الديموقراطي جون أوسوف يشرّح أخطاء السياسة الأميركية - ريتا بستاني

  • 05 June 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    الديمقراطي جون أوسوف يستعرض 92 يوماً من الحرب على إيران: ماذا قيل؟ ماذا تحقق؟ وماذا دفعت دول المنطقة؟
    أكثر ما لفت انتباهي مؤخراً كان الخطاب البارع والمفعم بالكاريزما الذي ألقاه السيناتور الأمريكي الديمقراطي عن ولاية جورجيا، جون أوسوف، المنحدر من أصول يهودية.
    وربما يجدر بنا أن نشكره على هذا الخطاب، ليس بالضرورة لأن الجميع سيتفق مع آرائه أو استنتاجاته، بل لأنه أعاد ترتيب الوقائع والتصريحات في تسلسل زمني واضح ومفهوم. فالكثير من القراء في العالم العربي لا يعرفون من هو جون أوسوف، ولا يتابعون تفاصيل النقاشات الدائرة داخل الولايات المتحدة حول الحرب على إيران. ومع ذلك، فقد قدم في دقائق معدودة عرضاً مكثفاً لأبرز المحطات والتصريحات التي رافقت هذه الحرب منذ يومها الأول وحتى يومها الثاني والتسعين.
    في حديثه، وصف أوسوف حرب ترامب على إيران بأنها أكبر وأفدح خطأ في السياسة الخارجية الأمريكية منذ حرب العراق. وأضاف أن هذه الحرب، تماماً كما كانت حرب العراق، «حرب بُنيت على الأكاذيب».
    وما لفتني في هذا الخطاب ليس فقط جرأة الموقف، بل أيضاً منهجيته. فالرجل لم يعتمد على الشعارات أو المزايدات السياسية، بل قدم مرافعة قائمة على الوقائع والتسلسل الزمني، تاركاً للمستمع أن يستخلص النتيجة بنفسه.
    ويُصنَّف جون أوسوف ضمن التيار الوسطي في المشهد السياسي الأمريكي فيما يتعلق بإسرائيل. فهو يؤيد أمن إسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها، ويعارض الحركات والتنظيمات التي تعتبرها الولايات المتحدة وإسرائيل تهديداً لأمنهما، إلا أنه في الوقت نفسه لا يتردد في انتقاد حكومة بنيامين نتنياهو وسياساتها. كما أبدى في أكثر من مناسبة تعاطفاً مع معاناة المدنيين الفلسطينيين، وانتقد التداعيات الإنسانية للحرب في غزة، وكذلك الآثار التي خلفتها المواجهات العسكرية على المدنيين في لبنان.
    وخلال السنوات الأخيرة، اتخذ مواقف أثارت امتعاض بعض الأوساط المؤيدة لإسرائيل. ففي عام 2025 دعم جهوداً هدفت إلى وقف بعض صفقات الأسلحة المخصصة لإسرائيل أو فرض قيود عليها، الأمر الذي وضعه في مواجهة مباشرة مع منظمة «أيباك» وعدد من أبرز الناشطين التقليديين المؤيدين لإسرائيل. ولذلك لا يمكن تصنيفه ضمن المعسكر المعادي لإسرائيل، كما لا يمكن اعتباره من الأصوات التي تؤيد سياسات الحكومة الإسرائيلية دون تحفظ، بل يمثل توجهاً وسطياً يحاول الموازنة بين دعم أمن إسرائيل وانتقاد السياسات التي يرى أنها تزيد من معاناة المدنيين أو تعرقل فرص الاستقرار والسلام في المنطقة.
    وفي خطابه قال:
    «دعونا فقط نُحدّث السجل.
    إن هذه الحرب على إيران هي أسوأ خطأ في السياسة الخارجية منذ حرب العراق. ومثلما كانت حرب العراق، فهي حرب بُنيت على الأكاذيب.
    في اليوم الأول من الحرب، قال الرئيس إنها تسير أسرع من المتوقع.
    وفي اليوم العاشر، قال إنها شارفت على الاكتمال.
    وفي اليوم الحادي والعشرين، قال إنهم باتوا قريبين جداً من تحقيق أهدافهم.
    وفي اليوم الثاني والثلاثين، قال إن إيران سترضخ قريباً جداً.
    وفي اليوم التاسع والثلاثين، قال رئيس الولايات المتحدة إن حضارة بأكملها ستموت تلك الليلة.
    وفي اليوم الأربعين أعلن نصراً كاملاً وشاملاً.
    وفي اليوم السابع والستين تحدث عن تقدم عظيم.
    وفي اليوم التاسع والسبعين قال إن الوقت ينفد.
    أما اليوم، فهو اليوم الثاني والتسعون.
    وفي اليوم الثاني والتسعين، لم تُدمّر الصواريخ الباليستية الإيرانية ولا الطائرات المسيّرة. وما زال مضيق هرمز مغلقاً. وما زال النظام الإيراني قائماً. وما زال مخزون اليورانيوم عالي التخصيب موجوداً».
    بهذه الطريقة، لم يركز أوسوف على الدفاع عن إيران أو تبرير سياساتها، بل ركز على سؤال آخر: ماذا كانت أهداف الحرب؟ وماذا تحقق منها فعلياً بعد أكثر من ثلاثة أشهر؟ ومن خلال هذا السرد الزمني المتتابع، حاول أن يثبت أن الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني كانت كبيرة، وأن الوعود المتكررة بالحسم والانتصار لم تنعكس بالضرورة على الوقائع على الأرض.
    ومن جهتنا، في الخليج والشرق الأوسط، لا بد من التوقف عند جانب آخر من هذه الحرب. فدول مجلس التعاون الخليجي لم تكن طرفاً في هذا الصراع، ولا هي صاحبة قرار في إشعاله أو توسيعه. إنها دول بنت نهضتها على الاستقرار والتنمية والانفتاح الاقتصادي، لا على الحروب والصراعات.
    وقد استضافت هذه الدول قواعد عسكرية أمريكية ضمن تفاهمات استراتيجية طويلة الأمد، قامت على أساس حماية أمنها واستقرارها. وفي المقابل، أنفقت مئات المليارات من الدولارات على التعاون الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة.
    لكن هذه الحرب ألحقت أضراراً مباشرة بالمنطقة. فقد تضررت حركة التجارة والاستثمار والسياحة، وارتفعت كلفة التأمين والشحن، وتأثرت أسواق الطاقة، واضطرت دول المنطقة إلى استخدام منظومات دفاعية باهظة الكلفة لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة وحماية أراضيها وسكانها والمقيمين فيها.
    كما أن المجتمعات الخليجية، التي تضم ملايين الوافدين من مختلف الجنسيات العربية والآسيوية والأوروبية، تقوم على بيئة مستقرة وآمنة ومنفتحة على العالم. ولذلك فإن أي حرب إقليمية واسعة النطاق تشكل تهديداً مباشراً للنموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي بنته هذه الدول خلال عقود طويلة.
    ومن هنا يمكن القول إن من أبرز الخسائر التي أفرزتها هذه الحرب الأضرار الواسعة التي لحقت بدول الخليج والشرق الأوسط عموماً. فالمنطقة خسرت وتخسر مليارات الدولارات نتيجة اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتراجع بعض الاستثمارات واستنزاف الموارد المخصصة للأمن والدفاع.
    ولعل ما يلفت النظر في التجربة الأمريكية هو وجود مساحة واسعة للنقاش والاختلاف داخل المعسكر السياسي الواحد. فقد يكون السياسي مؤيداً لأمن إسرائيل، وفي الوقت نفسه معارضاً لبعض سياسات حكومة نتنياهو، من دون أن يُتهم بالخيانة أو بالعداء.
    أما في لبنان، فغالباً ما نشهد انقساماً حاداً بين مؤيد ومعارض، حيث تتحول القضايا السياسية إلى معارك مفتوحة، ويضيق المجال أمام المواقف الوسطية أو القراءات العقلانية. وكثيراً ما تطغى الخطابات الانفعالية والتحريضية على النقاش الهادئ القائم على الوقائع والتحليل، فتضيع الحقيقة بين الشعارات المتناقضة والاصطفافات المسبقة.
    ولعل أهم ما في خطاب جون أوسوف أنه أعاد النقاش إلى مساحة أكثر هدوءاً وعقلانية، حيث تُقاس السياسات بنتائجها لا بالشعارات التي ترافقها، وتُناقش الحروب من خلال ما تتركه من آثار وتداعيات لا من خلال الحماسة التي تسبقها.
    وعسى أن يقتدي كثيرون بهذا النهج المتوازن الذي يعترف بالحقائق كما هي، ويفصل بين دعم الدول وتأييد حكوماتها، وبين الحرص على الأمن وتبرير الحروب، لأن منطقتنا اليوم أحوج ما تكون إلى أصوات العقل والحكمة، وإلى منطق الحوار والتبصر، لا إلى المزيد من الانفعال والانقسام.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology