميذة الرسول بولس، وكْريسْتينا التي منْ صور، والقديسون لوقا الإنْجيلي، ورومانوس المرنم، وسمْعان العمودي، وملاتيوس الأنطاكي، والأطباء قزما ودمْيانوس وإليان الحمْصي العادمو الفضة، وجموع كثيرة من القديسين المعْروفين لدى الناس والمجْهولين، إلا من الله".


    وقال: "كنيستنا المقدسة تسْتذْكر هؤلاء القديسين كلهمْ في عيد واحد، دون الوقوف عنْد أمْجاد الماضي. فتذْكار القديسين الأنْطاكيين ليْس احْتفالا بتاريخ مضى، بلْ إعْلان عنْ أن القداسة ما زالتْ ممْكنة في أيامنا. نحْن لا نكرم القديسين لأنهمْ أشْخاص إسْتثْنائيون بعيدون عنْ واقعنا، بلْ لأنهمْ أناس عاشوا الإنْجيل بجدية رغْم الصعوبات، فصاروا مثالا لكل مؤْمن. إنهمْ يذكروننا بأن المسيح الذي عمل فيهمْ ما زال يعْمل في كنيسته، والروح القدس الذي قدسهمْ ما زال يقدس منْ يفْتح له القلب. هذا هو الدرْس الأكْثر إلْحاحا لإنْسان عصْرنا المضْطرب بالنزاعات والحروب والفقْر والبطالة. نحْن نعيش في عالم يفيض بالمعْرفة، لكنه كثيرا ما يفْتقر إلى الحكْمة. عالمنا يزْداد فيه التواصل التقْني، لكن الإنْسان يشْعر فيه بالعزْلة. هذا العالم يعد بالسعادة، لكنه يتْرك كثيرين في قلق وخوْف وفراغ. في وسط هذه التحديات تأْتي سير القديسين لتعلمنا أن الإنْسان لا يجد اكْتماله في النجاح أو السلْطة أو الغنى والمجْد، بلْ في الشركة مع الله. القداسة ليْستْ إمْتيازا لفئة قليلة، بلْ هي الدعْوة الأساسية لكل معمد. الرب لا يطْلب منا أنْ نقوم بأعْمال خارقة، بلْ أنْ نحْيا أمانة الإنْجيل في ظروف حياتنا اليوْمية ولوْ صعْبة، وأنْ نسْمح لنوره بأنْ يشْرق في أفْكارنا وكلماتنا وأعْمالنا وحياتنا".


    وأردف: "يعلمنا القديسون الأنْطاكيون أيْضا أن الشهادة للمسيح لا تتم بالكلام، بلْ بالحياة. لقدْ آمن الناس في أنْطاكية لأنهمْ رأوا جماعة مخْتلفة يعيش أعْضاؤها المحبة والتضامن والعطاء. هذا ما يظْهر في ختام مقْطع أعْمال الرسل عنْدما هب المؤْمنون لمساعدة إخْوتهم المحْتاجين في زمن المجاعة. فالنور الذي تحدث عنْه المسيح لمْ يكنْ فكْرة مجردة، بلْ هو محبة متجسدة في خدْمة الآخرين. الكنيسة تصْبح نورا للعالم عنْدما يتحول الإيمان فيها إلى حياة، والعقيدة إلى شهادة، والصلاة إلى محبة معاشة. كم نحْن بحاجة في لبنان إلى بشر يعيشون حياة القداسة المتجلية في الصلاة والمحبة والتواضع والخدْمة وابتغاء الحق والخيْر، واحْترام الإنسان المخْلوق على صورة الله ومثاله، وحفْظ كرامته الممْنوحة له من الله، علهم يكونون شفعاء لهذا الوطن، مع القديسين السابقين، يبْتهلون إلى الله كي ينْتشله مما يرْزح فيه إلى الحرية والسلام والإسْتقْرار".


    وختم: "فيما نحْتفل اليوْم بقديسينا الأنْطاكيين، علينا ألا نكْتفي بالنظر إليْهمْ بإعْجاب، بلْ أنْ نسْأل أنْفسنا إنْ كنا نسير في الطريق الذي سلكوه. هلْ يظْهر المسيح في حياتنا؟ هلْ نعْكس شيْئا منْ نور الإنْجيل؟ هلْ نحْفظ الإيمان الذي سلمه إليْنا الآباء ونعيشه بصدْق وشجاعة وأمانة في عالمنا المعاصر؟ إن أعْظم تكْريم نقدمه للقديسين لا يكون في ذكْر أسْمائهمْ وحسْب، بلْ في الإقْتداء بإيمانهمْ وحْمل الشعْلة التي حملوها قبْلنا، فنكون منْ أولئك الذين يعْملون ويعلمون، الذين ذكرهم الرب في نهاية إنْجيل اليوم، الذين يدْعوْن عظماء في ملكوت السموات".

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology