هندسة الفساد: معضلة الإصلاح في الأنظمة الفاسدة

  • 04 June 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الجمهورية
    • article image
    الياس يونس -

    عندما يقوم نظام مجتمعي على أُسُسِ الفساد، فلا يمكن القول إنّ الهدف هو تحسين المجتمع، كما لا يمكن إطلاق شعارات إصلاحية؛ لأنّه في الواقع يستحيل التغيير، كون مهندسي هذه المنظومة جعلوها فعّالة، وتؤدّي إلى النتيجة المرسومة، مهما حاول البعض الإصلاح أو مكافحة الانحراف.

    فالنظام الفاسد يُبنى بطريقة تجعله يعمل ويفرز الفساد تلقائياً حتى لو كان المسؤولون فيه ملائكة؛ لأنّهم لن يتمكنوا من تبيُّن مفاصله الحقيقية، وإن ضبطوا بعض المخالفات. ففي أنظمة كهذه، إذا ما كان شخص في سُدَّة المسؤولية نزيهاً، تذهب حصة الكسب غير المشروع التي كانت من نصيبه تلقائياً إلى غيره، فرفضه الانغماس في هذه الممارسات لن يعني أبداً إبطال المنظومة أو تقويضها.

    «آليات دفاع ذاتي» للمنظومة الفاسدة

    هنا تكمن المعضلة الكبرى؛ فالمنظومة الفاسدة لا تكتفي بإفراز الانحراف، بل تملك «آليات دفاع ذاتي»، تجعلها تطرد الأجسام الغريبة عنها، أو تطحنها وتلفظها خارجاً إن هي أصرَّت على استقامتها. وفي أفضل الأحوال، يتحوَّل الشخص النزيه داخل هذا التركيب الهندسي الخبيث - من دون وعي منه - إلى مجرّد «واجهة تجميلية» تمنح النظام صك غفران زائف، وتُستغل لتسكين الغضب الشعبي وتمرير الممارسات ذاتها، بينما تستمر العصابة الحقيقية بالعمل في الخفاء.

    ثقوب القوانين العرجاء

    بناءً على ذلك، يصبح الرهان على «أخلقة» النظام، أي محاولة إضفاء طابع قيمي عليه عبر استبدال الوجوه أو الاستنجاد بأفراد شرفاء لإدارته، رهاناً خاسراً ومضيعة للوقت والطاقات. فالأخلاق في علم السياسة والاجتماع لا يمكنها أن تسدّ ثقوب القوانين العرجاء. إنّ العِلّة العميقة هنا ليست في هوية السائق بل في تصميم المحرِّك نفسه؛ فالأزمة لم تكن يوماً أزمة ضمائر، بل هي أزمة بُنية تمتلك «قوّة جاذبية هيكلية» تفوق إرادة الأفراد مهما بلغت طهارتهم.

    وعليه، فإنّ محاولة زرع مصلحين داخل بيئة قائمة على الالتفاف والمحسوبية، تشبه محاولة تشغيل برمجية صالحة على جهاز كمبيوتر تالف؛ إمّا أن يرفضها الجهاز أو يُعيد صياغتها لتخدم أعطاله، ممّا يمنح المنظومة وقتاً إضافياً لإعادة إنتاج نفسها.

    الإتكال على «الشرفاء» وهم

    بوجه أكثر قبولاً، من دون أن يُلمس جوهرها العفن.

    لا بدّ من مواجهة الحقيقة العارية: إنّ النظام المبني على أسس الفساد يستحيل تصحيحه أو ترقيعه، والاتكال على «الشرفاء» لإنقاذه من الداخل هو وهم يبقي المجتمع يدور في حلقة مفرغة. إنّ مواجهة هذا الواقع لا تبدأ بمطاردة الفاسدين الصغار، بل بخطوات إجرائية وتنظيمية محدَّدة تبدأ بتفكيك مفاصل هذا المحرِّك تدريجياً، وعبر خطوات عملية ومباشرة.

    يمكن أن تكون لهذه الخطوات دور في التخفيف من حدّة الفساد. بما أنّ التغيير الشامل والمفاجئ قد يكون متعذّراً، يمكن الاعتماد على آليات إدارية وتقنية لتقييد هوامش المناورة داخل النظام الحالي:

    حلول عملية

    1- فصل طالب الخدمة عن مقدِّمها (الموظف الخلفي) أكثر أنواع الفساد والمحسوبية شيوعاً، يحدث بسبب الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف. الحل العملي المتاح هو رقمنة المعاملات الروتينية (مثل تجديد الرخص أو استخراج الوثائق وبطاقات الهوية). عندما يُقدِّم المواطن طلبه عبر منصة إلكترونية ويستلمه بالبريد أو عبر آلية تسليم آلية، يختفي معيار «المعرفة الشخصية» أو الابتزاز المالي المباشر.

    2- توحيد وتوصيف الإجراءات: الفساد يقتات على غياب المعايير الواضحة التي تتيح للموظف فرض شروطه المزاجية. إنّ وضع دليل إجراءات صارم ومتاح للعلن يُحدِّد بدقة المستندات المطلوبة، الرسوم القانونية، والجدول الزمني لإنجاز المعاملة، فيسحب السلطة التقديرية من يد الأفراد ويجعل أي عرقلة غير مبرَّرة مكشوفة فوراً.

    3- مكننة المشتريات والمناقصات العامة نقل المعاملات المالية الكبرى وعقود التوريد الحكومية إلى منظومة الشراء الرقمي الموحَّد. وضع الشروط الفنية والأسعار على قاعدة بيانات مفتوحة ومقارنتها آلياً بأسعار السوق يقلّل بشكل كبير من صفقات التراضي والمبالغة في الفواتير، ويجبر النظام على العمل ضمن حدود مالية منطقية.

    4- تفعيل الرقابة والتدقيق الآلي اللاحق الاعتماد على برمجيات التدقيق المحاسبي المتقاطع بين الجهات الحكومية (مثل الربط بين السجلات العقارية، المرور، والضرائب). هذا الربط الآلي يسهم في رصد التناقضات المالية الكبيرة والمعاملات المشبوهة بشكل تلقائي من دون الحاجة لتدخّلات بشرية أو لجان تحقيق قد تخضع للضغوط والمحسوبيات.

    إنّ هذا التغيير الإجرائي والتنظيمي هو الممر الإجباري لتأسيس ثقافة مجتمعية موحّدة، صالحة وبنّاءة تقود نحو التطوُّر الحقيقي؛ إذ يستحيل تثقيف وتوعية أفراد يعيشون في ظل نظام مشوَّه ألِفوا آلياته، وظنّوا واهمين أنّهم يدركون تفاصيل حياتهم وخفاياها، متقبّلين إياها كأمر واقع لا بأس به.

    إنّ تحرير العقول وتصحيح المفاهيم الثقافية لا يحدث بالوعظ داخل المنظومة المعتلة، بل بتغيير آليات المنظومة نفسها ليولد المجتمع من جديد في بيئة صحية وسليمة، تبدأ من إصلاحات عملية وممكنة، لتنتهي حتماً ببناء واقع تكون فيه الاستقامة هي المسار الأسهل، والانحراف هو الخيار الصعب والمعزول.