ملاك عبد الله -
في الثاني من حزيران/يونيو 2026، أعلنت "عصائب أهل الحق" أحد الفصائل الشيعية المسلّحة الموالية لإيران تشكيل لجنة مركزية لفكّ ارتباطها بهيئة الحشد الشعبي وتسليم سلاحها إلى الدولة. لم يكن اللافت في الإعلان أنّه جاء بعد أيّامٍ من خطوةٍ مماثلة أقدم عليها مقتدى الصدر مع" سرايا السلام"، وإنما العبارة التي افتُتح بها البيان بأن القرار يأتي "انسجاماً مع دعوة المرجعية الدينية العليا". وحين سُئل القيادي ليث الخزعلي عن مشروع حصر السلاح، ربطه صراحةً بقرارٍ من المرجع علي السيستاني ومن "الإطار التنسيقي" معاً.
عملياً، الفصيل الذي بنى عقيدته على نموذج السلاح الموالي لطهران، يستدير اليوم ليستظلّ بشرعية النجف لا بشرعية قم. والمرجعية الدينية النجفية تجد نفسها فجأةً في قلب أعقد ملفّ عراقيّ مرتبط بالسلاح منذ العام 2003.
ما يجري ليس بتفصيل عابر، بل تحوّلٌ يقارب انقلاباً في الهوية. وسواء كان دافعه قناعةً أم حسابات سياسيّة بقراءة موازين ما بعد الحرب، فإنّ مجرّد لجوئه إلى شرعية النجف اعترافٌ ضمنيّ بأنّ معضلة السلاح باتت تحتاج إلى غطاء لم يعد يجده إلّا هناك.
كيف تمنح النجف الفصائل مخرجاً آمناً؟
لا تحكم المرجعية النجفية ولا تحمل سلاحاً ولا تترأّس حزباً، لكنّها تملك الشرعية. يُعتبر المرجع الأعلى في المذهب الشيعي مصدر تقليدٍ لملايين المؤمنين. كلمته في الشأن العام ليست رأياً وإنما بمثابة إلزام أخلاقيّ. بهذا ستغدو المرجعية لاعباً أساسياً اليوم في ملف حصر السلاح. تستطيع وحدها أن تُقنع فصيلاً شيعيّاً بحصر سلاحه بيد الدولة من دون أن يبدو مهزوماً أو خائناً. إنها الجهة القادرة على تحويل المسألة من استسلامٍ لواشنطن إلى واجبٍ وطنيّ بمباركة دينية. لن يكون إذاً من المستبعد أن تلجأ الفصائل اليوم إلى التذرّع بـ"دعوة المرجعية". هذا مخرجٌ يحفظ ماء الوجه!
حين اجتاح تنظيم "داعش" الموصل وزحف نحو بغداد، أصدر المرجع السيستاني فتوى الجهاد الكفائي داعياً كلّ قادرٍ على حمل السلاح إلى الدفاع عن البلاد. كانت تلك لحظةً مفصلية. لكنّ الفتوى آنذاك دعت المتطوّعين إلى الالتحاق بالقوات الأمنية الرسمية وتحت إمرة الدولة. والمرجعية لم تستخدم تعبير "الحشد الشعبي" في خطبها الأساسية، والحشد لم يصبح مؤسسةً رسمية بقانونٍ إلّا في أواخر 2016.
بعبارةٍ أخرى، تصوّرت النجف تعبئةً مؤقّتة خاضعة للدولة، وتنتهي بانتهاء الخطر. لكن ذلك الظرف كان بيئة خصبة لاستثمار شرعية الفتوى في سبيل تعزيز بنية مسلّحة تستمدّ مرجعيتها من طهران لا من النجف بشكل أكبر من ذي قبل، خصوصاً وأنّ المرجعية لم تفعل الفعل نفسه إبان سقوط بغداد بيد الاحتلال الأميركي. لم تصدر فتوى تدعو إلى حمل السلاح ضد القوات الأميركية كما لم تمنح شرعية دينية لعمليات المقاومة المسلحة. بل ركّزت على إنهاء الاحتلال عبر مسار سياسي ودستوري، وعلى إجراء انتخابات عامة وعدم السماح للأميركيين بتعيين نظام سياسي دائم، كما على الحفاظ على السلم الأهلي وتجنب حرب أهلية واسعة.
الجدير بالذكر أنّ النجف حين دعت إلى التطوّع عام 2014، أُنشأت "ألوية العتبات" التابعة لها. قوّةٌ قاتلت "داعش" ثم قبلت أن تنضوي تحت الدولة. وبالتالي فإن المرجعية تمتلك حجّةً عمليّة لا نظرية فقط حين تطالب بحصر السلاح. وحين تُعيد المرجعية الدعوة إلى هذا الحصر، فإنها تحاول إغلاق القوس الذي فتحته قبل اثني عشر عاماً، بحيث تُنهي تعبئتها الخاصة بعد أن أدّت غرضها. مع العلم أن دعوة النجف إلى حصر السلاح هي خطّ ثابت تتكرّر محطّاته منذ سنوات. من دعوتها إلى دمج الحشد، ثم انسحاب ألوية العتبات منه معلنةً أنّها تريد "تصحيح المسار والسير برؤى وطنية"، وأيضاً في حراك تشرين الأول/أكتوبر 2019، حين بلغت حركية المرجعية ذروتها السياسية، بحيث أن رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي قدم استقالته وقتها استجابةً لدعوة المرجعية كما جاء في بيانه. كانت تلك لحظة كشفت تموضع المرجعية بوضوح. وقد توّجت النجف رؤيتها بمشهدٍ رمزيّ بالغ الدلالة حين استقبل السيستاني البابا فرنسيس عام 2021، معلناً انحيازه إلى دولةٍ يتساوى فيها المواطنون تحت سقفٍ واحد.
النجف وولاية الفقيه: خلاف في مفهوم السلطة الدينية
خلف ملف السلاح يقبع خلافٌ فكريّ أعمق داخل التشيّع المعاصر. فالمرجعية النجفية التي يمثّلها السيستاني تميل إلى حصر دور المرجع في الإرشاد العام وعدم ممارسة الحكم المباشر، فيما تتبنّى نظرية ولاية الفقيه التي تُعدّ الأساس الدستوري للجمهورية الإسلامية الإيرانية رؤيةً أوسع، تمنح الفقيه دوراً مباشراً في قيادة الدولة. ولا ينطبق هذا الانقسام على جميع علماء النجف أو قم على السواء، إذ تضمّ الحوزتان اتجاهات متعددة، لكنه يبقى الإطار الفكري الذي انعكس سياسياً على جزء مهم من الفصائل الشيعية العراقية.
هذا الانقسام لا يدور في الكتب، بل يخترق هيئة الحشد الشعبي نفسها. فمن جهة، هناك فصائل تدين بالولاء للمرجعية التقليدية في النجف، ومن جهةٍ أخرى، قيادة الحشد الموالية لولاية الفقيه في إيران، ومعها كتائب حزب الله والنجباء وجزءٌ من العصائب تاريخياً. ولهذا فإنّ معضلة حصر السلاح ستبدو وكأنها معضلة مرجعية على هويّة التشيّع العراقيّ إن كان سيبقى مشدوداً إلى طهران، أم سيعود إلى نجفه.
على هذه الخلفية تكتمل دلالة لحظة 2026. المرجعية تدفع نحو حصر السلاح لكن في حقل مليء بالألغام، فالخلاف اليوم لا يزال دائراً حول الآلية لا المبدأ: كيف يُسلَّم السلاح، وإلى أي جهة، وبأي ضمانات. وبغداد تبحث صيغاً وسطى، من بينها وزارة أمنية جامعة تُدمج فيها تشكيلات الحشد.لكن لا يخفى أنّ واشنطن كما الحكومة العراقية تراهنان على دور المرجعية ولو ضمنا. فالضغط الأميركيّ وحده يولّد ردّ فعلٍ معاكس. أمّا حين تتقدّم المرجعية إلى الواجهة، فإنّ المعادلة تنقلب. يصبح الرافض للتسليم خارجاً على إجماعٍ وطنيّ دينيّ، لا مدافعاً عن السيادة.
حدود قوّة النجف: الإقناع لا الإكراه.. وسؤال ما بعد السيستاني
لكن مهما بلغ ثقل المرجعية، فإنّ قوّتها تبقى أخلاقية لا قسرية. تستطيع النجف أن تُقنع وأن تُحرج وأن تنزع الشرعية، لكنّها لا تملك أن تُجبر فصيلاً موالياً طهران لا للنجف. كتائب حزب الله لا تنتظر فتوى السيستاني لأنّها أصلاً لا تعدّه مرجعها. مرجعها في طهران. ولهذا فإنّ سقف ما تستطيعه المرجعية هو عزل الرافضين وتجفيف شرعيتهم، لا انتزاع سلاحهم بالقوّة، وتلك مهمّة الدولة وحدها، إن قدرت. كما أن البعض يثير مسألة عمر السيستاني الذي تجاوز الخامسة والتسعين ليسأل ماذا بعده. ففي حال غاب الرجل قبل أن تُحسم معركة السلاح، ربما يتبدّل كلّ شيء، لأن مرجعية أضعف أو أكثر انقساماً قد تفقد القدرة على منح المظلّة التي تتذرّع بها الفصائل اليوم، وقد تسعى طهران لملء الفراغ. لذلك يعتبر البعض أن نجاح مشروع حصر السلاح مرهونٌ في جانبٍ كبير منه ببقاء صوت النجف قويّاً وموحَّداً.
إلى أين تتجه الأمور؟
في ضوء ما تقدّم، تتبدّى ثلاثة مسارات. الأوّل أن تتوالى الفصائل في الاستجابة لدعوة المرجعية فتتقاطع المظلّة الدينية مع الضغط الأميركيّ والعوز الاقتصاديّ وإرادة الحكومة. والثاني أن يتعثّر الاتفاق عند الآلية، فتُسلّم الفصائل سلاحها اسميّاً مع احتفاظها بقدرتها الفعلية، ويتشكّل عراقٌ على مستويين: سلاحٌ نجفيّ ينضوي في الدولة، وسلاحٌ "قمّيّ" يراوغ ويبقى وتسود صيغة لا غالب ولا مغلوب. أمّا الثالث فأن يقود رفض كتائب حزب الله، مقترناً بضرباتٍ خارجية أو بفراغٍ مرجعيّ بعد السيستاني، إلى احتكاكٍ شيعي شيعيّ يعيد خلط الأوراق. علماً أن اللحظة التي يشعر فيها العراقيّون أنّ تسليم السلاح خضوعٌ للخارج، ستنهار شرعية العملية كلّها، وفي هذه المسألة بالتحديد يكمن جوهر دور النجف في أن يمنح قضية حصر السلاح معنى مغاير ومحتمل.
عملياً، تمنح المرجعية الدينية اليوم الفصائل مخرجاً لمسألة الحصر هذه بحيث لا تبدو انكساراً أمام أميركا ولا خيانةً للطائفة. لكن هل ما زالت كلمة النجف تُسمَع وتُطاع بقوة، وهل ستبقى كذلك بعد السيستاني؟ ربما في الإجابة عن هذا السؤال تحديدٌ لشكل العراق المقبل.