إسرائيل... سلام بالقوة أم فوضى دائمة؟ أمل أبو زيد

  • 10 June 2026
  • 2 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    تواصل إسرائيل حملاتها الإبادية في لبنان تحت "ستار تعزيز أمنها". إلا أنه بات واضحاً منذ زمن طويل لمعظم مواطني الشرق الأوسط أن مفهوم إسرائيل للأمن، لا سيما في ظل حكومة بنيامين نتنياهو الاستيطانية المتطرفة، يرتكز على إبقاء حالة انعدام الأمن الدائمة في الدول والمجتمعات المحيطة. وقد واصلت إسرائيل تطبيق هذا المنطق في لبنان، ولذا كان من المثير للاهتمام أن نرى أنه في الجولة الرابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في 3 حزيران، اتفق الطرفان على بيان مشترك جاء فيه: "اتفقت إسرائيل ولبنان على تنفيذ وقف إطلاق النار، ويشترط وقف إطلاق النار وقفاً تاماً لإطلاق النار من جانب حزب الله وإجلاء جميع عناصره من جنوب الليطاني. واتفق الطرفان، بتوجيه من الولايات المتحدة الأميركية، على الإسراع في إنشاء مناطق تجريبية تسيطر عليها القوات المسلحة اللبنانية سيطرة كاملة، مانعة بذلك تواجد أي جهة فاعلة غير حكومية"
    تنطوي هذه الخطة على العديد من المخاطر المحتملة، لكنها تمثل أيضاً أول جهد عملي لمعالجة نزع سلاح حزب الله من قبل الحكومة اللبنانية. ومع ذلك، فإن السؤال المهم الذي يطرح نفسه هو: كيف ستتعامل إسرائيل مع هذا الاتفاق؟
    بينما كان الصراع الأخير قد بدأ بسبب مبادرة حزب الله بإطلاق ستة صواريخ على إسرائيل بتاريخ 2 آذار المنصرم، يمكن قول أمرين اثنين بهذا الخصوص؛ إذ يبدو أنه منذ تشرين الثاني 2024 كان حزب الله تحت القيادة المباشرة للحرس الثوري الإيراني، وهو أمر عرفه الإسرائيليون
    جيداً. وعندما تمكنوا، بالتعاون مع الأميركيين، من اغتيال المرشد علي خامنئي، فلا بد أنهم توقعوا أن يكون هناك رد فعل من جانب حزب الله
    في الواقع، استغل الإسرائيليون ذلك لأنهم كانوا يبحثون عن ذريعة، وكان ذلك تبريراً للحرب الدائرة حتى الآن. خلال الأشهر الستة عشر الممتدة بين وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 وآذار 2026، رفضت إسرائيل بشكل منهجي اتخاذ أي إجراء لتعزيز مصداقية الدولة اللبنانية في صراعها مع حزب الله. وتصاعدت حدة التوتر بين الحكومة وحزب الله في شهر آب عندما قررت الحكومة نيتها احتكار السلاح بيد الدولة، وتحديداً الجيش اللبناني
    نقل آنذاك المبعوث الأميركي طوم باراك هذا الموقف اللبناني إلى الإسرائيليين على أمل الحصول على تنازلات منهم، مثل الانسحاب الجزئي للقوات الإسرائيلية التي احتلت بعض التلال المهمة في جنوب لبنان. ولكن، على الرغم من محاولته إقناع المسؤولين الإسرائيليين برأيه، فإنه جوبه بالرفض لأنه فشل في التحضير لزيارته بالتنسيق مع واشنطن وإسرائيل. ومن أسباب فشله في مسعاه قوله إن "الطائفة الشيعية" بحاجة إلى حفظ ماء الوجه في عملية نزع سلاح حزب الله. ومنذ ذلك الوقت، شعر طوم باراك بتصاعد العداء له في واشنطن، مما دفعه إلى انتقاد الجانب اللبناني في عدة تصريحات صحفية
    وعندما نجحت إسرائيل في تحييد طوم باراك بشأن لبنان، سعت إلى إقناع الولايات المتحدة بمهاجمة إيران في 2025-2026، وأصبحت مرتاحة لعملية إدارة الفوضى بدلاً من إيجاد الحلول لتحدياتها
    والظاهر أن الاستراتيجية التي انتهجتها إسرائيل، ولا تزال، هي نهج قائم على مبدأ الهيمنة من دون تسوية، وتدهور الأوضاع وتفجير المنازل من
    دون إعادة إعمار، وحرمان من الأراضي من دون أفق سياسي، وحرب ليست جسراً نحو اتفاق، بل هي الاتفاق نفسه
    لهذا السبب تحديداً، يشير الاقتراح الأميركي الأخير بإنشاء "مناطق تجريبية" إلى كل هذه الشكوك، ولذا يجب قراءة التفاصيل الدقيقة بعناية. فالشروط التي يفرضها، وهي أن "وقف إطلاق النار مشروط بوقف كامل لإطلاق النار من قبل حزب الله وإجلاء جميع عناصره من قطاع الليطاني الجنوبي"، تمنح فعلياً حق النقض لكل من إسرائيل وإيران، اللتين لا ترغب أي منهما في أن تحتكر الحكومة اللبنانية السلاح. فإيران لا ترغب في رؤية حزب الله منزوع السلاح، بينما لا تثق إسرائيل في قدرة الحكومة اللبنانية على الحفاظ على الأمن في الجنوب، وبالتالي تفضل اتباع مسار أحادي الجانب لتحقيق الأمن؟
    يحب الإسرائيليون تكرار أنهم "يقيمون منطقة عازلة في الجنوب من أجل حماية مجتمعاتهم الشمالية". ومع ذلك، هناك الكثير مما يشير إلى أن التفكير الإسرائيلي يتجاوز ذلك بكثير. وباعتقادي أن وجود قرى جنوبية ذات أغلبية شيعية يدفع إسرائيل إلى اعتماد خطة لإعادة هندسة التركيبة السكانية والطائفية هناك، أو بعبارة أدق، تطهير عرقي أكثر من كونه خطة أمنية. علاوة على ذلك، فإن إسرائيل تهدف في الواقع إلى تأجيج التوترات الطائفية في لبنان من خلال دفع السكان الشيعة من الجنوب نحو صيدا وبيروت، ومحاولة إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت من سكانها ذوي الأغلبية الشيعية ودفعهم إلى مناطق ذات أكثرية طائفية أخرى
    إن حالة عدم الاستقرار المفتوحة في لبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية ليست سوى بُعد واحد من صراع إسرائيل الأوسع مع إيران، وقريباً مع تركيا، وقد ساهمت الولايات المتحدة إلى حد كبير في تعزيز غطرسة إسرائيل وتبني معظم منطلقاتها
    الاعتقاد الخاطئ بأن انسحاب الأميركيين من المنطقة يصب في مصلحتهم، إذ يقتضي ترك قوة مهيمنة موالية لهم للحفاظ على استقرارها. هذا هو المنطق الحقيقي وراء ما يُسمى باتفاقيات أبراهام، التي تُعتبر الركيزة السياسية لهذا النظام الأميركي المتخيل، والمُزمع دمجه مع قوة عسكرية إسرائيلية
    لكن ما يتبلور هو أمر مختلف تماماً ومثير للاهتمام، وإن كانت أبعاده وقوته لا تزال غير واضحة: تحالف من دول، من بينها السعودية وتركيا وباكستان ومصر وقطر، يسعى إلى استقرار المنطقة في ظل سعي إدارة ترامب لمواجهة التداعيات الكارثية لحملتها العسكرية، وحملة إسرائيل، ضد إيران. وقد اجتمعت هذه الدول لتحقيق هدفين: احتواء الآثار المدمرة للسياسات الإسرائيلية التي تبنتها إدارة ترامب إلى حد كبير، وإقامة ثقل موازن لأي قوة، إسرائيل أو إيران، تطمح إلى الهيمنة الإقليمية. نشهد اليوم تطبيقاً عملياً لأبسط قواعد السياسة الواقعية، حيث قد يتحول العدو اليوم إلى حليف غداً في مواجهة حليف اليوم الذي قد يسعى غداً إلى فرض هيمنته
    ويتوحد هذا التحالف الدولي حول فكرة أن إسرائيل لا يمكنها توقع تطبيع العلاقات مع العالم العربي ما لم تقبل بالتقدم نحو إقامة دولة فلسطينية. وفي هذا السياق، يمثل هذا التحالف تحدياً مباشراً للنهج الأميركي القائم على اتفاقيات أبراهام، التي تهدف إلى تجاوز القضية الفلسطينية. صحيح أن فلسطين شهدت خيانات عديدة، إلا أن رسالة هذا التحالف ترتبط بهدف أكثر جوهرية، ألا وهو التصدي لتفضيل إسرائيل فرض أجندتها الرامية إلى إعادة تشكيل المنطقة لصالحها خلف جدار من الفوضى. وهذا بدوره سيؤدي إلى انقسام عميق بين حلفاء واشنطن المزعومين في الشرق الأوسط، مما يزيد من تآكل ما تبقى من النظام الإقليمي الذي ترعاه الولايات المتحدة
    أمام هذا التنافس الحاد بين القوى المتناحرة، كيف سترد الولايات المتحدة، سواء إدارة ترامب أو من يخلفها؟ لطالما بدا أن إسرائيل لا تخطئ في واشنطن، حيث لا تزال تحظى بحلفاء أقوياء، ولكن هل سيصدق هذا إذا أفعال إسرائيل قد قوضت ما تبقى من السلام الأميركي في المنطقة؟ لقد كانت الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي دفع الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران، مما أدى إلى كارثة ذات أبعاد هائلة، حتى إن المحللين المتعاطفين مع الرئيس، والذين تربطهم علاقات وثيقة بإسرائيل، يعترفون بذلك الآن