بعثة أممية لإنقاذ قلعة الشقيف: تاريخ من عشرة قرون يباد
-
31 May 2026
-
50 mins ago
-
-
source: tayyar.org
-
رنا البايع - المدن
تقف قلعة الشقيف التاريخية اليوم، وهي "العين التي ترى كل شيء" في الجنوب، في عين العاصفة. فالقوات الإسرائيلية تحاصرها بطوق من القصف المدفعي والجوي المباشر، متجاوزةً الخطوط الحمر والاتفاقيات الدولية كلّها.
هذا التصعيد لم يترك لبيروت خيار الصمت، إذ انطلقت جبهة مواجهة قادتها الدبلوماسية الثقافية اللبنانية لإنقاذ الحصن، في وقت يفرض فيه الميدان حسابات عسكرية معقّدة تتحدّى مرتبة "الحماية المعزّزة" التي منحتها منظمة اليونسكو للقلعة.
استنفار وزارة الثقافة في باريس
أمام هذا التهديد الوجودي المحدق بالمعلم الأثري، استنفرت وزارة الثقافة اللبنانية كافة قنواتها الدولية. وقاد وزير الثقافة غسان سلامة حراكاً دبلوماسياً عاجلاً، تجسّد في إجراء اتصالات مكثّفة واجتماع مع مدير عام منظمة اليونسكو في باريس.
وتركّزت المباحثات على ما وصفه سلامة بـِ "الأخطار الهائلة" التي تواجهها المواقع التاريخية في صور وقلعة الشقيف وغيرها من الأماكن الأثرية الجنوبية". ثم أصدرت "اليونسكو" بياناً رسمياً طالبت فيه بضرورة تحييد المواقع التراثية والأثرية عن العمليات العسكرية وتجنيبها الضربات، مع التأكيد على مواصلة التنسيق مع مكتبها الإقليمي في بيروت والسلطات اللبنانية، لتقييم الأضرار وتعزيز تدابير الحماية العاجلة للمواقع الثقافية المتضررة. فجاء البيان كوثيقة إدانة دولية لانتهاكات الاحتلال.
منهجية المحاسبة والممر القانوني
ويقول مستشار وزير الثقافة جاد تابت لـِ "المدن": "الأماكن الأثرية والتراث الإنساني هي آخر ما يعني إسرائيل في حروبها، فالاحتلال لا يكترث بالقرارات الدولية ولا يقيم وزناً للمواثيق التاريخية. ما نشهده اليوم من دمار ليس معزولاً، بل هو نهج يتّبعه العدو، تماماً كما يفعل في محيط 'آثار صور' التي تتعرّض لقصف مستمر، ما يثبت أن الحسابات العسكرية الضّيقة لديه تتقدّم دائماً على حساب أيّ قيمة حضارية أو إنسانية."
ويشرح تابت كيف أن قلعة الشقيف مصنّفة رسمياً تحت بند "الحماية المعزّزة" بموجب اتفاقية لاهاي وهي أعلى مرتبة قانونية تفرض حظراً مطلقاً على استهداف الموقع أو استخدامه للأغراض الحربية، مستطرداً أنّه على أرض الواقع تتحوّل هذه الحصانة إلى حبر على ورق أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية.
لكن الدبلوماسية لا تستسلم، بل تقوم بواجباتها عبر ممرات قانونية إلزامية تتيح لها مقاضاة الاحتلال الإسرائيلي دولياً. ويشرح تابت أنّه "ووفقاً لآليات منظمة "اليونسكو"، تطلب الدولة من اللجنة المعنية باتفاقية لاهاي تعيين "المفوض العام للشؤون الثقافية"، ويشترط القانون الدولي في هذا المفوض الحياد المطلق، ويتولى المدير العام لليونسكو تعيينه ليقوم بمهمة دراسة الوضع ميدانياً وإعداد تقرير رسمي موثّق حول الأضرار التي لحقت بالمعالم الأثرية.
وترجمةً لهذا المسار، تقدّم وزير الثقافة بطلب رسمي عاجل من أجل تعيين مفوض دولي لتقييم آثار أعمال العنف بكافة المواقع والمعالم الأثرية المحمية في الجنوب اللبناني، ولتوثيق الانتهاكات تمهيداً للمحاسبة.
أقمار صناعية وبعثة لتوثيق الانتهاكات
في ظل غياب معلومات جازمة وتضارب الأنباء حول حجم الدمار الفعلي، اتخذت اليونسكو خطوة تقنية فورية عبر شراء صور أقمار صناعية عالية الدقة ومكلفة لقراءة الوضع الميداني في القلاع المستهدفة كـَ "الشقيف"، التي يُتوقّع أن يتسلمها الجانب اللبناني مطلع الأسبوع الحالي. وتشير المندوبة الدائمة للبنان لدى الأونسكو السفيرة هند درويش لـِ "المدن" أنّه "بالتوازي، جرى تشكيل فريق عمل مشترك يضم خبراء دوليين لإرسال بعثة تقييم ميداني (Evaluation) ستنطلق فور توفّر الظروف الميدانية وتوقّف موجة العمليات العسكرية.
وتؤكّد أن تقرير هذه البعثة الميداني يكتسب صفة "الإلزامية القانونية" لأنّه يمثّل الركيزة الأساسية والشرط القانوني الإلزامي الأول الذي سيعتمد عليه لبنان رسمياً لإثبات الانتهاكات وبناء ملفات قضائية متكاملة لتقديم الشكاوى أمام محكمة العدل الدولية والمؤسسات الأممية.
وتعتبر درويش القصف المستمر لمواقع "الحماية المعززة" تحدّياً إسرائيلياً صارخاً لليونسكو التي تمتلك سلطة معنوية هائلة في العالم، ما يضع مصداقيتها على المحك باعتبار التراث العالمي ملكاً للإنسانية جمعاء.
وتشير في الوقت ذاته، إلى الاستجابة السريعة والاستثنائية للطلبات اللبنانية، وقد دعت رسمياً إلى "جلسة معلومات" عاجلة مخصّصة لملف لبنان في الثامن من الشهر المقبل، حيث ستشكّل منبراً دبلوماسياً لشرح حجم الدمار وكيفية التصدّي له بالطرق القانونية.
الاحتلال يستنسخ الماضي
تحرِّك أهدافٌ ميدانية وجيوستراتيجية بالغة الأهمية الاستهدافَ الإسرائيلي الشرس. وتكتسب قلعة الشقيف أهميتها الكبرى من موقعها الجغرافي الاستثنائي وهذا ما يمنحها إشرافاً بصرياً وعسكرياً واسع المدى، وفق مؤرخ منطقة النبطية علي مزرعاني، الذي يشرح للمدن كيف أن الناظر من أعلى القلعة يستطيع برصدٍ مجرّد أن يكشف أجزاءً واسعة من شمال فلسطين المحتلة، وصولاً إلى الجليل الأعلى ومدينة عكا، بالإضافة إلى منطقة الجولان ومرجعيون ومنطقة النبطية بكاملها.
ويضيف: "هذا الإشراف يجعل مواقع ومستعمرات الاحتلال في الشمال، ولا سيما مستعمرة "المطلة" والمستعمرات الواقعة خلفها، مكشوفة تماماً أمام القلعة كأنها تقبع في "صحن" مكشوف، وهو ما يفسر الاستهداف الإسرائيلي المستمر لهذا الحصن التاريخي".
ويقول: "هذه العقلية التدميرية للاحتلال ليست وليدة الساعة؛ إذ تعيد الأحداث الراهنة إلى الأذهان ما جرى في العام 2000. فقبيل اندحار القوات الإسرائيلية من الجنوب آنذاك، وضعت قيادة الجيش الإسرائيلي خطة لتفجير القلعة الأثرية وتدميرها بالكامل. وحينها، تضافرت الضغوط الدبلوماسية اللبنانية والدولية لتجبر الاحتلال على التراجع عن نسف القلعة، مكتفياً بتفجير المنشآت والتحصينات العسكرية الإسمنتية التي استحدثها في المحيط".
المقاومة الفلسطينية واللبنانية
ضجّت القلعة بالحياة العسكرية والسياسية، ويعود تاريخها إلى حوالي عشرة قرون مضت، حيث شيّدها الصليبيون لتكون ثكنة عسكرية ضخمة تحوي ثلاثة طوابق تحت الأرض، ونقطة انطلاق للمعارك باتجاه فلسطين، وموقعاً استراتيجياً خارجياً يكشف كافة المناطق المحيطة به.
وفي التاريخ الحديث، برز الدور المحوري للقلعة كركيزة للمقاومة والدفاع. فشكّلت في خمسينيات القرن الماضي مركز مراقبة استراتيجياً متقدماً للجيش اللبناني. ومع أواخر الستينيات وبداية الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1976، تحوّلت إلى نقطة تمركز محورية لسلاح المدفعية التابع لـِ "جيش لبنان العربي"، قبل أن تتسلمها فصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية وتحوّلها إلى حصن دائم.
وفي اجتياح العام 1978، فشل الاحتلال في اقتحامها، بالرغم من تعرضها لقصف عنيف من مدفعية الطيران والجيش الإسرائيلي. وفي مواجهة العام 1980، تصدّى المقاومون الفلسطينيون واللبنانيون لعملية إنزال جوي إسرائيلي ضخمة استهدفت تلة القلعة. أما في اجتياح العام 1982، فخاضت المقاومة مواجهات شرسة وعنيفة للدفاع عن القلعة قبل أن تسقط في يد الاحتلال، ليستخدمها العدو كمنطلق للتقدّم نحو النبطية، وصيدا، وعمق المناطق اللبنانية.
حتى بعد انسحاب الاحتلال الجزئي في العام 1985، رفضت القوات الإسرائيلية إخلاء قلعة الشقيف والمرتفعات الحاكمة المحيطة بها، ممركِزةً فيها حامية عسكرية كبرى لمراقبة وقصف منطقة النبطية وإبقائها تحت التهديد العسكري المباشر. وخلال الخمسة عشر عاماً التالية، تحوّلت تلال أرنون ومحيط القلعة إلى ساحة عمليات مستمرة، حتى تحقّق التحرير الكامل في أيار من العام 2000.
تاريخ حافل عاشته هذه القلعة، وهذا ما يدفع إلى التخوّف من استنساخ للماضي، وإعادة احتلال القلعة بهدف إسقاط النبطية والقرى المتاخمة والسيطرة العسكرية التامة. فهل تكفي الإدانة الدولية أمام ممارسات عدو لا يرى في التراث الإنساني سوى تلّة حربية صالحة للسيطرة والنار؟
-
-
Just in
-
11 :02
غارة إسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر بقضاء النبطية
-
10 :58
إسرائيل ترفع علمها فوق الشقيف... كاتس يعلن عبور الليطاني و"السيطرة" على المرتفع! تتمة
-
10 :55
"القناة 12" الإسرائيلية: الحكومة تطلب تمديد استدعاء قوات الاحتياط حتى 31 تموز
-
10 :54
الجبهة الداخلية الإسرائيلية: تفعيل صفارات الإنذار في زرعيت بشمال إسرائيل
-
10 :52
خاصّ - فوضى الأثير… محطات تنبت خارج القانون! تتمة
-
10 :45
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: إيران تواجه وضعاً حساساً للغاية وتحديات عدة ويجب ألا تنحصر إدارة البلد في دائرة محدودة من صانعي القرار
-
-
Other stories
Just in
-
11 :02
غارة إسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر بقضاء النبطية
-
10 :58
إسرائيل ترفع علمها فوق الشقيف... كاتس يعلن عبور الليطاني و"السيطرة" على المرتفع! تتمة
-
10 :55
"القناة 12" الإسرائيلية: الحكومة تطلب تمديد استدعاء قوات الاحتياط حتى 31 تموز
-
10 :54
الجبهة الداخلية الإسرائيلية: تفعيل صفارات الإنذار في زرعيت بشمال إسرائيل
-
10 :52
خاصّ - فوضى الأثير… محطات تنبت خارج القانون! تتمة
-
10 :45
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: إيران تواجه وضعاً حساساً للغاية وتحديات عدة ويجب ألا تنحصر إدارة البلد في دائرة محدودة من صانعي القرار
All news
- Filter
-
-
إسرائيل ترفع علمها فوق الشقيف... كاتس يعلن عبور الليطاني و"السيطرة" على المرتفع!
-
31 May 2026
-
EXCLUSIVEخاصّ - فوضى الأثير… محطات تنبت خارج القانون!
-
31 May 2026
-
مواجهات عنيفة في باريس ليلًا... ماذا حصل؟ (فيديو)
-
31 May 2026
-
بالصورة: العلم الإسرائيلي ولواء غولاني فوق قلعة الشقيف
-
31 May 2026
-
شهداء وجرحى في غارات فجر اليوم
-
31 May 2026
-
إنذار إسرائيليّ عاجل إلى سكان جنوب لبنان!
-
31 May 2026
-
"ضرب بيروت مسألة وقت"؟!
-
31 May 2026
-
معادلات لواقع صعب: ماذا لو ربطت إسرائيل انسحابها بالسلاح؟
-
31 May 2026
-
تصعيد إسرائيليّ عنيف... الوفد العسكري اللبناني غادر البنتاغون بأجواء من التوتر؟
-
31 May 2026
-
"القناة 11" الإسرائيلية: الجيش يرفع علم إسرائيل وعلم لواء "غولاني" بعد السيطرة على قلعة الشقيف
-
31 May 2026

