1920: حين وُلد لبنان على عيب خَلْقي

  • 03 June 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الجمهورية
    • article image
    طلال عساف -

    سنة 1920، قبل أن يُرسَم الكيان اللبناني على الخريطة، جلس ديبلوماسي فرنسي يُدعى روبير دو كيه دو سان أيمور Robert de Caix de Saint-Aymour، كان مساعداً للمفوَّض السامي الجنرال هنري غورو، في حضرة البطريرك الماروني الياس الحويّك، وحاول أن يُثنيه عن حُلمه. ما لكَ والأقضية الأربعة، حاصبيا وراشيا وبعلبك والبقاع. لا تأخذ الجنوب. لا تأخذ عكار. لا تأخذ طرابلس. خذ لبنان الصغير واحتفظ به.

    قال له ما معناه: مهمّة صغيرة يحتفظ فيها المسيحيّون بمكانة راجحة خيرٌ من وطن كبير يغدون فيه أقليةً هامشية.

    لم يُصغِ الحويّك.

    لا يُلغي عدم جواز كتابة التاريخ بحبر 100 سنة قديمة، أنّ بعضاً، وربما كثراً من اللبنانيّين، يعدِّون دو كيه أشدّ نظراً ورويّة من معظم المسيحية السياسية التي جاءت بعده. لكنّ الإشكالية الحقيقية ليست في صواب رأيه أو خطئه، بل في السؤال: لماذا كان دو كيه يريد لبنان الصغير أصلاً؟

    أتردّد في تصديق أنّ الديبلوماسي الفرنسي كان يدافع عن مصلحة المسيحيّين. الرجل كان يُدافع عن مصلحة فرنسا، وهو في ذلك لم يُخطئ وظيفته لحظةً واحدة.

    لبنان الصغير، المحدود الموارد، المتجانس نسبياً، الموصول بباريس عاطفةً وثقافةً وكنيسةً، أسهل إدارةً وأوثق ولاءً وأقل كلفةً. أمّا لبنان الكبير، بامتداداته السنّية إلى دمشق وشيعته إلى جبل عامل ودروزه إلى حوران، فهو كيانٌ ذو جاذبية اتجاهات، أشدّ مراساً وتَصعُب قيادته.

    لم يكن دو كيه يرسم حدود دولة مسيحية، بل يرسم حدود نفوذ فرنسي. كان المسيحيّون في حسابه أداةً لا غاية، ضماناً لا وصيّةً. وحين رفض الحويّك نصيحته، لم يُعاند دو كيه كثيراً، ولم تُعاند فرنسا أكثر. لم تبغِ في الأصل إنشاء كيان مسيحي منفصل داخل المشرق العربي، سيُعرّض حُكماً مصالحها لخطر عداء الغالبية المسلمة

    تعكس هذه الرؤية الصراع الاستراتيجي بين فصل الكيانات الطائفية والاندماج ضمن بيئة الغالبية العربية المسلمة.

    أُعطِيَ الحويّك ما أراد. ما قامت به فرنسا في الأول من أيلول 1920 لم يكن فعل تحرير، بل فعل توظيف. أنشأت كياناً على مقاس مصالحها، ووضعت فيه تناقضات كانت تعلم أنّها ستنفجر يوماً، وتركت للزمن أن يُسوّي الحساب.

    في كل هذا، ثمّة ما هو أعمق من الحدود. لم تبنِ فرنسا لبنان فحسب، بل بنت معه نمطاً من التبعية الناعمة، تتنكّر في ثياب الرعاية والحماية، وتُغري أصحابها بأنّهم شركاء لا محميّون. هذا النمط هو ما جعل المسيحية السياسية تنظر إلى باريس نظرة الابن إلى أبيه، فيما كانت باريس تنظر إليها نظرة المستثمر إلى أصوله.

    المسيحية السياسية نفسها، التي ظنّت أنّها تفاوضت وانتزعت، لم تكن سوى شريك أصغر في صفقة لم تقرأ بنودها كاملة. فرنسا أعطتها الجغرافيا، وأخذت منها الاستقلالية الاستراتيجية. أعطتها العَلَم، وأخذت منها القرار. أعطتها لبنان الكبير، وأورثتها معه معادلةً ديموغرافية لا تملك مفاتيحها.

    حين جاء الاستقلال سنة 1943، خرج الفرنسيّون لكنهم تركوا بُنيانَهم قائماً. دستور طائفي، ميثاق شفهي، توازن هش مبني على إحصاء سنة 1932 الذي أجروه هم، وعلى صيغة لم تكن يوماً قابلة للتجديد الذاتي. المفارقة أنّ ذلك الإحصاء، الذي غدا حجر الزاوية في الميثاق الوطني، لم يكن وثيقة ديموغرافية محايدة بقدر ما كان أداةً سياسية. أجرته فرنسا بطريقة شملت المغتربين المسيحيّين في الخارج، فضخّمت أرقامهم وأرست نظاماً لم يعكس الواقع المحلي يوم إعلانه، فكيف بعقود لاحقة؟ إذ شكّل المغتربون نحو 25% من المواطنين المُحصين، 85% منهم مسيحيّون. وبلغت نسبة المهاجرين بين المسيحيّين 35%، مقابل 9% فقط بين غير المسيحيّين. (أقرأُ دراسة لرانيا مكتبي منشورة في

    British Journal of Middle Eastern Studies, Vol. 26, No. 2, (Nov., 1999), pp. 219-241 بعنوان The Lebanese census of 1932 revisited: Who are the Lebanese?).

    آثرت المسيحية السياسية، في معظمها وعلى امتداد عقود، أن تتذكر فرنسا بوصفها أمّاً حانية لا بوصفها قوّة انتداب احتسبت مصالحها بدقة. كلّف هذا الالتباس التاريخي غالياً. كلّف في لحظة 1943، حين اعتُقد أنّ الاستقلال كافٍ ولا يحتاج إلى مراجعة البُنية. وكلّف في لحظة 1958 حين طُلب التدخُّل الأميركي عوضاً عن إعادة التفاوض الداخلي. وكلّف في الحرب الأهلية حين استُبدل بالفرنسي فلسطيني وسوري وإسرائيلي، كلٌّ يحسب غنيمته. وكلّف في الطائف الذي كان تسويةً بين آخرين على أرض اللبنانيّين. وكلّف أيضاً في كل مرّة أخطأ فيها اللبنانيّون قراءة موازين القوى، فظنّوا أنّ الرعاية الخارجية تعني الانحياز لمصلحتهم، فيما هي لم تعنِ سوى الانحياز لمصلحة الراعي. هذا الوهم المتوارث هو الذي جعل لبنان يتحوَّل، جيلاً بعد جيل، من مساحة لأحلام أبنائه إلى ساحة لحروب غيرهم.

    رأى دو كيه ما لم يُرَد رؤيته. الديموغرافيا أقوى من الجغرافيا. لكنّه لم يقل ذلك حباً بالمسيحيّين، بل لأنّ الكيان الأصغر كان يخدم فرنسا أفضل.

    لا تكمن مساءلة فرنسا في أنّها أعطت لبنان حدوداً أوسع ممّا ينبغي، بل في أنّها أسّست كياناً مُصمَّماً للتبعية لا للاستقلال، للتوازن الدقيق الهش لا للدولة الراسخة، لإدارة التناقضات لا لحلّها.

    لم يكن دو كيه في نهاية المطاف صوت الحِكمة، بل صوت حسابات مغايرة. الفارق بينه وبين مَن قرّروا لبنان الكبير ليس فارقاً أخلاقياً، بل فارق تقدير للمصلحة الفرنسية.

    أن يكون الديبلوماسي الأجنبي أكثر استشرافاً من القيادة الوطنية، هذه وحدها مأساة كافية. أمّا أن يكون استشرافه نفسه مبنياً على مصلحته لا مصلحتهم، فتلك هي المأساة المضاعفة التي لا يزال لبنان يدفع ثمنها.