ندى أندراوس -
انتهى اليوم الأول من الجولة الرابعة للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن من دون تسجيل أيَّة نتائج حاسمة، لكن من دون انهيار المسار التفاوضي أيضاً. ساعات طويلة من النقاشات تخللتها اتصالات متواصلة مع بعبدا وتل أبيب، فيما تركز البحث على ثلاث قضايا رئيسية: تثبيت وقف شامل لإطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، والترتيبات الأمنية التي تسعى إسرائيل إلى فرضها في مرحلة ما بعد وقف الأعمال القتالية.
ووفق معلومات "المدن"، نقلاً عن أكثر من مصدر من المجتمعين في واشنطن، سادت أجواء إيجابية، أو بالأحرى "يمكن البناء عليها، إنما حذرة جداً في الوقت ذاته"، وإن كان السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى، تحدث عن أجواء متفائلة. فالولايات المتحدة تضغط للوصول إلى تفاهم يوقف القتال ويمنع توسع المواجهة، ولبنان يتمسك بوقف إطلاق نار شامل وغير مشروط على كامل الأراضي اللبنانية، وبالانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي لا تزال تحتلها إسرائيل في الجنوب، فيما تصر تل أبيب على الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية، وترفض أي انسحاب قبل الحصول على ضمانات أمنية تعتبرها أساسية.
ثلاثة إصرارات تحكم المفاوضات
كشفت المصادر لـِ "المدن" أن المفاوضات دارت عملياً حول ثلاثة عناوين متوازية: إصرار أميركي على احتواء القتال ومنع الانزلاق إلى حرب أوسع، وإصرار لبناني على تثبيت وقف شامل لإطلاق النار، وإصرار إسرائيلي على الوصول إلى ترتيبات أمنية تتيح معالجة ملف سلاح حزب الله والانتهاء منه.
منذ انطلاق اجتماعات اليوم الأول، شدد الوفد اللبناني على أولوية تثبيت وقف شامل لإطلاق النار على كامل الأراضي اللبنانية، والانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، ووضع آليات واضحة لمراقبة تنفيذ أي اتفاق ومنع انهياره عند أول اختبار ميداني.
في المقابل، حمل الوفد الإسرائيلي مقاربة تقوم على ربط وقف النار بحزمة من الترتيبات الأمنية اللاحقة، وفي مقدمها آلية متابعة ملف سلاح حزب الله وضمانات أمنية طويلة الأمد.
كل هذا في موازاة الجهود الأميركية لتقريب وجهات النظر، والتي عكسها كلام السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى، بعد انتهاء الاجتماع، مؤكداً أن "ما نسعى إليه هو التوصل إلى وقف إطلاق نار شامل في لبنان". ويعكس هذا الموقف التوجه الأميركي القائم على إعطاء الأولوية لوقف العمليات العسكرية واحتواء التصعيد، بالتوازي مع مواصلة البحث في الترتيبات الأمنية والسياسية التي يمكن أن تلي أي اتفاق محتمل.
اتصالات متواصلة مع بعبدا وتل أبيب
شهدت مفاوضات الجولة الرابعة حركة اتصالات خارج قاعة الاجتماع بين الحين والآخر. فقد كان بعض أعضاء الوفد الإسرائيلي يغادرون قاعة الاجتماعات تباعاً لإجراء مشاورات مباشرة مع تل أبيب قبل العودة إلى طاولة التفاوض، فيما كان الوفد اللبناني يتواصل بصورة دورية مع رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون، والفريق الرئاسي المكلف متابعة الملف في بعبدا.
وتفيد معلومات "المدن" بأن خطوط التواصل بقيت مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة من اجتماعات اليوم الأول بين الوفد اللبناني وبعبدا وما بعدها، حيث جرى تقويم الأفكار المطروحة وإعطاء التوجيهات اللازمة للوفد اللبناني.
وتؤكد مصادر واشنطن أن عنوان المفاوضات بقي ثابتاً منذ اللحظة الأولى: "تثبيت وقف إطلاق النار، والبحث في الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، والتدابير الأمنية والعسكرية التي يمكن اعتمادها بصورة تدريجية بعد التوصل إلى أي تفاهم محتمل".
من تحييد الضاحية إلى توسيع التهدئة
في المباحثات، ووفق ما كشفت مصادر خاصة، شكلت تجربة تحييد الضاحية الجنوبية لبيروت عن الاستهداف الإسرائيلي عشية الجولة الرابعة من المفاوضات أحد المحاور الأساسية في النقاشات. وتركز البحث على كيفية البناء على هذا الواقع لتوسيع نطاق المناطق المستثناة من العمليات العسكرية بشكل تدريجي، انطلاقاً من مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة.
ومن بين الأفكار التي جرى تداولها، الانتقال من تحييد الضاحية إلى توسيع نطاق التهدئة تدريجياً ليشمل مناطق أخرى في الجنوب، وربما البقاع الغربي، تمهيداً للوصول إلى وقف أشمل للأعمال القتالية.
مع العلم أن لبنان تمسك بموقفه القائم على وقف شامل لإطلاق النار على كامل الأراضي اللبنانية، مشدداً على رفض أي صيغة أخرى قد تؤدي إلى تكريس وقائع ميدانية جديدة بدلاً من إنهاء الحرب.
عقدة السلاح
أما العقدة الأكبر، فبقيت متمثلة في ملف سلاح حزب الله. فالجانب الإسرائيلي أصر على الدفع باتجاه إيجاد آلية أمنية أو رقابية مشتركة تسمح بمتابعة هذا الملف، وصولاً إلى ما تعتبره تل أبيب معالجة فعلية للسلاح.
وفي هذا الإطار، أعيد طرح أفكار تتعلق بتعزيز دور الجيش اللبناني في الجنوب، من خلال تدريب أميركي لوحدات متخصصة وتجهيزها بإمكانات عسكرية ولوجستية إضافية تسمح لها بتولي مهمات أمنية أوسع خلال المرحلة المقبلة.
وأشارت المصادر إلى أن البحث في صيغة تعاون أمني أو آلية مشتركة لمعالجة ملف سلاح حزب الله لا يزال يشكل المعضلة الأساسية في المفاوضات.
إسرائيل تتمسك بحرية الحركة
في المقابل، لا يزال الوفد الإسرائيلي متمسكاً بمطلبين أساسيين: الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، وحق الرد على أي ما تعتبره تل أبيب هدفاً مشبوهاً أو تهديداً أمنياً، من دون العودة إلى قواعد اشتباك أو قيود مسبقة على العمليات العسكرية.
وتشير المعطيات إلى أن الجانب الأميركي لا يبدي اعتراضاً واضحاً على مطلب حرية الحركة الإسرائيلية، كما لا يعارض استمرار الوجود الإسرائيلي داخل "المنطقة الأمنية" في الجنوب إلى حين استكمال الترتيبات الأمنية التي تطالب بها تل أبيب.
ومن هنا، تبقى الهوة واسعة بين الجانبين. فلبنان يطالب أولاً بوقف شامل وغير مشروط لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي من الجنوب، فيما تسعى إسرائيل إلى ربط أيَّة تهدئة بجملة ترتيبات أمنية وعسكرية طويلة الأمد، ولا سيما نزع سلاح حزب الله.
عون وهيكل في غرفة المتابعة
في موازاة المفاوضات، تولى رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون، متابعة الاجتماعات لحظة بلحظة من قصر بعبدا، بحضور قائد الجيش، العماد رودولف هيكل.
واكتسب حضور قائد الجيش أهمية خاصة، خصوصاً أن هذه الجولة جاءت بعد الاجتماعات العسكرية التي عقدها وفد الجيش اللبناني في البنتاغون، وأنه تم التطرق إلى جلسة مفاوضات البنتاغون العسكرية في اجتماع الخارجية.
وأكدت مصادر مطلعة أن وجود العماد هيكل إلى جانب الرئيس عون يعكس حرص الرئاسة على توحيد المقاربة السياسية والعسكرية للملف، وعدم الفصل بين ما يجري على طاولة المفاوضات وبين أي ترتيبات ميدانية قد تنتج عنها، خصوصاً أن الجيش اللبناني سيكون الجهة الرئيسية المعنية بتنفيذ أي تفاهمات مستقبلية.
كما تشير المصادر إلى أن الرئيس عون شدد في توجيهاته للوفد اللبناني على أولوية وقف العدوان وتثبيت الاستقرار وحماية السيادة اللبنانية، مع الإبقاء على الانفتاح على أي أفكار يمكن أن تساهم في إنهاء المواجهة.
لا اتفاق بعد والرهان على الأربعاء
مع انتهاء اليوم الأول من الجولة الرابعة، لم يُسجل أي تقاطع فعلي حول أي من الملفات، بانتظار اليوم الثاني والأخير من هذه الجولة.
وتصف مصادر مواكبة الأجواء بأنها "إيجابية بحذر"، مشيرة إلى أن الحوار لا يزال قائماً، وأن أياً من الطروحات لم يسقط بعد، بانتظار ما قد تؤدي إليه المساعي الأميركية لتحقيق وقف إطلاق النار في مرحلة أولى.
فالمفاوضات لن تسلك ما دام العنوان الأساسي للجانب اللبناني هو وقف شامل لإطلاق النار، وما دام المطلب الإسرائيلي يقوم على حرية الحركة ومعالجة ملف سلاح حزب الله، ولو تحت النار. فيما يبقى التوصل إلى نقطة التقاء بين هذين المسارين التحدي الأكبر أمام الراعي الأميركي.